تاسعاً: الاهتمام بالقطاعات الشبابية والنسوية:

لا بد من حجم عميق في الإدراك لتغيير ما يجري من الحراك؛ فالمشكلة أنّ الجهود الدعوية عادة تنصبُّ بوتيرة واحدة، ويتكرر العمل نفسه والأداء ذاته؛ ولا نجد معامل تجديدية ورسم لخريطة ذهنية تقوم عليها خريطة طريق فعلية للوصول إلى الهدف المنشود.

فالشباب والنساء اليوم هم محط الاستقطابات والتأثيرات فالمؤسسات شرقاً وغرباً تغزو الوطن؛ ولا زال كثير من الدعاة يراوحون مكانهم في الدعوة إلى المألوف المعهود المتعارف عليه؛ ولو أنّه كان طريقاً للدعوة يوازيها أشياء أخرى؛ لم يكن هذا إلا من تأزير الدعوة وتقويتها في كل الاتجاهات.

من أفضل الطرق التأثيرية على القطاعات الشبابية:

·       فتح صدور الدعاة للإجابة عن تساؤلاتهم برحابة صدر، مع إجابات معدّة مُسبقة ومُحضّر لها؛ بُغية الحصول على التأثير.

·       انفتاح الدعاة على الشباب في مراكزهم وزيارتهم في أماكن ارتيادهم وتنسيق المحاضرات لهم؛ وردم الهوّة بينهم، وبناء جسور التلاقي، وزرع عملية الدفء الأخوي بين الطرفين؛ وعدم تكبر فئة على أخرى.

·       الشباب بشكل عام يأسرهم التعامل الحسن، واللين في القول، واللطف معهم في الحوار، مع القدرة العقلية على إقناعهم والتركيز معهم على الأساسيات وعدم الاستجابة لتفريعاتهم في النقاش إلا بعد إحكام الأصول.

·       العاطفة الشبابيّة تحب المدح والثناء؛ وتُقدّر التشجيع والتحفيز على المزيد من سمات التميُّز؛ ولقد استخدم الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأسلوب مع صحابته الكرام؛ فحين سأله أبو هريرة - رضي الله عنه - يوماً: من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم – (لقد ظننت أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك لما علمت من حرصك على الحديث)[1] وحين سأل أبيَ بن كعب: (أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم؟) فقال أبي: آية الكرسي. قال له - صلى الله عليه وسلم – (ليهنك العلم أبا المنذر)[2].

·       معالجة شبهات الشباب، الأخلاق الطيبة، والتعامل الحسن، وتقبُّل الشاب الذي يُلقي الشبهة  بنفس غير منفعلة، بل بهدوء وابتسامة، مستعيناً بالله لدمدمة الشبهة بكل ما أوتيت من قوّة منطقيّة وحُجج شرعية، ويُمكن بيان مقدمات مفيدة للشباب في طريقة تعاملهم مع الشبهة بأنّنا نعيش في عصر السرعة؛ وهذه المعلومة لا يُشترط أن تكون صحيحة؛ لهذا نحتاج بداية للتأكد من صحّة وثبات هذه المعلومة، مع كثرة الشبهات والإيرادات؛ تحتاج لعمق تأصيلات، وثبات حجج وبيّنات، والقيام بفعل تأسيسي تأصيلي تقعيدي؛ لزرع روح الشريعة في قلوب الناس؛ حتّى لا يكون فعل طلبة العلم والدعاة مجرد ردود على شبهات، وأجوبة على إيرادات فحسب؛ ففعل ثمّ بعده رد فعل وانفعال وقتي، بل فعل يتلوه تفاعل مع الأشخاص وتفعيل الأصول الشرعية وإعادة ضّخها بالطرق المشروعة.

ومن مهمّات الأمور تعليقهم بتعظيم الأمر والنهي الشرعي؛ وتقديس حرمات الإسلام وشعائره، من خلال التركيز على عظمة النصوص الشرعية.

كما أنّ الجرأة في مناقشة شبهات الآخرين؛ شرطها أن يكون للمرء علم تام بذلك؛ فكم من شخص يُحاول النقاش وهو عار عن فهم أصول المسألة وجذورها؛ لهذا سيفشل في الإقناع؛ لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه؛ لهذا قد تزداد شبهة الشخص في روعه؛ بسبب ضعف الراد عليه!

لا إشكال في نصيحة الشباب بعدم السماع للمنحرفين في فهم نصوص الشريعة؛ وإنّنا إذ ننصح الشباب بعدم سماعهم من أولئك القوم؛ فليس ذلك ضعفاً في حُجَجِنا؛ أو قلّة بصيرة في منهجنا، فلكل شبهة رجالاتها التي يسمعونها؛ ويُواجهونها بالحجة، لكن الفارغ علمياً يُخشى عليه أن يسمع للانحرافات؛ ثمّ تستقرّ في قلبه؛ فلا تزال به ويزال بها وقتاً محدداً يبحث عن الأنسب في مناقشتها حتّى يهدي الله قلبه.

مع ضرورة توصية الشباب بطلب العلم فهو العاصمة بالشهب القاصفة لقاصمة الشبهات؛ وهذا الوقت يجب فيه على عموم الشباب وخاصّة ممّن يحبُّون المعرفة والثقافة؛ أن يزدادوا بصيرة بدينهم وثوابتهم من خلال طلب العلم الشرعي.

أمّا المجتمعات النسوية فيتطرق لها الداعية من خلال:

·       تقوى الله ومراقبته بعبادة الإحسان في تعامل الداعية عموماً مع هذا المجتمع الذي قد تزلّ فيه أنفس الناس إلى ما لا يرضي الله، والحذر من كيد من يدعو إلى ما لا يُحمد عقباه من الطرفين.

·       ربط طريقة الدعوة الإسلامية في خطابها للمجتمع النسوي بطبيعة الخطاب القرآني، فالمرأة تحديداً تناوشتها المفاهيم المتطرفة والغالية من بعض الفئات الدعوية، وكذلك تناولتها سهام المغرضين من المستشرقين والمستغربين وحاولوا سحبها تجاه مفاهيمهم المنحرفة عن تشبثها بدينها الإسلامي، ولهذا فلا بد من الجرأة النقدية على نقد أي قول كان لا يتسم بالصوابية والموضوعية ويُخالف القرآن الكريم أو صحيح السنة النبوية المطهرة؛ فكم دخل على المجتمع النسوي من خطابات بائسة كان لبعض الدعاة حظ ونصيب منها.

·       إشعارهم بخطورة أن يقعوا في فخ مؤامرة لعدو، أو أن يكونوا خطّة يعبر العدو من خلالها للتأثير عليهم، أو أن يكونوا سبباً لضعف الأمّة وهوانها.

·       صناعة الدور التأصيلية للمرأة من مراكز تفهيم القرآن وتعليم تلاوته قبل تحفيظه، لتخرج المرأة من البداية عارفة دورها من كتاب الله بقراءة التفسير الصحيح للآيات القرآنية؛ ليحسن بعد ذلك تفكيرها في الواقع طبقاً لما تعقّلته من الآيات، وينمو تدبرها القرآني نحو الصواب.

·       الإجابة عن الأسئلة المُشكلة والمشككة من بعض الغلاة والجفاة بالنسبة للمرأة؛ ومخاطبتها بالقدر الذي لا يجعل الداعية يستسلم نحو ضغوط الواقع فيفسر تفسيرات لا قيمة لها ولا صحّة، كمن يُفسّر حديث (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) بأنّه كان مزاحاً من الرسول معهن، أو حديث (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها) بأنّه طبع الخيانة الزوجية من المرأة للرجل، أو آية }وقرن في بيوتكن{ أنه لا تخرج المرأة من بيتها إلا لضرورة، وغير ذلك من تفسيرات لا تليق ولا تسوغ شرعاً ولا عقلاً ولا عُرفاً.

·       علينا أن نعترف أنّ المرأة اليوم بمستواها المعرفي أفضل من قبل قرن من الزمان؛ فكثير من النساء مثقفات ومتعلمات ودكتورات ومهندسات ومديرات؛ فما يظنه بعض الناس أنّ الخطاب العاطفي والتركيز على الجانب العاطفي والوجداني وإثارة المشاعر والأحاسيس هو الذي سيؤثر عليها مع الكلمة الطيبة؛ فلم يعد الأمر كما كان عليه سابقاً؛ بل قد يكون حجم التعليم في كثير من البيوت النساء أكثر من إخوانهنّ من الشباب.

·       الخطاب العفيف الهادئ يُفيد المرأة بحسن الكلمة ورقة العبارة فتبقى الأنثى بطبيعتها التي لا تنفك عنها حيث تستعذب حلو الكلام؛ لكن الخطاب العقلاني والمنطقي الفكري هو الذي يجعلها تتأسس بأسس سليمة؛ ولا نسل بعدها عن خدمتها للفكرة التي تؤمن بها بقوّة عاطفتها وشدّة حماسها ودفقة إقبالها بعدما تأكدت من صحّة المبدأ الذي تحيا من أجله وتضحي له.

·       من المهم ألا يبقى دور الدعاة مجرد منافحين محامين عن المرأة بسبب المؤتمرات العالمية التي تريد أن تنزع عنها الكثير من صبغة الدين في قلوبهن؛ بل أن يقدم الدعاة مبادرات ويطلقوا المشروعات والنظريات مع رسم خطوات التطبيقات لتفعليها وإشراك المرأة بها مع حفظ خصوصيتها.

عاشراً: الاحتساب الدعوي في مؤسسات الدولة:

لا بديّة يجب التركيز عليها وهي أن يحرص الدعاة على إشعار الدولة ومؤسساتها أنهم شركاء لا أعداء، وأنّ هدف الجميع خدمة الوطن والبلد، وأن تكون هنالك رسائل إيجابية يطلقها الدعاة تجعل الناس يشعرون أنّهم يعيشون وإياهم في مركب واحد.

لم يحز كثير من الدعاة ما يؤهلهم للوصول لمواقع تأثير بل أن يكون قوارب نجاة عند أصحاب القرار؛ فأغلبهم بعيد عن كثير من المؤسسات الإعلامية، والوزارات المعنيّة بالشأن المجتمعي؛ وتقل دراساتهم في الأصل في هذه الجوانب ويقتربون من الوزارات المعنية بالجانب الشرعي البحت كوزارة الأوقاف، والإفتاء، والقضاء، وكليات الشريعة.

وقد يقول قائل: إنّ هنالك عوائق تصطنعها بعض الأنظمة حتى لا يرتوي المجتمع العام بالإرشاد الدعوي؛ ويُضيّق عليهم في ذلك، وهذا صحيح من وجه؛ غير أنّ حكمة الداعية المُشبعة بروح الحماس؛ لن تعرف شيئاً في الطريق الدعوي يُساوي المستحيل، وإن كانت فيه صعوبة؛ فالصعوبة هي التي تحكّ العقل، وتُثمر النظر، وتعقلن العمل، وتجعل المشقة تتعاظم لأجلها الأجور.

لقد خلق الله الدعاة ليبتليهم ويبتلي بهم، وكثير من الدعاة يظنّ أنّ طريقهم مسلوك مُيسّر؛ وهذا أصل ينبغي أن يكون هو المستثنى؛ إذ إنّ الداعية هو الذي يشق الطريق لغيره، وهو الذي يُذلّلُ الصعاب؛ وإلا لما كان هنالك فضلٌ للداعية على المدعو؛ فالداعية يَشْرَع والمدعو يَتْبَع.

والداعية ما لم يكن مُفكّراً في طُرق التصويب الدعوي فلن تحصل دعوته على النجاح والفلاح؛ بل إنّها ستكون دعوة طائشة، وأكثر ما يُغيظ الكفّار والمنافقون في عمل الداعية؛ حكمته، وأكثر ما يُفرحهم ويُسعدهم حماقته.

وليس وجود العائق الشائك في أيّة موانع دعوية تجعل الطموح الدعوي لدى الداعية متوقفاً9-؛ فالداعية لا يفكر بالماضي وأحزانه؛ ولا يستسلم للحاضر وتعقيداته؛ ويصنع للمستقبل أدواته بل يُحاول أن يُهيّئ الظروف له؛ فهو في جميع الأحوال جموحٌ لا يُمكن السيطرة عليه ولا يُقهر، ولا يرضى طريق الجُنوح والتوقف.

وإنّ من أعظم وسائل الاحتساب الدعوي أن يستشعر الداعية معاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي حراسة الرأي العام، وبه يدرك مفهوم الحسبة الإسلامية المواجهة للحرية الليبرالية غير المنضبطة بقيود دينية إسلامية، ولا حدود عقليّة رشيدة؛ فالإسلام أطلق لنا الكثير من مجالات المباحات والمسكوت عنه وما عفا الله فيه عن العباد أكثر مما حرّمه عليهم؛ لهذا الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل على منعها؛ وهي أشياء قليلة حدّها الشرع بحدود لا يجوز تعدّيها ولا الاقتراب منها لأنّ مجرد الاقتراب منها قد يوقع المرء ففي الخطر وينال به الحظر.

إنّ الدعاة قبل غيرهم من أجهزة حفظ الأمن في الدولة ومؤسساتها؛ صمَّام أمان المُجتمع ووقايته من الشبهات والشهوات؛ وهم بقوّتهم التأثيريّة أقدر على حفظ الأمن والأمان حين يُحسنون صناعة مفاهيم الاحتساب، وتطبيق فريضة قال عنها جمع من العلماء إنّها الركن السادس في الإسلام لكثرة حث الشريعة عليها، وهي شعيرة الأمر بالنشر المعروف بين الناس وحثّهم عليه وإقناعهم به، وتنبيههم على خطورة المنكرات والرذائل وتخريبها للديار؛ حتى أنّ ابن العربي يقول: (السكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من الظلمة للخلق)[3].

إنّ العقل الجمعي الدعوي يُدرك أنّ أصحاب المعصية يضرون مجتمعهم بأكمله، وقد شبه الرسول –صلى الله عليه وسلم - حالتهم بقوله: (مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها. فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً)[4].

ومن اللازم حتماً أن يلج الدعاة لعقول الناس وقلوبهم بتغيير مورث من تأثر منهم بالفكر الليبرالي حتَّى بتنا نرى شدَّة كراهيتهم لهذه الفريضة؛ ويرون أنَّ قيام بعض الفضلاء لإحياء هذه الفريضة هو من التحكُّم بالناس؛ أو التدخُّل بخصوصياتهم، أو منازعة لحريَّتهم!

فيقولون لمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، عدَّة عبارات تدلُّ على استنكارهم لهذه الشعيرة التي أتت بها الشريعة، فترى على ألسنتهم:

" وما خصَّك بذلك؟"، "وما دخلك به؟"، "وشو إلك عندي؟!"، " خليك في حالك"... وهي مقولات كانت تُردد سابقاً في قرون سبقت بعبارات مختلفة حين يرون شخصاً يأمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر فيقولون عنه "فضولي"؛ أي أنَّه تدخَّل في ما لا يعينه بزعمهم!

وقد جعل الإمام أحمد من علامات المنافق اعتباره من ينصحه ويأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر أنّه: "فضولي"؛ فحين سئل: كيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ فقال: يا أبا حفص، صيروا أمر الله فضولاً!" [5].

ولهذا فعلى الداعية أن يتحسّس نفسه قبل تحسس طبائع غيره في تقبّل الأمر والنهي، ثم يرى مدى استيحاشه من قلّة دعاة المعروف ورُماة المُنكر، ويبدأ بنفسه من حيث طريقةُ إصلاحها للواقع، وعدم إلفها المنكرات؛ أو تُسويغها وتبريرها بحججٍ تشرح الضعف النفسي لعدم مقاومتها؛ حتى يغدو الحال كما يُقال: (كثرة المساس تبلد الإحساس)، وقد نبّه عليه الجاحظ فقال: "مما يدعو إلى الفساد، طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل، وطول التداني وكثرة الرؤية هما أصل البلاء"[6].

على الداعية أن يضع نُصب عينيه أنّ البركة في الدعوة متمثّلة في نيل الخيرية التي وصف الله من قام بها فقال: }كنتم خير أمّة أخرجت للناس{ ومن المعلوم أنّ الأصوليين علّقوا عِلّيّة الحكم المقرون بالوصف المناسب له، فلا يسوغ إذا أردنا نيل الخيريّة أن نسكت عن القيام بشعيرة الأمر والنهي؛ حتّى لو وقع في ظنوننا أنّ الناس لن تستمع فرائدنا قوله تعالى : }وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 164 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ 165 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ{ [الأعراف: 164-166]، لهذا يقول الإمام النووي: "ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين"[7].

نعم للمرء أن يترك التذكير إن كانت مفسدته أكثر من مصلحته طبقاً لقوله تعالى }فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى{ فمفهوم الآية أنه إذا ترتب على التذكير مضرة أرجح تُرِك التذكير؛ خوف وقوع المنكر كما يقول الشيخ السعدي [8].

إنّنا نجد مفاهيم تحتاج لتصويب مثل ترك بعض الدعاة النهي عن المنكر؛ خشية من ابتعاد جمهورهم عن الالتفاف حولهم، فيفقدون شعبيَّتهم! ولمثلهم يُقال: }فالله أحقُّ أن تخشوه{، وإنّ من يحض على المعروف بينما هو تارك لإنكار المنكر فقد خالف طريقة الأنبياء والمرسلين في دعوتهم، بل جعل المنكر يتفشّى في المجتمع بصمته وسكوته، كما قال ابن قتيبة: "وإنما يقوى الباطل أن تُبْصره وتُمسك عنه"[9].

حادي عشر: تعزيز مبدأ الوحدة الوطنية تحت سيادة الثوابت الشرعية:

كلّما توثّقت صلة الداعية بمجتمعه، وتعزّزت هيبته بين عموم المجتمع؛ كان مؤدّى ذلك معنى التواصل الإنساني، حتّى مع غير المسلمين؛ فالداعية هدفه أن يصل القلوب، وأن يجذب عموم الناس لدعوته؛ ويُحاول كذلك أن يُصلح الخلل الواقع؛ وإذا كانت آية : }إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{ [الحجرات: 13] فيها دعوة للتعارف بين الناس؛ وبيان أنّ معدن الكرامة بينهم متمثّلة في التقوى، فالتعارف يقتضي التعاون على البر والتقوى ولو مع غير المسلمين طبقاً لقوله تعالى: }وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{ [المائدة: 2] وفي هذه الآية يقول ابن عطية في تفسيره: وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب، ولطف بهم؛ لتنبسط النفوس، ويتداخل الناس، ويَرِدوا الموسم، فيسمعوا القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة كالذي كان؛ وهذه الآية نزلت عام الفتح، ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام "سنة تسع"؛ إذ حج أبو بكر ونودي في الناس بسورة "براءة".

وإن من أوجه التعاون ما يكون فيه رفع مظلمة، أو تعظيم حُرمة، أو حماية أمّة، أو توحد لدفع غُزاة ظالمين؛ فكل ذلك من أوجه الجواز الشرعي.

وفي سيرة نبينا الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مقولات ذات دلالات اعتباريّة إذا رُمنا التفكير فيها؛ فأثناء مخاطبته للصحابة عن قوم قريش قال قبل صلح الحديبية: (والذي نفسي بيده! لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)[10].

وجه الدلالة: حُسن التصرف الحالي في ما ينفع المستقبل الدعوي؛ بتحسين أي قرار صادرٍ عن أيّة جهة فيه إحقاق لحق تعظيم حرمات الله وشعائره؛ ما دامت كذلك.

بل إنّه عليه الصلاة والسلام يضرب للناس مثلاً في أيّة خُطّة مستقبليّة تحفظ حقوق المظلومين، وتأخذ على يد الظالمين؛ ويحث على التعاون في ذلك مع غير المسلمين؛ فيقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: (شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ؛ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ)[11].

وقال كذلك: (لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت)[12].

وجه الدلالة: أنّ أيّ تحالف جرى بين المسلمين وغيرهم على رد الحقوق لأصحابها؛ ودفع المظالم عن أهلها؛ فإنّ الإسلام يقف معه ولا يُضاده.

يقول ابن القيم في الزاد: "... المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك؛ فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس"[13].

ثاني عشر: تصحيح المفاهيم وإيجاد البدائل:

لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتعليم؛ بل أعطى الغلام الذي وقع في الخطأ بديلاً مناسباً لما كان يفعله؛ فقد أخرج أبو داود عَنْ أَبِي عُقْبَةَ وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ قَالَ: (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحُدًا فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ. فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (فَهَلَّا قُلْتَ خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيُّ)[14].

يشهد له كذلك في تصحيح المفاهيم وفد هانئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه حين سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح)[15].

وبكلٍ فإنّ الذي يتعامل مع الناس ويمنعهم من أشياء عليه أن يُفكّر دوماً في الطرق المناسبة لإيجاد الأفضل من البدائل قدر الإمكان؛ لأنّه ليس كل شيء يُوجد له بديل مناسب أو مكافئ؛ ولكن المنهج العام يُعطي إفادة بالبحث في ذلك؛ وقد أشار الإمام ابن القيم إلى ذلك فقال: (إذا منع المفتي من محظور دل على مباح... من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه)[16].

بقي أن أقول: على عموم الدعاة الربّانيين أن لا ييأسوا من الحراك لتغيير الواقع؛ فإنّه إذا منع الله على العبد باباً في دعوته؛ سيفتح له أبواباً أخرى؛ عليه أن يبحث عنها ولا يقصر الدعوة على شيء محدد؛ بل قد يكون ما أغلق عليه نجاة له؛ وما يبحث عنه إن أدرك مفتاحه ولج من بابته لساحته ليرى مدد الله ونعمه تترى عليه؛ ويعلم أنّ من جاهد في الله ولأجل نشر دينه حقّ الجهاد؛ أنّ الله سيهديه عدّة سُبل؛ لا سبيلاً واحداً يبقى عليه المرء طيلة حياته، فالله تعالى يقول: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ{ [العنكبوت: 69].


 


[1] أخرجه البخاري في صحيحه: (99).

[2] أخرجه مسلم في صحيحه: (810).

[3] عارضة الأحوذي في شرح الترمذي: (9 / 15).

[4]) أخرجه البخاري في صحيحه: (2493).

[5] (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال: (65).

[6] الحيوان للجاحظ: (1/ 112).

[7] شرح مسلم للنووي: (2 / 23).

[8] فتح الرحيم الملك العلام، ص164.

[9] الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، ص:61

[10] أخرجه البخاري في صحيحه: (2583).

[11] أخرجه أحمد: (1567).

[12] سيرة ابن هشام: (1/133).

[13] زاد المعاد، ابن القيم: (3/ 303).

[14] أخرجه أبو داود في سننه: (5123).

[15] أخرجه النسائي في سننه: (5387).

[16] إعلام الموقعين، ابن القيم: (4/ 121-122).