1- غاية الكتاب وظروف تأليفه:

هذا الكتاب هو رسالة جامعية تقدّم بها مؤلفه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الهندي إلى جامعة كمبردج في بريطانيا لنيل درجة الدكتوراة سنة 1966م، ثم تُرجِم إلى اللُّغة العربية وطُبِع ضمن مطبوعات جامعة الرياض في المملكة العربية السعودية سنة 1396هـ.

وقد تحدّث المؤلف في مقدمة تحقيقه لكتاب (سنن ابن ماجه) عن ظروف تأليف هذا الكتاب وغايته فقال: (وقد خلق الله سبحانه وتعالى أئمة الحديث لهذا الشأن فوهبهم قوة الذاكرة الخارقة، ورزقهم الإخلاص، وسخر لهم القلم، وطوع لهم الزمن، وبارك في أعمارهم وأعمالهم، فكانت نتيجة ذلك مكتبة حديثية زاخرة قل نظيرها.

وقد تفنن هؤلاء في هذا المجال، فما تركوا وسيلة كانت في متناول أيديهم إلا سخروها واستعملوها، ومرت الأيام، وشغلت الأجيال المتأخرة في أمور أخرى، وقل اهتمامها بالعلم من جهة العموم، وبالسنة من جهة الخصوص، وفقدت الأمة من مقوماتها الشيء الكثير، حتى صارت فريسة للاستعمار، وجمعت الأمة الإسلامية البقية الباقية من نفسها، وهبَّت للدفاع عن دينها ونفسها وكرامتها، وجاهدت لاسترجاع ما فقدته، وحاولت التخلص من الاستعمار وأعوانه، فما كان من الاستعمار إلا أن جند جيشًا من المستشرقين، وممن انحرف عن جادة الحق من المسلمين، للقضاء على فكرة مقاومة الاستعمار نظريًّا، إذ كان قد أثبت تفوقه عسكريًا، ولم يبق إلا أن يقضي على مصادر منعة الأمة الإسلامية ومقومات بقائها.

ومن هنا: كان لا بد من القضاء على السنة النبوية، وإبعادها عنها ليتيسر تحويل الأمة إلى أمة من القردة والببغاوات، وكان من نتيجة هذا التخطيط: ظهور المتنبىء في القارة الهندية، وبروز كتاب مثل: الجكرالوي، وغلام أحمد برويز، وتوفيق صدقي، وأمثال محمود أبي رية الذي ألف كتابًا في الطعن في السنة النبوية، وسمى كتابه أضواء على السنة أو دفاع عن السنة المحمدية، وادعى أن الذين لا يقبلون كلامه ونتائجه هم في الواقع بعيدون عن المنهج العلمي المتبع في البحوث الموضوعية، وأنه شيء جديد لم يألفه الناس في المجتمع الإسلامي، ومن الطبيعي أن نبعه الأصيل وجذوره العميقة في تربة الغرب.

في هذا الجو؛ قررت أن أكتب بحثًا عن بعض جوانب السنة في إحدى أعرق الجامعات الغربية: جامعة كمبردج بإنجلترا، والله يعلم أن ذلك لم يكن بهدف الحصول على الشهادة، بل كان إظهارًا للوجه الحقيقي للسنة النبوية، وتفنيدًا لكتابات الجهلة، ووضعها في مكانها الذي تستحقه، بكشف مغالطات هؤلاء المغرضين وأباطيلهم)[2].

يذكر المؤلف في موضع آخر أن إثارة تلك الشبهات على السنة النبوية حمل أهدافًا تتصل بعزل الشريعة الإسلامية عن حياة المسلمين، يقول: (وكان من الطبيعي أن يسعى الغرب في إلغاء الشريعة الإسلامية أولًا، ثم التشكيك في مصادرها والطعن في صلاحيتها ثانيًا حتى لا يفكر المسلمون في العودة إليها يومًا)[3]. ويقول بعد أن أورد كلامًا لأحد المستشرقين: (لا شك أن ادعاء عدم اكتراث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بالتشريع ووقوع التشريع خارج نطاق الدين، وعدم صحة حديث واحد من الأحاديث الفقهية المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينتج عنه أهداف كثيرة مقبولة ومطلوبة من أعداء الإسلام تتمثل في: (مطالبة الشعوب ورغبة الحكام في العودة إلى الشريعة الإسلامية) = كلام فارغ، لأن الشريعة في حقيقتها خارجة عن نطاق الدين) [4].

ويقول مُبيِّنًا نوعي أعداء السنة؛ الداخليين والخارجيين: (وهكذا؛ أصبحت الحرب ضد السنة النبوية في الداخل والخارج، ففي الداخل جيش من المنهزمين (المتنورين)، وفي الخارج طلائع المستشرقين، وكان يحظى نتاج هؤلاء من الدعاية وسبل النشر بما يكفل له النمو والازدهار في ربوع العالم الإسلامي)[5].

إذًا؛ كتب المؤلف كتابه هذا ردًّا على شبهاتٍ أُثيرت حول السنة النبوية من قبل الاستشراق المعاصر.

ونقد الاستشراق هو أحد المجالات التي جال فيها الفكر الإسلامي المعاصر، وقد كان هذا النقد بأكثر من أسلوب، تارةً بالنقد الإجمالي للمناهج الاستشراقية، ببيان تاريخ الاستشراق، وكشف بواعثه، ومن الكتب التي تمثل هذا الأسلوب (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) لمحمود شاكر، وتارةً بالنقد التفصيلي للشبهات التي أثارها المستشرقون، كما سلكه مؤلف هذا الكتاب.

فالكتاب إذًا دراسة أكاديمية قدِّمت لإحدى أعرق الجامعات الغربية، كُتبت أولًا باللغة الإنجليزية، غايتُها نقد شبهات تضمَّنَتها دراسات استشراقية معاصرة حول السنة النبوية المشرفة. وإن كانت هذه الرسالة قد تضمنت مواضيع ليست نقدية لشبهات المستشرقين بطريق مباشر.

2- موضوع الكتاب:

في سبيل تحقيق تلك الغاية التي قصدها المؤلف، جعل موضوعه الأساس بحث قضية تدوين الأحاديث النبوية، فجمع همّه لإثبات الكتابة المبكرة للأحاديث النبوية، وجمع الأدلة على ذلك، من جهة الإمكان، ومن جهة الوقوع.

وبما أن غاية المؤلف غاية نقدية؛ فقد جمع عددًا من الشبهات الاستشراقية ووزعها على فصول الكتاب، وناقش كلًا منها في محلِّه.

3- طريقة المؤلف في الكتاب وموارده:

احتوى هذا الكتاب على مادتين: مادة بنائية تأصيلية، ومادة نقدية.

أما المادة البنائية فمن أهم ما يلفت الأنظار في طريقة المؤلف في تكوينها: استعماله منهج الاستقراء، ولعل الفصل الرابع من الكتاب الذي عنون له المؤلف بـ(تقييد الحديث من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الثاني الهجري على وجه التقريب) يتجلى فيه منهج الاستقراء بوضوح، إذ جمع المؤلف بالرجوع إلى المصادر الحديثية مسردًا طويلًا لمن ثبتت عنه كتابة الحديث في تلك الحقبة المذكورة.

أما المادة النقدية: فيرجع المؤلف إلى الدراسات الاستشراقية، وأهمها دراسات للمستشرقين مرجليوث وجولتسهير وشاخت، ويورد نصوص كلامهم، ثم يتبعه بالمناقشة التي قد تطول أو تقصر بحسب تلك الشبهة التي أثارها المستشرق.

وعنوان الكتاب يدل على مضمونه، فهو عبارة عن دراسات مجموعة ينظمها موضوع وغاية مشتركة، مع تنوّع في المواد ونمط التأليف، بل نجد أن الفصل التاسع ضمنه المؤلف مادةً محققة، وليس تأليفًا مبتكرًا، إذ جعله لتحقيق نسخة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما رأى أن ذلك يفيد في موضوع الكتاب وغايته.

أما موارد المؤلف فهي كثيرة متنوعة، وقد احتوى مسرد المراجع الذي جعله المؤلف في آخر الكتاب على (256) مرجعًا ما بين مطبوع ومخطوط باللغة العربية وعلى (15) مرجعًا باللغة الإنجليزية.

4- عرض إجمالي لفصول الكتاب:

الباب الأول بعنوان (السنة مفهومها ومكانتها في الإسلام)، في الفصل الأول: (السنة ومفهومها لغة واصطلاحًا) عرَّفَ السنة لغةً بالطريقة، اعتمادًا عن استعمالاتها في كلام العرب وفي الكتاب، واصطلاحًا بما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة قبل البعثة أو بعدها؛ عند المحدثين، وبما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير؛ عند الأصوليين، وبالمندوب عند الفقهاء. والمقصود عنده أنّه قد وقع الإجماع على أن لمفهوم السنة دلالة تشريعية عند كافة الباحثين من المسلمين. (ص1-5).

ثم نقل تعريفات المستشرقين لمصطلح السنة؛ إذ زعم جولدتسهير بأنها مصطلح وثني في أصله، وزعم مارغوليوث أنه يقصد به ما كان عُرفًا مألوفًا، وزعم شاخت أنها تقاليد المجتمع. وناقشها من ثلاثة أوجه: الأول: بأنها دعاوى بلا حجج معقولة، والثاني: أنها مخالفة لما دلَّت عليه النصوص القطعية، ويذكر مخالفتها قول ابن عمر مثالًا، والثالث: بأنها لو استُعملت بالمعنى الذي يذكره المستشرقون فإن ذلك لا يعني أن مألوفات المجتمع وعاداته نسبت بعد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أو سميت بعد ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. (ص5-11).

وفي الفصل الثاني (السنة ومكانتها في الإسلام): أورد الدلائل الدالة على حجية السنة النبوية، من كلام الله تعالى، ومن تطبيقات السلفِ رضي الله عنهم لتلك الآيات. (ص12-20). ثم انتقل للحديث عن تاريخ إنكار السنة النبوية، فأورد وقائع تدل على وجود حالات فردية لأشخاص لم ينتبهوا لقيمة السنة في عهد الصحابة، مُلاحظًا وجود المجال لهذا الاتجاه في البصرة، ثم يذكر تطور الأمر بوجود شرذمة تنكر حجية السنة كمصدر للتشريع، وشرذمة تنكر حجية غير المتواتر منها، وذلك في القرن الثاني.

ثم يذكر مواقف الفرق من السنة، فيبدأ بالخوارج، وينقل عن مصطفى السباعي أنهم ردُّوا أحاديث الصحابة بعد الفتنة، لكُفرهم عندهم، ويناقش ذلك باحتجاج الإباضية وهم من فرق الخوارج بأحاديث علي وعثمان وعائشة وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم. وينقل نصًّا في حجية الأخبار من كتب أصول الأباضية. ويُثَنِّي بالمعتزلة، ويخلص إلى أنهم كانوا مع جمهور الأمة في الأخذ بالأحاديث النبوية، وربما طعنوا في صحة بعض الأحاديث عندما وجدوها تقف في وجه نظرياتهم، لكن لم يكن من مذهبهم ردّ الأحاديث جملة، ويثلّث بالشيعة ويبين أن الاختلاف بيننا وبينهم ليس في حجية السنة وإنما في طرق إثبات السنة نفسها. (ص21-25) وهكذا؛ يسعى المؤلف لتقليص حجم القول بإنكار السنة النبوية في الفرق الإسلامية. ليستنتج بأن الطعن في السنة انتهى بنهاية القرن الثاني، ثُمَّ استيقظ مرةً أخرى بتأثير من الاستعمار الغربي في القرن الماضي. (ص25).

وينتقل المؤلف ليقصّ قصة إنكار السنة في القرن الماضي، فيذكر أنه وجد في العراق من دعى إلى نبذ السنة، وأما في مصر فترجع الفتنة إلى عهد محمد عبده، الذي مشى على نهجه توفيق صدقي في مقالات كتبها في مجلة المنار، ثم يذكر موقف رشيد رضا في تعقيباته على مقالات صدقي، وأنه يفرق بين السنة المتواترة وغير المتواترة في لزوم الاتباع، وينقل عن السباعي تراجُعَه في آخر حياته، ويذكر موقف أحمد أمين وإسماعيل أدهم في إنكار السنة. (ص26-28).

ينتقل المؤلف إلى عرض قصة إنكار السنة في القارة الهندية، فيذكر أنَّ فئةً مظاهرةً للمُستعمر الإنجليزي أنكرت أحاديث الجهاد، كميرزا غلام أحمد، وجراغ علي، وأن فئة أثرت فيهم الروح الانهزامية في جماعة آخرهم غلام أحمد برويز الذي أسس جمعية باسم أهل القرآن. (ص28-29).

وينتقل المؤلف لمناقشة استدلالات منكري السنة في العصر الحاضر، مشيرًا إلى أنها لا تخرج عن استدلالات منكري السنة الأوائل الذين ناقشهم الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى. (ص29-42). ويذكر في تضاعيف كلامه أن جمعية أهل القرآن في الهند نصبوا منازعةً في مجال تحديد الشرائع مثل كيفية الزكاة والصلاة بين مرجعية الشورى ومرجعية الأحاديث، فادّعوا أن الرجوع إلى الأحاديث في ذلك المجال حصل في عهد الأمويين نتيجة لضعف مرجعية الشورى. (ص33-34). وهذا من الغلوّ الشديد في تسييس الإسلام.

من بين الشبهات التي يذكرها منكرو السنة: أنَّ منع النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة أحاديثه يدل على عدم أهميتها ومصدريتها في التشريع. وعرضُ هذه الشبهة هو المدخل الذي أراد المؤلف أن يلج من خلاله في موضوع الكتاب.

والباب الثاني بعنوان (النشاط الثقافي في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وصدر الإسلام) أراد فيه بيان منزلة الكتابة لدى العرب قبل الإسلام، لإثبات تحصل شرط التمكن من الكتابة لدى الصحابة، إذ بانتفاء هذا التمكن لا يصح القول بحصول الكتابة من الصحابة والتابعين في القرنين الأول والثاني.

والباب الثالث بعنوان (حول كتابة الأحاديث النبوية) يذكر في أوله شيوع القول بأن أول من أمر بتدوين السنة النبوية عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حيث أمرَ أبا بكر ابنَ حزم، وابنَ شهاب الزهري بذلك. ثم نقل مواقف المستشرقين من هذا القول. (ص71-72).

ثم أورد نقلًا عن ابنِ حجر يذكر فيه أسباب عدم كتابة الأحاديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنهم نُهوا أول الأمر عن ذلك، ولقوة حافظتهم وسيلان أذهانهم، ولأن كثيرًا منهم لا يعرف الكتابة، وناقش هذه الأسباب، متوسعًا في ذكر الروايات الواردة في النهي عن الكتابة، وطريق الجمع بينها التي ذكرها العلماء. (ص72-80). ويورد كلامًا لرشيد رضا شذّ به، إذ زعم أن أحاديث النهي عن الكتابة متأخرة على أحاديث الإذن بها، وناقشه (ص80-82)، ونقل قولا لجولتسهير ادعى فيه أن الأحاديث التي في منع الكتابة وضعها أهل الرأي والأحاديث التي في الإذن وضعها أهل الحديث (ص82-83).

ويخلص المؤلف من هذا الباب إلى عدم وجود عائق منع من كتابة الأحاديث النبوية في عصر المسلمين الأول. أي أن كتابة الحديث كانت ممكنة.

ثم انتقل المؤلف إلى الباب الرابع بعنوان (تقييد الحديث من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الثاني الهجري على وجه التقريب)، وهو أطول أبواب الكتاب، تضمَّن دراسة استقرائية لنشاط المحدثين الكتابي إلى منتصف القرن الثاني، الذي بدأت تظهر فيه كتب السنة ذات الصبغة الموسوعية.

وقد جعل هذا الباب في أربعة فصول: الأول في كتابة الصحابة، والثاني في كتابة كبار التابعين (من مات إلى سنة 105هـ)، والثالث في كتابات ومؤلفات المحدثين الذين امتدت حياتهم من القرن الأول إلى فترة معقولة من القرن الثاني (من ولد إلى سنة 65هـ)، والرابع خاص بصغار التابعين (من ولد ما بين 66-110هـ).

وقد شملت دراسته مسردًا ضمّ 500 محدثًا وامتدت الصفحات من (ص92-325).

الباب الخامس بعنوان (تحمُّل العلم) رصَد فيه أوجه النشاط في تعليم الحديث في القرنين الأول والثاني، وحصرها في أربعة، هي التحديث الشفهي، والقراءة من الكتاب، سواء قرأ الشيخ من كتابه، أو من كتاب غيره، أو قرأ الطلبة على الشيخ، وطريقة السؤال والجواب، بواسطة أطراف الأحاديث، وطريقة إملاء الحديث، الذي عده المؤلف المنهج الأكثر شيوعًا (ص352)، وذكر نوعيه؛ طريقة الإملاء من الكتاب، والإملاء من الذاكرة، وذكر بعض الأمور التي كان يستعملها المحدثون لعلاج الإشكاليات في هذه الطريقة، وهي إيجاد المستملي، والاستعانة بمن كان سريع الكتابة، واستعارة الكتب، وعلاج مشاكل الكتابة. وفي جميع ذلك يورد المؤلف الشواهد الدالة على كُلِّ وجهٍ من أوجه النشاطات المذكورة. ومقصود المؤلف من عرض أوجه النشاط التعليمي بالتفصيل وبذكر الشواهد إبراز محل الكتابة في تلك الأوجه، وبيان أن الكتابة كانت تشكل أساسًا في تحمل الأحاديث ونقلها في القرنين الأول والثاني الهجريين، ويخلص إلى أن التعليم في تلك الحقبة لم يكن يقتصر على التحديث الشفهي كما يظن بعض الباحثين، بل يذهب إلى أن الكتابة قد تكون أكثر شيوعًا في ذلك الوقت (ص371).

والباب السادس بعنوان (الكتب وأشكالها الخارجية، ومشاكل الاقتباس منها، والتساهل في نسبة التأليف) تحدث فيه عن بعض الأمور الفنية المتعلقة بتدوين الحديث النبوي، فتحدّث أولا عن المواد المستعملة في كتابة الحديث، مقررًا معرفة العرب بالقراطيس قبل الإسلام، وأن شيوع استعمال الورق للكتابة في العالم الإسلامي بدأ قبل نهاية القرن الثاني من الهجرة. (ص375).

ومن الأمور الفنية التي يذكرها: أن المحدّثين كانوا يكتبون حديث كل شيخ في كتاب مستقل (ص376)، وأنهم كانوا يكتبون الإسناد كاملًا في بداية الكتاب ثم يكتفون بالجزء العلوي منه، أو يحذفون الإسناد نهائيًا ويكفتون بالمتن. (ص376). وأن ذلك قد يورث بعض المخاطر إذا تعرض الجزء الذي كتب فيه الإسناد للتلف. (ص376)، ويذكر أيضًا اهتمام المحدّثين بالنقط والتشكيل والإعجام (ص378)، وأنهم يفصلون بين الحديث والآخر بدارة صغيرة بدلا من استعمال النقطة، وتحدث عن ظاهرة سرقة الكتب، وهي أن يكون الراوي قد حصل المعلومات الحديثية بغير طرق التحمل المعترف بها لدى المحدثين (ص379)، ويذكر إضافة بعض الرواة مواد أجنبية تفسيرية أو نقدية في صلب الكتب، إلا أنها كانت تحمل دلالات تميزها عن صلب الكتاب (ص380-381).

يختم المؤلف الباب بجانب آخر من الجوانب الفنية التي وجدت لدى المحدثين، وهي أن من منهجهم الإشارة إلى المؤلف بدلا من الكتاب وإذا أشاروا إلى التأليف لا يراعون الدقة دوما، فينسبون الكتاب أحيانا إلى المؤلف وأخرى إلى الرواي، وأخرى إلى الراوي عن الراوي (ص385) وضرب أمثلة لذلك بتفسير مجاهد بن جبر الذي كتبه عن ابن عباس ونسب تارةً له وتارة إلى ابن نجيح الراوي عنه، وتارة إلى ورقاء، وهو الراوي عن ابن نجيح. (ص383-385).

ثم ذكر المؤلف مثالًا تطبيقيًّا على غلط المستشرقين في فهم هذا المنهج عند المحدّثين، وهو مقالة للمستشرق الألماني شاخت حول كتاب المغازي لموسى بن عقبة، ويناقش ما ورد في هذه المقالة من تشكيك في كتاب موسى بن عقبة، وفي كتب التراجم جملة. (ص386-390).

والباب السابع بعنوان (الإسناد) ناقش فيه المؤلف عدّة قضايا بثها الاستشراق حوله، سيما ما يذكره شاخت، ثم لخص المؤلف تلك المناقشة بخلاصة يحسن إيرادها في عرضنا الإجمالي لمضامين هذا الكتاب. يقول:

(1) بدأ استعمال الإسناد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد استعمله بعض الصحابة لنقل الأحاديث النبوية في ذلك الوقت.

(2) وجد الوضع في الحديث على الأغلب في العقد الرابع من الهجرة، وذلك في مجال السياسة بالذات، فقد أوجدت هذه الفرقة السياسية جبهات متعادية، وبعض هؤلاء كانوا قليلي الدين، ضعيفي الإيمان، وضعوا أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمصلحة أحزابهم. منذ ذلك الوقت أصبح المحدّثون أكثر حساسية في انتخاب الأساتذة وأكثر انتفاءً في سماع الأحاديث، وأكثر احتياطًا في قبول الرواة، وأصبح استعمال الأسانيد أكثر أهمية من ذي قبل.

(3) حتى الآن؛ لم ينتخب المستشرقون لدراسة ظاهرة الإسناد الماجال المناسب، لأن كتابات الشافعي وأبي يوسف تبين بكل وضوح أن كتابات المجتهدين والفقهاء ليست مكانًا صحيحًا لدراسة ظاهرة الإسناد، وكذلك كتب السيرة، لأن السيرة ليست جمع وثائق فحسب، بل هي جمع وتنسيق الوثائق مع حذف الأسانيد لإعطاء التسلسل للحوادث، أي أنه حتى كتب السيرة لا تفي بالغرض. ولهذه الأسباب يجب أن تدرس الأسنايد والأحاديث المتعلقة بهما في كتب الأحاديث نفسها، لا في كتب السيرة ولا في كتب الفقه، ولا في الكتب الفقهية الحديثية، كموطأ الإمام مالك مثلا.

(4) الأمثلة التي ذكرها شاخت ترد على نظريته بخصوص ظاهرة الإسناد، لأن وجود الأعداد الكبيرة من الرواة، مع انتمائهم لعشرات المدن المترامية الأطراف تجعل من نظرية القذف الخلفي للأسانيد والاختراع الاصطناعي للأسانيد غير قابلة للالتفات، وعملية نادرة الوقوع.

(5) لم يكن هناك تطور وتحسين في الأسانيد، وحتى ما كان هناك من رفع للموقوف أو وصل للمرسل، حتى هذا لم يخف على المحدثين الذين كانوا ينتقدون الحديث إذا كان في مصلحة المدرسة الفقهية المعارضة، فهو ادعاء كاذب لا يستند إلى دليل بل يخالف الواقع.

(6) ليس هناك سبب ما يدعونا لأدنى شك أو ارتياب في قيمة السلسلة الذهبية للإسناد، مالك عن نافع عن ابن عمر، أو في أن الأسانيد العائلية ليست صحيحة، لكن قد يوجد المزيف منها، وهو معروف لدى الباحثين.

(7) حسب نظرة المحدثين، لا يقبل الحديث ولو كان متنه صحيحًا، إذا كانت أسانيده موضوعة أو ضعيفة، ولذلك لا بد لقبول الحديث من صحة المتن والإسناد جميعًا.

(8) ليس هناك أي سبب وجيه لرفض سلسلة الإسناد، بل الدراسة تؤكد بأن هذا المنهج يحمل في طياته كل عناصر الأصالة والصحة، وتحتم قبولها بصفة عامة.

(9) لقد قام المحدثون بنقد المتون والأسانيد بكل ما كان بوسعهم وبكل جرأة وبكل إخلاص.

(10) كتب الحديث تهيء حتى الآن الفرصة لإجراء كافة البحوث والدراسات، وتتحمل كل أنواع النقد المبني على العلم والإنصاف لا على الجهل والحقد. (ص436-437).

والباب الثامن بعنوان (الأحاديث وصحتها وإمكان الوثوق بها) وهو باب يتضمن مناقشات نقدية تفصيلية لدعاوى المستشرقين، تحدّث فيه المؤلف بدأه المؤلف بنقل كلام للمستشرق شاخت ضمنه خيالاته حول نشأة السنة النبوية، وحاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له سلطة تشريعية، ولم يعين قضاة، وأن الأمويين عينوا قضاة، ثم نشأت عنهم المدارس الفقهية، ثم وضعت جميع الأحاديث لمواجهة هذه المدارس من قبل أهل الحديث. ويناقش المؤلف هذه الدعاوى بشكل تفصيلي (ص440-450)، ويورد الأمثلة التي ذكرها شاخت ويناقشها أيضًا (ص450- 456).

وينتقل المؤلف تحت عنوان (المستشرقون ونقدهم للمتون) لمناقشة ثلاثة مستشرقين، غولتسهير وفنسنك وشاخت، في المنهج الذي ادعوه من نقد المتون. ويختم مناقشته بقوله: (هذه نماذج من نقد كبار المستشرقين من القرنين الماضي والحاضر، والقارىء يستطيع أن يقوم مدى نجاح هؤلاء في نقد المتون بمعزل عن منهج المحدثين.

ومن نافلة القول أن نقول إن هذا ليس منهجًا، بل هو اتباع لهوى في النفس دون مراعاة عقل أو منطق، لذلك لا يمكن اعتبار منهجهم منهجًا علميًّا لأنه لا يحمل في طياته صفات المناهج العلمية، بل ركيزته الهوى لا غير). (ص470).

والباب التاسع قام فيه المؤلف بتحقيق نسخة سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، التي احتوت (49) حديثًا، كنموذج تطبيقي على تدوين الحديث في وقت مبكِّر.

5- تأثير الكتاب:

حظي هذا الكتاب بتقدير وثناء من عموم طلبة العلم المشتغلين بالدراسات الحديثية، وتجد الإحالة عليه في مواطن كثيرة من تلك الدراسات.

يقول أحد الباحثين: (وقد جمع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه القيم (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) مسردًا مطولًا بمن كتب الحديث من الصحابة، ومن روي عنه نسخ مكتوبة منهم، فأجاد أيما إجادة)[6].

وقد حصل المؤلف على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية سنة 1400هـ، لجهوده في حقل الدراسات التي تناولت السنة النبوية، وذُكِر هذا الكتاب في أول الأعمال الممثلة لتلك الجهود [7].

إلا أن ردود الأفعال حول الكتاب لم تخل من مواقف سلبية، تتمثل في موقف الدكتور بشار عواد معروف الذي سجله في مقدمته لكتاب (تدوين الحديث) لمناظر أحسن الكيلاني حيث يقول: (وقد تبين لي بما لايقبل الشك أن فكرة كتاب (دراسات في الحديث النبوي الشريف وتاريخ تدوينه) وهي الرسالة اللتي نال بها الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رتبة الدكتوراة من جامعة كامبردج سنة 1966، ثم نال من أجلها جائزة الملك فيصل العالمية سنة 1980= مقتبسةٌ بتمامها من كتاب تدوين الحديث هذا. ومما يؤسف عليه الدكتور الأعظمي لم يذكر شيئا من ذلك ، مع أن الكتاب المذكور كان من بين مصادره حيث أشار إليه هنا وهناك، والحق أن الفصل اللذي كتبه الكيلاني في هذا الكتاب بعنوان (تدوين الحديث كتابة) (ص67-84) كان أصل الفكرة التي نظمها الدكتور الأعظمي وجمع النصوص على أساسها ، وهي فكرة مهمة أصيلة)[8].

والدعوى التي يذكرها الدكتور بشار عواد - مع شدة اقتناعه بها – لم يدعمها بالأدلة، إلا أنه لدى المقارنة بين الفصل المذكور من كتاب مناظر أحسن الكيلاني نجده قد ناقش القول بأن نقل الحديث قبل تدوين الكتب الستة إنما كان بواسطة النقل الشفهي فقط، وبين وقوع الكتابة في العصور السابقة لعصر تدوين الكتب الستة، وهي نفس الفكرة التي ناقشها الأعظمي بتوسُّع في كتابه هذا.

ومصدر هذه الفكرة: (اقتصار نقل السنة على النقل الشفهي وعدم وقوع الكتابة قبل المدونات الموسوعية في السنة)= بحسب مناظر الكيلاني هو ظَنٌّ لدى عامّة الناس، ويصفها بأنها فكرة عامّية [9]. أما الأعظمي فهو يناقش هذه الفكرة بوصفها حجةً اعتمد عليها بعض منكري السنة؛ كما يظهر من ترتيب فصول كتابه (انظر كيف عرض شبهات المنكرين ومن بينها موضوع الكتابة ص31-32، ثم شرع في تفصيل الرد على هذه الفكرة).

وأيًّا كان الواقع في نفس الأمر، فإنَّك لا تكاد تجدُ أحدًا ينازع في عدِّ هذا الكتاب في طليعة الكتب التي عنيت بنقد شبهات المستشرقين حول السنة النبوية المطهرة نقدًا تفصيليًّا، وعدِّه في طليعة الكتب التي بحثت في تاريخ السنة النبوية وكتابتها.



[1] الطبعة المعتمدة في العزو هي الطبعة العربيّة التي نشرها المكتب الإسلامي سنة 1992م.

[2] مقدمة تحقيق «سنن ابن ماجة» (1/5-6).

[3] «مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية» (1/66).

[4] «مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية» (1/69-70).

[5] «مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية» (1/67).

[6] «مصادر السيرة النبوية ومقدمة في تدوين السيرة» لمحمد يسري سلامة (ص74).

[7] أورد المؤلف نص الجائزة في أول كتابه.

[8] «تدوين الحديث» لمناظر أحسن الكيلاني (ص7).

[9] «تدوين الحديث» لمناظر أحسن الكيلاني (ص84).