مراجعة كتاب «حصوننا مهددة من داخلها»

لمحمد محمد حسين رحمه الله تعالى(1)

1- غاية الكتاب وظروف تأليفه:

في أعقاب ثورة 1952م في مصر تولّى الأستاذ محبّ الدين الخطيب رئاسة تحرير «مجلة الأزهر» بترشيح من شيخ الأزهر إذ ذاك الشيخ محمد الخضر حسين(2).وكان تعيين محمد الخضر حسين شيخًا للأزهر من قِبَل رجال الثورة. يقول أحمد الصديق الغماري في سببه: (لما انقلب الحكم بمصر وتولاه العسكريون وقضوا على الأحزاب عزلوا من كان شيخًا للأزهر لدخوله في الأحزاب، ثم لما لم يجدوا من يتولى المشيخة ممن هو بعيد عن النزعة الحزبية غيره فولوه مشيخة الأزهر، فبقي بها نحو سنتين) (3).

ومما يشار إليه أنّ توجهات رؤساء تحرير مجلة الأزهر وكتابها منذ تأسيسها وصدورها أولًا باسم «نور الإسلام» كانت متباينة. يُذكَر من مراحل المجلة المرحلة التي كان يكتب فيها الشيخ يوسف الدجوي مقالات ضد الوهابية وتصدى له إذ ذاك صاحب المنار رشيد رضا (4)، ثم المرحلة التي استُجلِب فيها رجل من خارج الأزهر لرئاستها وهو محمد فريد وجدي الذي رأس تحريرها نيفًا وعشر سنين (5). أما في مرحلة رئاسة الشيخ محبّ الدين الخطيب للمجلة فيمكن تحصيل تصوّر عن توجه المجلة إذ ذاك بوصفِ مخالفٍ من مخالفي محب الدين الخطيب وهو عبد المتعال الصعيدي ذي التوجه العصراني، إذ يصف المجلة بأنها صارت بشكل جليّ (موئلًا لأهل الجمود) (6).

في فترة رئاسة الأستاذ محب الدين الخطيب للمَجلة كتب فيها الدكتور محمد محمد حسين الأستاذ في كلية الآداب في جامعة الإسكندريّة مقالات أكثرها تحت عنوان «حصوننا مهددة من داخلها» في عامي 1377، 1378هـ (1958، 1959م). ثُمَّ إن بعض هذه المقالات نُشِرَت أول مرة مجموعة تحت عنوان «في أوكار الهدّامين»، حين استأذن الشيخ عبد المهيمن أبو السمح إمام الحرم المكي المؤلفَ في نشرها(7). ثم صدر هذا المجموع بعدّة تعديلات وإضافات، آخرها الطبعة الرابعة التي طبعت سنة 1977م بعنوان «حصوننا مهددة من داخلها». وهذا المجموع الأخير بهذا الاسم هو الكتاب الذي بين أيدينا.

وقد انقطع محمد محمد حسين عن الكتابة في «مجلة الأزهر» لما نُحِّي محب الدين الخطيب عن رئاسة تحريرها، وحل محله أحمد حسن الزيات. (ص8).

لم يكن الدكتور محمد محمد حسين أزهريًّا، وإنما هو خريج كلية الآداب التي نشأت في ظلّ الاستعمار البريطاني، وقد حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة القاهرة، وعنوان بحثه «الهجاء والهجاؤون». يتحدث حسين في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا عن تحوّل طرأ عليه، إذ كان كان مخدوعًا بالحياة الأدبية الفاسدة في مصر فترة من زمانه، ثم انكشف له حالها، فكان ذلك باعثًا قويًّا لديه ليتصدّى لكشفها. ويتحدّث أيضًا عن عدم رضاه عن بحث الدكتوراة الذي (توّج) به مسيرته في تلك الحياة الأدبية الفاسدة.

يقول: (وقد كان مصابي هذا في نفسي وفي تفكيري، مما جعلني أقوى الناس إحساسًا بالكارثة التي يتردى فيها ضحايا هؤلاء المفسدين، وأشدهم رغبة في إنقاذهم منها، بالكشف عما خفي من أساليب الهدَّامين وشراكهم). (ص13).

وقد كتب المؤلف هذه المقالات التي تشكل الكتاب الذي بين أيدينا بقصد تلبية هذه الحاجة، وهي الكشف عن أساليب من يسميهم الهدَّامِين وشِرَاكهم.

ويقول في مقدمة الطبعة الثالثة للكتاب سنة 1971م: (وبعضُ الذين تناوَلَتْهُم هذه المقالات ممن ربطتني بهم صداقة أو صلة قديمة، وبعضهم ممن لم أكن قد عرفته ثم التقيت به من بعد وعرفت فيه نواحي من العلم والفضل، ومع ذلك فالله يشهد أن ما كان في هذه المقالات من حُبٍّ أو بغض كان خالصًا لوجه الله، لم تشُبْهُ شائبة من شهوة أو هوى، وقد رأيت أن أترك كل شيء في هذه الطبعة كما كتبته أول مرة دون تغيير أو تبديل, لأنه صورة من صراع الآراء الذي جرى ولا يزال يجري في بلاد المسلمين، فهو من هذه الناحية قطعة من التاريخ الفكري لهذه الحقبة، لم يعد من حقي أن أبدل فيه أو أغير). (ص6).

أما الظرف السياسي الذي كُتِبَت فيه المقالات فيقول المؤلف: (الكتابُ يؤرِّخُ لبعض نواحي التغريب وآثارِه في بلاد العرب بعد الحرب العالمية الثانية). (ص200). والتغريب بحسب تعبير المؤلف (طبعُ العربِ والمسلمين والشرقيين عامَّة بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية، مما يساعد على إيجاد روابط من الود والتفاهم بين الحمار وراكبه) (ص101). إذًا؛ كانت تلك الفترة التي كتبت فيه هذه المقالات فترة بداية النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولذا نجد في هذا الكتاب حديثًا عن نشاطات أمريكية عديدة، منها مؤتمر دعت إليه الجامعة الأمريكية ببيروت سنة 1956م، وعقد في مقرّها، وأنفقت عليه مؤسسة روكفلر الأمريكية، وعن إصدارات تنشرها مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر بمصر، وعن تعاون اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية مع السفارة الأمريكية بالقاهرة ومنظمة اليونسكو. يقول المؤلف مفسرًا تركيزه على التغريب الأمريكي: (ومن الواضح أنِّي حين أتكلَّمُ عن الغرب أعني الغربَ كُلَّه، غربيَّه وشرقيَّه، الذين استغلُّونا واستعبَدُونا في الأمس الغابر ولا يزالون، والذين يطمعون في استغلالنا واستعبادنا في الغد القريب أو البعيد، والذين يغزون أسواقنا ويغزون عقائدنا، من الواضح أنهم جميعاً سواء، وإنما يبدو حديثي في معظمه موجهاً إلى فريق منهم دون فريق, لأن ذلك الفريق - والمقصود به هو المعسكر الأمريكي وحلفاؤه من الإِنجليز والفرنسيين خاصة - يمثل الخطر الراهن الماثل، ولأن عملاء هذا المعسكر هم أقدم السماسرة وأعرقهم في هذه الحرفة الدنيئة، وقد رشحهم هذا القدم وهذه العراقة - بعون سادتهم وتضامن عصابتهم - لاحتلال كثير من المراكز الخطيرة في حصوننا. ونحن حين نوجه النظر إلى الخطر الراهن الماثل لا ينبغي أن نغفل عن الخط المتربص الذي يتحين الفرص). (ص119-120).

هذا على الصعيد الدولي؛ أما على الصعيد المحلّي فقد كُتِبت هذه المقالات - كما تقدّم - في الحقبة الناصريَّة.

ومما يلاحظ في منهجية المؤلف في التعامل مع النشاطات الهدّامة التي كتب مقالاته بهدف التصدّي لها: أنه لا يتحدّث عن الثورة ورجالها ودعوتها حديث الخصم أو المناوىء، بل يثني على أعمال سياسية قام بها عبد الناصر، مثل الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958م، ويعدّها عملًا في مقابل أعمال الهدّامين، يقول: (قدَّر الإِنجليز ودبَّرُوا ورسَمُوا وخَطَّطُوا, ولكنَّ التيار كان أقوى من كل ما يُدَّبِرون، وأخذ سيلُ هذه القومية الجاري يَشقُّ لنفسه الطريق بعيدًا عن الطرق التي رُسِمَت له من قبل بأيد غير أيدي أبنائه، وأصبحت القومية العربية حقيقة واقعة ولم تعد حلمًا ولا أملًا. أصبحت حقيقة تعترف بها حكومتا مصر وسوريا في دستور كلٍّ من البلدين، وها هو ذا تيارها يجري إلى مستقره بأسرع مما كان يحلم أكثر الناس تفاؤلاً. وهي بعد ذلك حقيقة واقعة مقررة عند الشعوب العربية كلها على اختلافها وعلى اختلاف ميول حكامها). (ص99).

ويقول: (أنا أعلم أن هذه الأساليب الفاسدة كلها حائلة زائلة إن شاء الله، وأنها لن تقوى على مقاومة مد القومية العربية الذي لا يزال يعلو ويرتفع. وبوادر ذلك وطلائعه واضحة في كثير من كتب هذا العام الدراسي لم التي خضعت برامجها للاتفاقية الثقافية، ولكني انتهزت الفرصة لأنبه في هذا المقام إلى أساليب يعتمد مروجوها أكثَر ما يعتمدون على غفلة الناس عنهم وجهلهم حقائق ما يهدفون إليه، ولألقي الضوء على بعض ما يدبره المفسدون في الظلام). (ص169).

كما أنه يحتجُّ بدستور الدولة على الدعوات والنشاطات التي يتصدّى لها، سيما عندما تصدّى لنتاج جهة حكومية هي وزارة الإرشاد القومي، فيحتجّ بنصوص الدستور ضد من يدعو إلى إحياء الفرعونية (ص51)، ويصفُ الدولة المصريَّة بأنَّها دولةٌ مسلمةٌ متديِّنَةٌ في سياق حديثه عن عدم استحقاق بحث جامعي للنشر لمناقضة بعض مضامينه للإسلام. (ص235).

أما حديثه عن عبد الناصر؛ ففي ردّه على دعاة إحياء الفرعونية واحتجاجهم بأن تقاطيع وجه عبد الناصر تشبه الفراعنة يقول: (وجمال عبد الناصر - مثله في ذلك مثل ملايين عديدة من المصريين - عربي الأصل من بني مر. فمن أين يجيئه العِرْق الفرعوني؟ وأي فخر في أن يكون جَدّه أحدَ هؤلاء الكفار الجبابرة الذين قطع الإِسلام ما بيننا وبينهم؟). (ص52).

كما أن المؤلف يجعل من أهدافه في كشف حيل الهدّامين وأساليبهم مناصحة ولاة الأمر في ما قد يخفى عليهم من حيل الهدّامين، فيقول: (وشيء آخر كان بين عيني أيضًا حين كتبت هذه الكلمات، وهو أن أقوم بواجب في عنقي نحو ولاة أمورنا، وأن أعينهم بالنصح فيما أعلم ابتغاء لثواب الله، وإبراءً للذمة من عهدة لا تبرئنى منها إلَّا هذه الكلمات). (ص14). ويرى أن كشف حيلهم مطلب ضروري لأن الهدّامين يستفيدون من أجواء الثورات للنشاط (ص158، 175).

فالمُؤلِّف إذًا يسعى في مجادلاته للهدامين لجعل الثورة ورجلها عبد الناصر وشعاراتها ودستورها في صفّه لا في صفّهم، ويجعل ولاة الأمر في الدولة محلًّا للنصح والتحذير من خطرهم. فالحاصل أن السياسي إذ ذاك في المنهجية التي سار عليها المؤلف في التصدّي للدعوات الهدّامة= يمكن أن يكون وسيلة لإصلاح الفساد الذي ينتج على أيدي الهدّامين.

2- موضوع الكتاب:

في سبيل تحقيق الغاية التي من أجلها كتب المؤلف مقالاته وهي (كشف أساليب الهدّامين وخططهم) ، جعل موضوع هذه المقالات الكشف عن دعوات ونشاطات قام بها أولئ الهدامون في ذلك الوقت، ومناقشتهم في دعواتهم تلك بأساليب متعددة.

فيتناول المؤلف مؤتمرات تدعمها أمريكا في المنطقة العربية ويكشف أهدافها، ويتناول كتب علم النفس التي تروجها مؤسسة أمريكية تتضمن مناقضة للإسلام، ونشاطات تقوم بها اللجنة الثقافية في جامعة الدول العربية التي يرأسها طه حسين إذ ذاك، منها ترجمة كتبٍ مخالفة للإسلام، تطعن في الأنبياء، ومنها مؤتمر يدعو بعض حضوره إلى مسخ قواعد اللغة العربية ومسخ اللغة الفصحى، ومنها بحوث تصدر عنها تتضمن الدعوة إلى تطوير الفقه الإسلامي في ضوء القوانين الغربية، والدعوة إلى اقتباس ثقافة الغرب.

كما يتناول المؤلف نشاطات تصدر عن وزارة الإرشاد القومي المصرية، منها برامج تنشر الهزل وتشبع الشهوات، وتعظم شأن الفلكور الشعبي، ومنها المجلة التي تصدر عنها والتي تضمنت الدعوة إلى إحياء الفرعونية.

ويتناول المؤلف أيضًا الدعوات إلى اختلاط المرأة بالرجال، وإلى مشاركة المرأة الرجل في ميادين عمله.

ويتناول المؤلف اقتراحين تقدم بهما محمد أحمد خلف الله في مجال المناهج الجامعية، كما يعرض مذكرة تقدم بها لأحد المؤتمرات الجامعية، ومذكرة تقدم بها معترضًا على بحث جامعيٍّ قدم لكلية الآداب بجامعة الاسكندرية، ومذكرة تقدم بها لوزير التعليم العالي السعودي. وهذه المذكرات ألحقها المؤلف بكتابه مؤخرًا، وليست مما نشره في مجلة الأزهر.

يقول المؤلف في وصف الموضوعات التي تناولها في هذا الكتاب: (ورأيتُ النَّاسَ مشغولين بالجدل والنقاش حول ما يُثِيره دعاةُ الانحلال والإلحاد من موضوعات يسترون مآربهم الهدَّامة من ورائها تحت أسماء خلاَّبة برَّاقة، كالنهضة، والتحرر، والتطور، ومتابعة ركب الحياة، وهي موضوعاتٌ منوَّعَة تشمل الحياة في شتى نواحيها، يخترعونها ثم يُهوِّلون من شأنها، ويُكثِرون من الأخذ والرد حولها، حتى يلفتوا إليها أنظار الناس، وحتى ينشأ جيلٌ جديد مرنت أذنه منذ وعى على سماع المناقشات حول هذه الموضوعات, فيتوهم أنها مشكلات حقيقية لا بد لها من حل، ويتجه في أغلب الأحيان - كما جرت عادة الناس - إلى أنصاف الحلول التي ترضي الطرفين المتخاصمين حسب وهمه. والخاسر في حقيقة الأمر هو صاحب الحق. والربح كله للباطل وأصحابه). (ص9-10).

3- طريقة المؤلف في الكتاب:

المؤلف في هذا الكتاب يسعى بتنويع الألفاظ وتأكيد المعاني وتكرارها، والبسط والشرح= أن يُوصِل للقارىء الشعورَ بالخطر الناتج عن تلك الدعوات والنشاطات الهدامة. فنَفَس التحذير من الخطر يسود الكتاب، وهو ما عبّر عنه عنوان الكتاب بأمانة.

ويدعو المؤلف إلى المفاصلة التامّة مع الهدّامين في دعواتهم، وعدم التنازل لهم، يقول: (إن الذي يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة في أول الطريق لا يدري إلى أين تسوقه قدماه وإلى أين ينتهي به المسير). (ص95). ويقول: (التزحزح عن الحق كالتفريط في العرض، فالذي يقبل التزحزح عن الحق قيد أنملة مرة واحدة يهون عليه أمثالها مرة ثم مرات حتى يسقط إلى الحضيض). (ص147). ويبرز المؤلف أصل الإشكال بكلّ وضوح، وأنه مرتبط بالتسليم للوحي والصدور عن أحكامه وأصوله، إذ يقول: (فلنضع السؤال الصريح القاطع إذن دون لفٍّ أو دوران، ففيه فصل الخطاب: هل نريد أن نظل مسلمين تحكُمنا أصول الاسلام، ونراقب وجوه النفع والضرر من وجهة نظر إسلامية؟ أم أننا نخدع أنفسنا وننافق الناس؟ وحقيقة الأمر أننا نضيق بقيود الإِسلام، ونريد أن ننطلق من كل قيد، ونريد أن نحيا يومنا وليكن ما يكون في الغد القريب أو البعيد؟). (ص211).

وفي مناقشته للدعوات الهدّامة ينوّع الأساليب، فيحاجج بالنصوص الشرعية تارة، وببيان المفاسد النفسية والاجتماعية تارة، وبمخالفة الدستور ونظام الدولة والقومية العربية تارة، وبالأبعاد الاستعمارية لتلك الدعوات تارة.

كما يسعى أيضًا لذكر الجذر التاريخي لكل دعوة هدامة في مصر، وإلى ضمّ الكلام المتشابه الذي يدعو أصحابه لنفس الدعوة بعضِه إلى بعض.

وهذه المقالات التي كتبها المؤلف في أوقات متباعدة زمنيًّا قام بتوزيعها على خمسة أقسام بعد أن جمعها في هذا الكتاب. القسم الأول في الدراسات النفسية والاجتماعية، والقسم الثاني في الفن والثقافة، والقسم الثالث في التنظيم الاجتماعي، والقسم الرابع في جامعة الدول العربية، والقسم الخامس في مناهج اللغة والدين.

وقد ألحق المؤلف فهرسين بالكتاب: الأول لأسماء الأعلام الوارد ذكرهم فيه، والثاني فهرس يتضمن عناوين لفقرات الكتاب وموضوعاته التفصيلية.

4- عرض إجمالي لمضامين الكتاب:

القسم الأول من الكتاب بعنوان (في الدراسات النفسية والاجتماعية) يحتوي على مقالٍ واحد. يرصد فيه المؤلف بعض النشاطات الأمريكية في مجال التربية والتعليم في المنطقة العربيّة. أوَّلها: مؤتمر دعت إليه الجامعة الأمريكية ببيروت سنة 1956م، وعقد في مقرّها، وحضرته شخصيات من دول عربية متعددة بعضهم وزراء تربية سابقين، ويذكر المؤلف أن الحضور بقوا في ضيافة المؤتمر أربعة شهور كاملة، وأن المؤتمر أنفقت عليه مؤسسة «روكفلر» الأمريكية. (ص28-29).

وقد أصدرت دائرة التربية في الجامعة المذكورَة أعمال المؤتمر بعنوان «محاضرات في نظم التربية في لبنان وسوريا ومصر والأردن والعراق»، أشرف عليها حبيب الكوراني رئيس الدائرة. ووقف المؤلف على هذا الكتاب، وأورد منه نصوصًا استدلّ بها على أن أهداف هذه المؤتمرات لا تخرج عن هدفين اثنين هما الجاسوسية والسيطرة على توجيه المجتمع. يوضح ذلك بقوله: (ففي مثل هذه المؤتمرات يتيسَّر استقاء معلومات دقيقة من مصادر موثوق بها، كما يمكن معرفة الاتجاهات الفكرية لقادة الرأي والمسؤولين في هذه البلاد. وهذه المؤتمرات - مثل المؤسسات الأمريكية والدولية التي أشرت إليها من قبل - هي أضمن الوسائل وأرخصها وأوثقها لجمع المعلومات الصحيحة الدقيقة التي تخدم الذين يرسمون الخطط السياسية والحربية لهذه المنطقة.

ثم إن هذه المؤتمرات هي - من ناحية أخرى - وسيلة للاتصال القريب المباشر بالمسؤولين، يَعْجِمون عودهم، ويدرسونهم عن قرب، ويختبرون مدى مناعتهم ومدى استعدادهم للتجاوب مع الأهداف الخفية للسياسة الاستعمارية، كما يختبرون مواطن القوة ومواطن الضعف في كل واحد منهم لمعرفة أنجح الوسائل للاتصال بهم والتأثير عليهم. هذا إلى أن الكلام الذي يلقى في هذه المؤتمرات - وهو مجامل لا شك لوجهة نظر الداعي إلى المؤتمر - لا بد أن يلقى صدى في نفوس كثير من هؤلاء المسؤولين من المدعوين). (ص25).

واقتبس المؤلف من هذا الكتاب نصوصًا من كلمة رئيس قسم التدريب في (المركز الدولي للتربية الأساسية في العالم العربي) يعرّف صاحبها بهذا المركز، ليتوسل المؤلف بهذه النصوص لكشف هذا المركز؛ ليصفه بأنه ( لا عمل له إلا سلخ الريف العربي من دينه وخلقه وعروبيته وطبعه بالطابع الأمريكي). (ص20). وأن تغيير الأفكار والقناعات التي يهدف لها هذا المركز (تقوم على أسس غربية خالصة تروّج باسم علم النفس). (ص20). وأنه يهدف إلى الجاسوسية، وإفساد المرأة الريفية - وهنا يقتبس المؤلف كلامًا من أعمال مؤتمر أمريكي آخر ليثبت هذا الهدف- (ص23)، وتخريج جيل من الخبراء الاجتماعيين المصبوبين في قوالب أمريكية (ص24-25).

ويذكر المؤلف أن أعمال المؤتمر فيها كلام كثير عن (فضل أمريكا في إنشاء مؤسسات التعليم المختلفة ومعاهده المتباينة في شرق الأردن وفي لبنان خاصّة). (ص27). ولكنه لا يخوض في تفاصيل ما ألقاه المؤتمرون في هذه المؤتمر. (ص28).

وثاني تلك النشاطات الأمريكية: إصدار أصدرته مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، وهو سلسلة بعنوان «كيف نفهم الأطفال: سلسلة دراسات سيكولوجية»، أشرف عليها عبد العزيز القوصي، المستشار الفني لوزارة التربية والتعليم إذ ذاك، الذي يصفه المؤلف بأنه (من كبار رجال التربية في مصر) (ص30).

يذكر المؤلف أن مثل هذه المؤسسة تقدّم الدعم المادي لهذه الإصدارات بهدف (توثيق الصلات بنفر من ذوي النفوذ وكسب ودهم وولائهم بالبذل السخي الذي يقدم في صورة مهذبة مؤدبة جدًّا). (ص30). وبهدف (السيطرة على توجيه المجتمع، عن طريق هؤلاء الأصدقاء من أصحاب النفوذ وعن طريق المخدوعين بأسمائهم ممن يقرءون ما ينشرون). (ص30).

ثم ينتقل المؤلف إلى تقييم مضامين هذه المنشورات فيقول: (والذي ينشرونه ليس باطلاً كله، بل إن فيه حقًّا كثيرًا، بل إن الباطل فيه يلبس ثوب الحق فيصعب على غير الخبير الاهتداء إلى موضع الخطر فيه، ولكن بعض الأباطيل عارية لا تخفى ولا تلبس غير أثوابها). (ص30-31).

ويمثّل المؤلف على هذا الباطل العاري الوارد في إصدارات هذه المؤسسة؛ بإصدار بعنوان «الطفل والأمور الجنسية»، فيقتبس منه نصوصًا تمدح سلوكيات تخالف الأخلاق والأحكام الإسلامية، مثل استحسان ظهور الوالدين مجردين من الثياب أمام أطفالهم ليتعودوا على الشعور بأن الجنس ليس أمرًا مشينًا، وعدّ عرض الأطفال أعضاءهم التناسلية على بعض سلوكًا طبيعيًّا، وكذلك ممارسة العادة السرّية، وتشجيع الاختلاط بين الأطفال من الجنسين للمساعدة على تكوين مشاعر طبيعية مريحة نحو أفراد الجنس الآخر، واعتبار التعبير عن الحب باللمس والتقبيل أو الضغط على اليد بين الفتيان والفتيات سلوكًا طبيعيًّا. (ص33).

ثم ينتقل المؤلف للاقتباس من كتاب آخر من إصدارات مؤسسة فرانكلين، ليكشف هذه الإصدارات التي يشرف عليها القوصي المذكور، وهو بعنوان «كيف تتكامل الشخصية»، فيقتبس منه كلامًا أورده تحت عنوان (اعتبار المشاعر الجنسية مشاعر طبيعية)، يعدّ فيه الشوق إلى القبلة وإلى الغزل الرقيق، أو الإنصات إلى قصّة فيها تلميحات جنسيّة ليست أمورًا شائنة. (ص34).

ويقول المؤلف بعد أن يورد هذا: (فهذه الدعوات وأمثالها مما ننزعج له لأنَّه يُنافي الدين والخُلُقَ القويم، ومما نسميه نحن بذاء أو فجورًا، ويسميه أصحابه (علمًا) ويضعونه تحت عنوان جميل اسمه (علم النفس)، ويُغْوون الناس باسم العلم فيما فشل فيه التبشير والدعوات الهدامة طوال قرن من الزمان. نعم، هذا البذاء وهذه الدعوة السافرة إلى هدم الخلق ونقضه، والقضاء على الحياء الذي لا يقوم بغيره مجتمع ولا خلق ولا دين، وإشاعة الفاحشة بين خلق الله، تسمى عند الأمريكيين وسماسرتهم علمًا). (ص34-35).

ويختم المؤلف مقاله هذا بتقويم (علم النفس)، فيبين أن نتائج الدراسات النفسية تتوقف صحتها على شروط صعبة منها: صراحة الأفراد المستجوبين وصدقهم، وتمثيلهم للجنس الذي ينتمون إليه تمثيلًا صحيحًا، وأمانة الباحثين وصحة إدراكهم لدلالات ما يشاهدونه ويحسونه، وبعدهم عن التحيّز وأن يكونوا مسخرين لخدمة مذاهب سياسية واقتصادية ودينية. ويجعل تفاوت الناس في تحقيق هذه الشروط مفسِّرًا لتعدد مذاهب النفسيين والاجتماعيين. ويبني على هذا عدم صحة معارضة نصوص الدين بمثل هذه النتائج. (ص35-36).

ويقرر وجهًا آخر من أوجه قصور علم النفس، وهو اعتماده على أداة التجربة والإحصاء وهي أداة قاصرة محدودة بالزمان والمكان والحواس، لا يركن إليها في الاستناد إلى التنظيم الاجتماعي والتقنين التربوي والخلقي، بل لا بد من الرجوع إلى الشرائع الإلهية. (ص36-37). وبناء على هذا يقرر المؤلف وجوب تقييد البحوث النفسية والاجتماعية والأخلاقية بقيود الدين، وأن لا يستفاد من خبرة الغرب في هذا المجال، وإنما في مجالات أخرى يصح الاستفادة منهم فيها مثل الصناعات.

والقسم الثاني من الكتاب بعنوان (في الفن والثقافة) يحتوي على مقالٍ واحدٍ أيضًا، ينتقد فيه بعض النتاج الصادر عن (وزارة الإرشاد القومي) التي أنشأت بعد الثورة في سنة 1952م، وتتبع لها مصالح وأقسام وإدارات منها الإذاعة.

ينتقد المؤلف بعض البرامج الهزلية وغيرها والقصص المسلسلة التي كانت تبثها الإذاعة في ذلك الوقت، ويصف الإذاعة بأنه تجري على سياسة إشباع الشهوات لا الإرشاد، وأنها تفسد ولا تصلح، وتغوي ولا تهدي (ص45).

وينتقد المؤلف وسيلة من وسائل التلهية تبذل لها مصلحة الفنون ومجلس الآداب التابعان لوزارة الإرشاد القومي شطرًا كبيرًا من جهودهما، وهي (الفلكلور)، ويربطه بالاستعمار، وبدعوات مرتبطة به مثل الدعوة إلى إحياء الفرعونية في مصر التي ظهرت في مطلع القرن الماضي في وقت الاحتلال الانجليزي، ونشطت في الدعوة لها مجلة «السياسة الأسبوعية» إذ ذاك.

ثم ينتقل المؤلف إلى انتقاد مقالات نشرت في مجلة «المجلة» الصادرة عن وزارة الإرشاد القومي آنفة الذكر، تدعو بنفس تلك الدعوة. يصف المؤلف هذه المجلة بأنها تسيطر عليها العصبية الشعوبية والفرعونية الجاهلية سيطرة كاملة، وبأنها مطبوعة بطابع شعبوي انفصالي يتحدّى دستور الدولة. (ص51).

وينقل المؤلف من مقالات تلك المجلة اقتباسات تدل على تلك الدعوة، منها رد أحد كتاب تلك المجلة مظاهر الحضارة الإنسانية بكل أشكالها وألوانها إلى الفراعنة، وينسب إليهم (صنع فكرة الإيمان بالله) على حد تعبيره. (ص53). وتقديس أحد الكتاب العهد الفرعوني، وطعنه بالخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه. (ص54). وغلو أحدهم في الوطنية المصرية إلى حد وصفها بأنها لا تدركها سنة ولا نوم. (ص55). ويذكر المؤلف جانب آخر هدام من جوانب هذه الدعوة هو الجانب اللغوي، الذي يدعو إلى اتخاذ اللهجات السوقية (ص57).

ويحتجّ المؤلف على أصحاب هذه الدعوات بكون دعواتهم مناقضة لدستور الدولة فيقول: (ومن الواضح البينّ أن هذه الدعوات الشعوبية قد أصبحت تخالف دستورنا مخالفة صريحة تُوقِع أصحابها تحت طائلة العقاب. فلم يعد هناك مجال للكلام عن الفرعونية التي تَعتبِر العرب دخلاء بعد أن قررت المادة الأولى من الدستور أن (مصر دولة عربية) وأن (الشعب المصري جزء من الأمة العربية)، ولم يعد هناك مجال للكلام عن (الفولكلور) المصري القديم أو الحديث والدعوة إلى إقامة حياتنا وفنوننا على أساسه، بعد أن نصت المادة الثالثة من الدستور على أن (الإِسلام دين الدولة) تم نصت المادة الخامسة على أن (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية). فنظام مجتمعنا لا يستمد مقوِّماته إذن من ذلك (الفولكلور) قديمه أو حديثه، ولكنه يستمدها من ديننا الِإسلامي ومن أخلاقنا الإِسلامية ومن وطنيتنا العربية). (ص51).

والقسم الثالث من الكتاب بعنوان (في التنظيم الاجتماعي) يضمّ مقالين الأول بعنوان (المجتمع المختلط) يناقش فيه المؤلف الدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين في المدارس وفي الإدارات الحكومية وفي المصانع وفي الشركات وفي الأندية والمجتمعات، ويعلل دعاة الاختلاط دعوتهم له بأن فيه علاجًا للأضرار المتولدة عن الكبت الجنسي. (ص61).

يناقش المؤلف هذه الدعوة بمسلكين: الأول: بذكر النصوص الشرعية التي تمنع الاختلاط، وما يستفاد منها من أحكام تناقض الدعوة إلى الاختلاط. (ص62-68). وهذا المسلك يفيد مع من يلتزم حدود الله ويقيمها.

ويقارن المؤلف في ضمن كلامه بين مفهوم الصبر الذي ورد في القرآن في سياق الحديث عن قضية الزواج من الإماء، وبين مفهوم الكبت الجنسي الذي يعلل دعاة الاختلاط دعوتهم بأن فيها علاجًا له فيقول: (يقول الله تبارك وتعالى إن (الصبر خير)، بينما يسمي الفُروْيدِيّون الصبر وضبط النفس والتحكم في الرغائب والشهوات كبتًا، ويرتِّبون على هذا الكبت ما شاءت لهم شياطينهم من الأمراض النفسية، فليختر المسلمون لأنفسهم بين الكفر والإِيمان، وبين ما أوحى الله إلى نبيه وما أوحت شياطين الجن إلى شياطين الإِنس). (ص76).

ثم ينتقل المؤلف إلى مناقشة هذه الدعوة بمسلك يخاطب به من لا يلتزمون حدود الله، وهو شرح المفاسد الناتجة عن الاختلاط، فيبين المؤلف أن الاختلاط يؤدي إلى البرود الجنسي الذي ينتج عنه ضعف النسل والشذوذ الجنسي، ويفصل في بيان وجه ذلك. (ص69-74). ثم يذكر في مناقشة هؤلاء نصوصًا ينقلها عن غربيين تصور المفاسد التي نتجت عن التحلل الجنسي في بلاد الغرب، مثل إحصائية تذكر أن 90% من النساء الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي. (ص75).

ثم ينتقل المؤلف للإجابة عن بعض المزاعم التي يدعيها دعاة الاختلاط، مثل القول بأن الريف العربي يمارس الاختلاط. (ص75-76)، وأن أضرار الاختلاط ستزول كما زالت في الغرب (ص76)، ومعارضتهم لما جاء في الشريعة بمنع الاختلاط بما كان عليه الفراعنة، وبالدراسات النفسية الحديثة. (ص76-77).

ويختم المؤلف مقاله بنصوص من بروتوكلات حكماء صهيون يذكر فيها أن إشاعة الفسق في الأمم وسيلة صهيونية للسيطرة على العالم. (ص77-80).

والمقال الثاني بعنوان (الجنس الثالث) يتحدّث فيه المؤلف عن الدعوة إلى مشاركة المرأة للرجل في ميادين عمله، بحيث تجعل هذه السنة أصلًا من أصول التنظيم الاجتماعي. فيذكر أن هذه الدعوة تخالف روح الشريعة، وتناقض كثيرًا من نصوصها، وتعارض كثيرًا من شرائعها وحدودها تعارضًا واضحًا. (ص84). ويسوق النصوص الدالة على ذلك وما يستفاد منها من معاني وأحكام. (ص84-89). ويحتجّ في نقض هذه الدعوة أنه لم يدع أحدٌ إليها قبل قاسم أمين. (ص90).

ثم يتحدّث المؤلف عن مفاسد هذه الدعوة إذ يذكر أن ذلك يؤدي إلى إخلال المرأة بوظيفتها في رعاية الأطفال وحضانتهم، ورعاية الزوج، وأن هذه المفاسد ظهرت في المجتمعات الغربية. (ص90-94).

ثم يجيب المؤلف عن مزاعم أصحاب هذه الدعوة، مثل قولهم بأنه لا عمل للمرأة في بيتها (ص94)، واحتجاجهم ببعض النابغات من المسلمات في التاريخ في العلم أو من شاركن بالقتال (ص95)، واحتجاجهم بأن بعض النساء يحتجن إلى العمل مثل العانسات ومن فقدن العائل والزوج (ص95)، واحتجاجهم بأن هذا الأمر صار أمرًا واقعًا وقاعدة مقررة. (ص96). وبهذا يختم المؤلف مقاله.

والقسم الرابع من الكتاب بعنوان ( في جامعة الدول العربية) يضم ثلاثة مقالات، يقدّم فيها أولًا رأيه الإجمالي بجامعة الدول العربية، وباللجنة الثقافية فيها على جهة الخصوص فيقول: (هذه اللجنة كانت - ولا تزال - تنظر بغير عين العرب وتعمل بغير عقل العرب، وتهدف إلى غير أهداف العرب. إنها لا تزال كما كانت يوم أنشأها الذين كانوا يحرصون على أن يكون العرب ذيلًا لدول الاستعباد الغربي، لا يرون الأشياء إلا كما يراها الغربي، ولا يتذوقونها إلا كما يتذوقها, ولا يقدِّرونها إلا كما يقدرها، إنها لا تزال تعمل على ما يسميه دهاقنة الاستعباد الغربي (Westernization) أي (التغريب) ). (ص100-101).

وينتقل ليستعرض نماذج من نشاط هذه اللجنة الثقافية، فيخصص المقال الأول للبحوث والمحاضرات، والمقال الثاني للكتب المترجمة، والمقال الثالث للمؤتمرات.

في المقال الأول يعرض المؤلف مقالين من الجزء الثاني من كتاب «العالم العربي: مقالات وبحوث» الذي نشرته الإدارة الثقافية سنة 1953م. المقال الأول بعنوان: (مستقبل الثقافة في المجتمع العربي) للدكتور كامل عياد، والمقال الثاني بعنوان: (القانون المدني العربي) للدكتور عبد الرزاق السنهوري.

تدور مناقشة المؤلف لمقال (مستقبل الثقافة في المجتمع العربي) حول ما يصح اقتباسه وما لا يصح اقتباسه من الغرب، وهنا يفرّق المؤلف بين اقتباس العلوم والصناعات واقتباس الثقافة المتصلة بالجانب الديني والروحي والخلقي، ويبين ما عليه حضارة الغرب من جوانب الضعف والفساد التي ستؤدي إلى موتها مستشهدًا بكلام لآرنولد توينبي في كتابه «الحضارة والغرب»، ويبين مزايا التمسك بتقاليدنا وأثر سلطانها في صرف الناس في مجتمعاتنا عن الجرائم، ثم يُبيِّن أن العلم التجريبي له مجالٌ محدود، ولا يتعدّى إلى عالم الغيب، ويستشهد بكلام لأنيشتين ونيلز بوهر، ويبين أن صاحب المقال المردود عليه (كامل عياد) لا يعترف بغير الجانب المادي للحياة، وأنه يتوهم أن الروحانية التي يصف بها كتاب الغرب وباحثوه ثقافتنا الشرقية إنما يقصد بها صرفنا عن اللحاق بهم، ويناقشه في ذلك. (ص 102-111).

أما مقال (القانون المدني العربي) لعبد الرزاق السنهوري، فقد كشف المؤلف في نقدِه له عن حقيقة الدعوة إلى تطوير الفقه الإسلامي التي يدعو إليها السنهوري، إذ يقول: (يقصد بتطوير الشريعة الإِسلامية جعلها ملائمة لنظم حياتنا ولأنماطها المنقولة عن الغرب المسيحي، أو الغرب اللاديني على الأصح). (ص113). ويقول: (والمهم في ذلك كله أن هذا التطور الدائم سوف ينتهي بذلك التشريع الإِسلامي المزعوم في المدى القريب أو البعيد إلى أن يصبح شيئًا مختلفًا عن الإِسلام الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام اختلافًا تامًّا، بل إنه لكذلك منذ بدء وضعه أو التفكير فيه كما هو ظاهر في هذا البحث). (ص118).

ويقول: (والذي يهدف إليه السنهوري هو شر الحلول, لأن الذي يفعله هو تبديل الشريعة الإِسلامية، ولا شك أن تفاعل الشريعة الإِسلامية السماوية مع شرائع الغرب الوضعية هو شر مما كان حادثًا من استعارة القانون الغربي كله أو بعضه، لأن من الممكن التخلص من الدخيل في هذه الحالة، أما في حالة الاندماج والتفاعل فإِدراك الحدود بينهما صعب، وتخليص الشريعة الإِسلامية مما دخلها من أسباب الزيغ والانحراف يكاد يتعذر بعد أن تتغلغل الروح الغربية في كيانها، ويصبح الناتج من تفاعلهما شيئًا جديدًا مُعقَّد التركيب تختلف خصائصه وصفاته عن كل من العنصرين المكونين له.

ثم إن الناس في الحالة الأولى يدركون إدراكًا واضحًا أن القانون الذي يحكمهم قانون دخيل، أما في الحالة الثانية فقد يتوهمون أن القانون الذي يحتكمون إليه قانون إسلامي، بل إن كاتب المقال يزعم لهم ذلك منذ الآن). (ص113-114). ويقارن المؤلف هنا بين هذه الدعوة ودعوة المستشرق البريطاني هاملتون جب في كتابه «إلى أين يتجه الإسلام». كما يعقب المؤلف على دعوة السنهوري لإنشاء معهد خاص يلحق بجامعة الدول العربية لدراسة الفقه الإسلامي حسب هذا المنهج الذي اقترحه بتشبيه هذا الاقتراح باقتراح ذكره طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر». (ص117).

ويورد المؤلف كلامًا للسنهوري يصف فيها نهضة الفقه الإسلامي التي يريدها إذ يقول: (وتكون نهضة الفقه الإِسلامي هذه شبيهة بنهضة القانون الروماني في العصور الوسطى، ويُنبِت الفقه الإِسلامي قانونًا مدنيًّا متطوِّرًا يُجاري المدنية الحديثة، وينبثق هذا القانون الحديث من الشريعة الإِسلامية كما انبثقت الشرائع اللاتينية والشرائع الجرمانية من الفقه الروماني) = يورد المؤلف هذا الكلام ثم يعقب عليه بقوله: (مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن مسلم يعتقد أن الشريعة الإِسلامية منزلة من عند الله، وأنها حدود الله، لا يتعداها إلَّا كافر ظالم لنفسه). (ص117).

كما أن المؤلف في مقاله هذا يكشف عن مبلغ علم السنهوري بالشريعة الإسلامية استنادًا إلى كلام للسنهوري نفسه، فيقول: (فهذا القانوني الذي يظن بالتشريع الإِسلامي التخلف عن القانون الغربي يعترف بأنه لم يدرس الشريعة الإِسلامية إلَّا في وقت حديث متأخر جدًّا، حين اشترك في وضع القانون المدني العراقي، فأتيح له الاطلاع على بعض نصوص الفقه الإِسلامي. وهو هنا يعترف اعترافاً صريحاً بأن اطلاعه على الفقه الإِسلامي جديد تاريخاً، ومحدود موضوعاً، لا يتجاوز ما أتيح له أثناء اشتراكه في لجان وضع القانون العراقي، وأنه لم يمنحه من وقته سنة من عشرات السنين التي أفناها في دراسة القانون الفرنسي. والواقع أن هذا الجهل بالشريعة الإِسلامية يعلل فتنته بالقوانين الغربية، التي حدث به إلى المجاهرة بأن تكون روح التقنين الغربي وأسلوبه هما قِوام نهضة التشريع الإِسلامي، وهو بذلك معذور لجهله حسب اعترافه، ومن جَهِلَ شيئاً عاداه. ولكن من الظلم للناس وللِإسلام وللقانون أن يسلم زمام التشريع البلاد الإِسلامية إلى الذين يجهلون شريعتها. ومن الواضح أن الرجل حين رأس لجان القانون المدني الجديد في مصر لم يكن على معرفة بالشريعة الإِسلامية, لأنه إنما اتصل بها حسب اعترافه أثناء اشتراكه في لجان القانون المدني العراقي، وقد كان ذلك بعد وضع القانون المدني المصري الجديد. واعترافه في هذا الصَدَد صريح، إذ يقول: وأكثر ما كان درسي للفقه الإِسلامي عند وضع القانون المدني العراقي. فإِن هذا القانون كما قدمت مزيج صالح من الفقه الإِسلامي والقانون المصري الجديد. فأتاح لي اطلاعي على نصوص الفقه الإِسلامي - سواء كانت مقننة في المجلة ومرشد الحيران، أو كانت معروضة عرضاً فقهياً في أمهات الكتب وفي مختلف المذاهب - أن ألحظ مكانة هذا الفقه وحظه من الأصالة والابتداع، وما يكمن فيه من حيوية وقابلية للتطور). (ص115).

أما المقال الثاني الذي يتحدّث فيه المؤلف عن الكتب المترجمة التي تصدرها اللجنة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية؛ ينتقد في أوّله ما قامت به اللجنة الثقافية من اللجوء للسفارة الأمريكية ومنظمة اليونيسكو في تحديد الكتب التي تصلح للترجمة وتقديمها للجمهور العربي، معظِّمًا خطر المعسكر الأمريكي وعملاءه. (ص119-121)، وينتقد طه حسين رئيس اللجنة الثقافية التي تقوم على ترجمة هذه الكتب واصفًا له بأنه (الذي تشهد كتبُه أنه لم يكن إلَّا بوقاً من أبواق الغرب، وواحداً من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير، يروِّج لثقافاته ويعظمها، ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم) (ص122). وينتقد سياسة اللجنة في اختيار الكتب المترجمة إذ يبين أنه من الأولى أن تترجم كتب الطب والهندسة والعلوم والزراعة إذ هو ييسر سبل العلم للطلبة العرب ويخفف عن آبائهم بعض الأعباء، بدلا من ترجمة كتب الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية والأخلاق على النحو الذي تنتهجه اللجنة القائم على الفوضى وسوء الاختيار. (ص123).

يختار المؤلف في مقاله هذا كتابين يصفهما بأنهما يكيدان للأديان سوى اليهودية التي يثنيان عليها تصريحًا أو تلميحًا (ص124-125):

الكتاب الأول: كتاب «مختارات من امرسون». يورد المؤلف منه اقتباساتٍ ويُعقِّب عليها. فيقول في كشف امرسون: (يقرن هذا الصهيوني الهدام رسالات الأنبياء في كل موضع من كتابه بآراء الفلاسفة والكتاب وأصحاب المذاهب الضالة الفاسدة في بعض الأحيان - مثل ما جاء في صفحات 84، 128، 157 - فهي في زعمه ليست منزلة من عند الله، ولكنها نابعة من عقولهم بعد أن تحرروا من أسر الآراء السائدة في عصرهم. ولذلك فهو يحض على الاقتداء بهم حسب تصويره المزعوم لهم - في الخروج على كل ما هو ثابت مقرر مما توقره التقاليد وتقدسه الأديان. وذلك هو ما يسميه ذلك الهدام: بالحرية وباستقلال الشخصية). (ص127). ويقول: (ويتعقب ذلك الصهيوني الهدام فضائل الدين كلَّها بالتسفيه والسخرية اللاذعة. فالصلاة عنده وَهْم ليس فيه من الشجاعة أو الرجوله بمقدار ما فيه من القداسة، والتوبة والندم نوع آخر من الصلاة الزائفة ونقص في الاعتماد على النفس وعجز في الإِرادة، والرحمة والعطف لا تقل عن الندم وضاعة، (والعقائد الدينية الشائعة قد تفوقت على الخرافات التي حلت محلها في الظاهر فقط لا في المبدأ). (ص130).

أمَّا الكتاب الثاني: هو كتاب «قصة الحضارة» لول ديورانت فهو يصب التهم البذيئة في حق عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، يقول المؤلف كاشفًا ذلك: (يتساءل مؤلف الكتاب (ول ديورانت) إن كان المسيح عليه السلام قد وجد حقًّا، ويثير حول الأناجيل مختلف الشبهات، ويُشكِّك في نسبه وفي أنه ولد من عذراء، ويُنكر كُلَّ معجزاته فينسبها جميعًا إلى الكذب والتلفيق، أو يردها إلى خداع الحواس والوهم أو ما سماه "العلاج النفسي"، ويتناول شخص المسيح عليه السلام وكلماته وروايات الأناجيل بالسخرية، وبمثل هذا الأسلوب الإِلحادي الهدام عالج المؤلف حياة نبينا عليه الصلاة والسلام في الجزء الثالث عشر، ففي هذا الجزء من الكتاب أخبث أساليب الكيد والدس للإِسلام، والمؤلف لا يلجأ هنا إلى الهجوم البذيء الصريح كما فعل مع شخص المسيح الكريم عليه السلام، ولكنه يتظاهر هنا بالإنصاف، بل يبدو في بعض الأحيان كأنه معجب بشخص النبي عليه الصلاة والسلام). (ص131-132). ويورد المؤلف اقتباسات من هذا الكتاب فيها التنقّص من نبيِّنَا صلى الله عليه وسلم ثم يعقب بقوله: (لماذا تؤذي جامعة الدول العربية المسلمين والعرب بسماع هذا الكلام؟ لماذا تنفق على نقله إليهم من أموالهم، كأن مهمتها هي إسماعهم ما يكرهون وإحصاء ما قيل فيهم من الشتائم وإذاعته على الناس؟ إن الحكومات تمنع شعوبها من الاستماع إلى الدعايات التي تفتري عليهم والتي تثبط عزائمهم وتفرق كلمتهم، وتنفق في مقاومة مثل هذه الإذاعات الآلاف والملايين في بعض الأحيان. فهل دين الناس أقل قداسة وأهون مقاماً؟). (ص135).

ويختمُ المُؤلِّفُ مقالَه بما افتتحه به، وهو انتقاد طه حسين الذي يشرف على اختيار هذه الكتب للترجمة إذ كان رئيس اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية. (ص136).

أما المقال الثالث الذي يتحدّث فيه المؤلف عن المؤتمرات التي أعدّت لها الإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية وأشرفت عليها أو شاركت فيها؛ فيذكر أولًا بعض المؤتمرات سردًا اعتمادًا على النشرة الثقافية 1946-1956م. ويصف هذه المؤتمرات بأنها: (لا يقصد بها إلا السيطرة على التعليم في العالم العربي، وتوجيهه وجهة لا دينية تؤدي إلى ضياع الجيل القائم والجيل القادم ضياعاً لا تقوم معه نهضة في هذه المنطقة، مما يمكن لليهود ولشيعتهم الذين يتولونهم من دول الاستعباد الغربي والأمريكان منهم خاصة، وذلك بترويج بعض الآراء والأساليب التربوية والنفسية المنحرفة الفاسدة). (ص138). ولا يخوض المؤلف في تفاصيل ما ورد في هذه المؤتمرات لعدم وقوفه على نصوص ما جرى فيها من مناقشات (ص139).

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن مؤتمر المجامع اللغوية العربية الذي عُقِد بدمشق سنة 1956م، ويرى المؤلف أن هذا المؤتمر تضمن دعوات هدّامة مثل الدعوة إلى مسخ اللغة الفصحى وإلى تبديل الخط العربي وقواعد النحو والبلاغة. (ص140).

يعرض المؤلف كلامًا لبعض حضور المؤتمر في الدعوة الأولى، وهي مسخ اللغة الفصحى، فيعرض كلامًا لأحمد حسن الزيات، وعلي حسن عودة مندوب الحكومة الأردنية الذي يصفه المؤلف بأنه يريد اختراع لغة عربية جديدة (ص142)، وأحمد عبد السلام مندوب الحكومة التونسية الذي أتى باقتراح قريب من اقتراح مندوب الحكومة الأردنية، ومنير العجلاني الذي يصفه المؤلف بأنه يصب تفكيره في قوالب فرنسية، ويذكر أن حاله مثل حال أنيس فريحة الذي كتب كتابًا عن «اللهجات وأسلوب دراستها». (ص143-144).

أما الدعوة الثانية، وهي مسخ قواعد اللغة والنحو والصرف والإملاء والخطّ، فينقل كلامًا لطه حسين الذي ألقى محاضرة دعا فيها للعدول عن قواعد النحو الثابتة المتدارسة التي اجتمع عليها العرب والمسلمون زاعمًا أنها لم تعد صالحة، وينقل كلامًا لإبراهيم مصطفى فيه اقتراحين في كتابة الهمزة والألف اللينة، واقتراح آخر في تيسير قواعد النحو؛ قرر المؤتمر النظر فيه في مؤتمر آخر لأنه يحتاج إلى نظر وتمحيص. (ص145).

ويكشف الأسلوب الذي اعتمده هؤلاء فيقول: (فقد شغل هؤلاء المحاضرون والمقترحون بمشاكلهم الوهمية ما يقرب من نصف وقت المؤتمر، على أن أكثر ما جاء في مقالاتهم بضاعة مزجاة بارت في كل سوق، وكلام معاد مكرر ليس فيه جديد، ولكن أصحاب هذه المذاهب المنحرفة يعتمدون في أسلوبهم على أن الناس إذا تكرر سماعهم للباطل أوشكوا أن يصدقوه. لذلك فهم يكررون القول حيناً بعد حين ودفعةً بعد فترة، ولا يَنْضَبُ لهم مَعين في إلباس مقالهم أليق الأثواب بالمقام وعرضه من جوانب جديدة تقرِّبه من نفوس الناس). (ص146).

ويكشف حقيقة دعوتهم لتطوير اللغة العربية فيقول: (هو تطوير يختلف أصحابه في تسميته، ولكنهم لا يختلفون في حقيقته، يسمونه تارة تهذيبًا، وتارةً تيسيرًا وتارةً إصلاحًا وتارةً تجديدًا، ولكنهم في كل الأحوال وعلى اختلاف الأسماء يعنون شيئًا واحدًا هو التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة خلال خمسة عشر قرناً أو يزيد. فإِذا تحللنا من القوانين والأصول التي صانت لغتنا خلال هذه القرون المتطاولة تبلبلتْ الألسن وأضاف كلُّ يوم جديد تطلع على الناس شمسُه مسافةً جديدة توسِّع الخُلْفَ بين المختلفين، حتى يصبح بين الشآمي والمغربي مثلُ ما بين الايطالي والأسباني، وتصبح عربية الغد شيئاً آخر يختلف كل الاختلاف عن عربية القرن الأول، بل عربية اليوم والأمس القريب، وتصبح قراءة القرآن والتراث العربي والإِسلامي كلِّه متعذرة على غير المتخصصين من دارسي الآثار ومفسري الطلاسم). (ص146-147).

ثم يناقش المؤلف مضامين بعض الكلمات الواردة في ذلك المؤتمر. (ص149-157). ويختم بذكر تاريخ الدعوة إلى العامّية، فيذكر أن هذه الدعوة بدأت نهاية القرن التاسع عشر في مصر، وكتب في الدعوة إليها عدد من المستشرقين وظهر صداها في صحيفة المقتطف الشهرية سنة 1882م. (ص158).

والقسم الخامس من الكتاب بعنوان (في مناهج اللغة والدين)، يضمّ خمسة مقالات.

المقال الأول بعنوان (في التعليم العام) يتحدّث في مقدّمته عن أسلوب جديد لمن يسميهم دعاة الشرّ، يوجزه قوله: (الأسلوب الجديد الذي يعتمد على (الغزو من الداخل) - إن جاز لي أن أستعير تعبير المستر دالاس - الذي لم يعد أصحابه يقتنعون بالدعاية وباجتذاب الأنصار والاستكثار منهم عن طريق الإِقناع أو الإِغراء أو الإِرهاب. إنهم يعتمدون في أسلوبهم الجديد على أفراد عصابتهم الذين نجحوا في التسلل إلى مراكز القيادة، فأصبح في استطاعتهم أن يجعلوا من أوهامهم التي لم ينجحواً في إقناع الناس بها حقيقة واقعة بقرار أو بجرَّة قلم كما يقولون). (ص165).

وهذا المقال يناقش في مجمله المنهج المتبع في مقررات مدرسية للمدارس الابتدائية في مصر إذ ذاك، وهي كتاب «القراءة الجديدة» أشرف عليه سعيد العريان وعبد العزيز القوصي. لكنه يشير في الهامش إلى أن هذا الكتاب ألغي بعد ذلك. ويناقش أيضًا المنهج المتبع في كتاب آخر في تيسير النحو.

والمقال الثاني بعنوان: (في الجامعة) يتحدّث فيه المؤلف عن مشروعين تقدّم بهما محمد أحمد خلف الله الأول: هو مشروع إنشاء قسم أو شعبة للدراسات الإِسلامية في كل كليةٍ للآداب بالجامعات المصرية.

والمشروع الثاني: هو تغيير مناهج كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، يضعف من دراسة ما يسمى الدراسات العربية القديمة أو الكلاسيكية. يتحدّث المؤلف عن أثر هذا التغيير فيقول: (ويترتب على هذه الظاهرة الخطيرة أمران خطيران: أولهما عدم صلاحية المتخرج في هذه الشعبة لتدريس اللغة العربية التي يجهل نحوها وصرفها وأدبها وبلاغتها. ليس هذا فحسب، بل إنه سيكون حربًا على العربية ومِعْول هدمٍ يعمل فيها, لأنه إذا سئل عن شيء مما يجهده غطى جهله بالتهكم بالعربية وقواعدها وأساليبها. وسيكون من آثار ذلك أن ينشأ جيل من الناس لا يقيم العربية ولا يتذوقها. فإِذا نعق ناعق من بَعْدُ بأن إعراب أواخر الكلمات لا داعي له، وبأن عربية القرون الأولى لغة ميتة لا وجود لها في الحياة، فسوف يجد هذا الناعق لصوته صدًى في عقول ذلك الجيل من الضحايا الذين ألقاهم سوء حظهم بين أيدي هؤلاء المعلمين.

هذه واحدة، أما الأخرى فهي أن هذه البرامج تهدد الدراسات العربية التي يريد المنهج أن يسميها (كلاسيكية) , لأن بقاءها يصبح مرهوناً بأهواء الشباب، الذي قد تستهويه هذه البدعة، فينصرف عن دراسة لغة القرآن ولغة الآباء والأجداد ولغة العرب الجامعة لشتاتهم إلى هذه الدراسات، التي تحاول أن تربط حاضرنا ومستقبلنا الأدبي بالغرب، في الوقت الذي تقرن فيه تراثنا الأدبي الحيّ العريق بالآداب الساميَّة الميتة. آداب السريانية والعبرية. إذ تجعلها جميعاً في شعبة واحدة هي (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة) ). )ص184).

ويشير المؤلف أن أصل هذه الفكرة التي طبقت في جامعة الإسكندرية تقدم به محمد أحمد خلف الله في كلمة ألقاها في مؤتمر الثقافة الإسلامية المعاصرة الذي انعقد بجامعة برنستون الأمريكية صيف سنة 1953م تحت عنوان (القيم الإسلامية والحياة الأدبية في مصر الحديثة). كما أنه يربط بين هذين الاقتراحين أو المشروعين وبين اقتراحين قدّمهما طه حسين سنة 1936م وذكرهما في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر».

والمقال الثالث بعنوان: (حول تطوير الدراسات اللغوية) يتحدّث فيه عن مؤتمر جامعي حضره، يقول: (فسمعنا أعجب ما سمعه العرب على امتداد التاريخ في الدراسات اللغوية والأدبية. سمعنا كلامًا كثيرًا في مهاجمة ما سموه الأساليب العتيقة في دراسة النحو والصرف، وفي الدعوة إلى توسيع دائرة الدراسات الأدبية لتخرج عما سموه (أدب القصور) أو (الأدب الرسمي) وتشمل ما زعموه (أدب الشعب). والمقصود به هو الحكايات والأسمار المكتوبة بغير العربية الفصيحة أو السليمة. وبلغ من حماقة بعض المناصرين لهذه الدعوة من أساتذة اللغة العربية وآدابها أن كشف الستار عن الهدف الحقيقي لهذه الدعوة، فصرح بأن اللهجة العامية أصلح للتعبير عن حاجات المجتمعات الحديثة وأكثر طواعية في الإِفصاح عن حاجاتنا العقلية والعاطفية لأنها لغة حية، بينما اللغة التي نسميها العربية الفصحى لغة ميتة. وشارك في مناصرة إلدعوة عدد من أعضاء هيئة التدريس في أقسام اللغات الأجنبية. وتندَّر بعضهم بمجمع اللغة العربية في مصر، فذكر - من باب السخرية بأعماله وإنتاجه - ما أطلقه على (الساندويتش) حين سماه (شاطر ومشطور وبينهما طازج). وحقيقة الأمر في ذلك أن المجمع سماه (شَطِيرة) وجمعها (شطائر)). (ص192).

ويورد المؤلف في هذا المقال نصّ مذكرة تقدّم بها في ذلك المؤتمر في الرد على اقتراح إدخال الدراسات الصوتية و الأدب الشعبي في برامج أقسام اللغة العربية بكليات الآداب. (ص193-198). وكان ذلك سنة 1967م.

والمقال الرابع بعنوان (في تطوير الدراسات اللغوية والإسلامية) يورد فيه مذكرة تقدم بها إلى وزير التعليم العالي السعودي سنة 1975م بعد أن زار جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليًّا) وسمع باقتراح لإنشاء معمل للأصوات ودراسة اللهجات العاميّة، واقتراح بإنشاء قسم دراسي للثقافة الإسلامية. وهذه المذكرة تناقش هذين الاقتراحين مناقشة تفصيلية. ويتعجب المؤلف في مقدمة المقال من وصول هذا الداء الذي كان قد رآه في مصر إلى مهد العربية ومنبع الإسلام. (ص199).

والمقال الخامس بعنوان (حول بحث جامعي في قراءات القرآن) يقدم به المؤلف مثالًا على ضرر بحث القضايا الشرعية في الكليات الأدبية التي لا يكون طلبتها مؤهلين لذلك. وهو بحث ماجستير تقدمت به طالبة من كلّية الآداب بجامعة الإسكندرية بعنوان «دراسة في أصوات المد في التجويد القرآني» تضمن أمورًا مناقضة للإسلام، مثل القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغيّر النص القرآني ويتسامح فيه، وأن الذي كان يهمه المحافظة على الفكرة. (ص224). ويذكر المؤلف أنه قدم مذكرة اعترض بها على الموافقة على منح درجة الماجستير للطالبة، وأن ذلك أدى إلى مهاجمة من يسميهم أعوان الشر ودعاة الهدم له، وأن صحفًا كثيرة خاضت في تلك القضية، ويذكر أسماء من دافعوا عن البحث ودوافعهم لذلك، ثم يثبت المؤلف في المقال نصّ المذكرة التي تقدّم بها للجامعة، والتي يضمنها اعتراضاته على البحث. (ص222-229). ومذكرة أخرى تقدم بها إلى الجامعة أيضًا يناقش فيها ما ورد من اعتذارات عن أخطاء الباحثة. (ص229-236). وبهذا يختم المؤلف المقال. وهو آخر مقال في الكتاب في طبعته الرابعة.

5- تأثير الكتاب:

تُعدُّ هذه المقالات وثائق لمرحلة من مراحل السجال الفكري في مصر. وفي الكتاب الرصدي الذي كتبه أنور الجندي بعنوان «المساجلات والمعارك الأدبية في مجال التاريخ والفكر والحضارة»= رصد لعدد من السجالات الواردة في هذه المقالات.

والتأثير الأكبر لهذه المقالات بعد أن ضُمَّت في هذا الكتاب كان لدى التيارات الإسلامية التي تشكلت في الثمانينات والتسعينات الميلادية، سيما التي بدا الهمُّ التغريبي حاضرًا في خطابها، وذلك في بلاد متعددة، فقد حظي هذا الكتاب بقبول وإعجاب شديد من تلك التيارات. وقد وجد المعجبون بهذه المقالات التي كُتِبت في الخمسينات الميلادية - قبل أكثر من نصف قرن من اليوم- كشفًا مبكرًا عن أساليب تغريبية تستعمل اليوم، ومواجهة لشبهات ضد الثقافة الإسلامية تثار اليوم، ومن هنا اكتسب الكتاب لديهم أهميّة كبرى(8).



(1) الطبعة المعتمدة في العزو هي الطبعة الثامنة عن مؤسسة الرسالة ببيروت، 1984م.

(2) «أعلام الدعوة الإسلامية المعاصرة» (ص747). وكانت علاقة الخضر حسين والخطيب في خدمة الإسلام قديمة، ومن ضمن الأعمال التي ذُكِر فيها اسمُهُما سَوِيًّا تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة 1927م.

(3) «البحر العميق من مرويات الصديق» لأحمد الصديق الغماري (1/255). وانظر مقال المرحلة المصرية في حياة الشيخ محمد الخضر حسين لمجاهد توفيق الجندي في «الأعمال الكاملة للشيخ محمد الخضر حسين» (30/59-73).

(4) جمعت تلك السجالات في كتاب «المنار والأزهر».

(5) انظر تعليق الشيخ رشيد رضا على رئاسة وجدي لتحرير المجلة في المجلد (33) من «المنار».

(6) «الحريّة الدينية في الإسلام» (ص15).

(7) مقدمة الطبعة الثالثة من الكتاب (ص7).

(8) يقول – مثلًا - سيد العفاني في كتابه «زهر البساتين من مواقف العلماء الربانيين» (5/495) واصفًا هذا الكتاب: (لزام على كل مسلم قراءته).