خامساً: متابعة الاختراعات القادمة والتفكير في صياغات دعوية لها

لئن كان مكتوباً علينا أن نبقى منتظرين لما يمدنا به الشرق أو الغرب من اختراعات وابتكارات؛ فليكن منّا على الأقل قدرة لاستغلال ما تتنامى إليه مسامعنا وتترامى إليه أبصارنا لنجعلها ضمن خططنا الدعوية القادمة.

في كل عام يُعلن عن مواعيد لمعارض عالمية أو دولية؛ لعرض ابتكارات البشر التي ستنزل السوق بعد سنوات؛ أفلا يَهِيبنا ذلك أن نعجّل بفهم كل مخترع جديد؛ لفهم نمطه ودوره؛ وكيفية استخدامه واستعماله؛ وما الإمكانات التشغيلية الدعوية التي تجعلنا سبّاقين للخير في إطلاقه من خلالها قبل أن تنطلق نجوم الشر من أماكنها لاستغلال هذه القُدرات.

طالما سمعنا عن أشياء تحدث عنها جمع من العلماء بتحريمها، أو منعها لسد الذريعة، أو لتوهم غلبة المفسدة على المصلحة، أو لكونها من البدع المُحدثة؛ وتبيّن أنّ أقوالهم لا تطابق الصواب؛ بل قد تراجع بعضهم قولاً؛ وتراجع آخرون فعلاً؛ فما حرّموه قديماً ولجوا به حديثنا فكان فعلهم دليل على انتقالهم عن رأيهم القديم للحديث.

لست هنا بمعرض الانتقاص أو النيل من أحد؛ فقد يبدو للشخص رأي فطير لم يدرسه بعمق؛ في حين أنّ من بادر لدراسة المستحدثات والمستكشفات التي تفيدنا في مجالات الدعوة؛ قد أجرى عليها قواعد الشريعة وقام بعملية استباقية إجرائية لفهم ما يجري عمله؛ فكوّن رأياً خميراً ولم يخرج إلاّ بعد فهم وفقه؛ فأحسن التأصيل ونظر في التنزيل ووجده المكان المناسب لإيجاد البديل.

سادساً: العناية بأصحاب المواهب والقدرات والطاقات:

يقوم عدد من الشباب المسلم بكثير من الاختراعات والابتكارات البسيطة إما بمشاريع تخرج من الجامعات، أو يتقدمون بها في مسابقات عالمية، أو يُطلقونها وتشتهر أعمالهم، وهم في غالب الأحيان يستقطبهم من ليس من أهل الدين والشريعة؛ ويخدمون بعدها اتجاهات ودول جاهلية.

هؤلاء أنفسهم لو أحسنت الأمّة الدعوية التواصل معهم، وكوّنوا لهم مؤسسة لتلاقي الجهود، وتلاقح الأفكار، لحصل من جرّاء ذلك مخرجات عديدة تفيد الأمة والدعوة والمجتمعات؛ بل لكان لهؤلاء دور أساس في خدمة الدين بوسائل الدنيا؛ كما كانت عدّة اختراعات قديمة تهدف لحماية المقاصد الدينية بالقيام بوسائل اختراعية للحاجة إليها؛ كأدوات الاجتهاد في تحديد القبلة؛ وتوسيع بعض الأعمال الحربية لخدمة الجهاد في سبيل الله، وغيرها من الجوانب.

إنّ أمّة لا تعتني بالموهوبين منها؛ ولا تُقدّم لهم الكفايات اللازمة لتنشيط قُدراتهم؛ ستبقى في ذيل الأمم؛ لأنّ من وسائل تحقيق العزّة والمَنَعة إيجاد الوسائل المتقدمة التي تحمي قدراتها؛ وتحقق وجودها؛ وإذا حصل تفريط من ساسة الدول الإسلامية في ذلك؛ فالجدير البحث عن أكثر الدول الإسلامية استعداداً لتحمّل أعباء وتكاليف النهوض بالمُبدعين والمبتكرين وأصحاب الكفايات والطاقات؛ إضافة إلى تعاون الدعاة معهم في ما هو أحظ لخدمة الصالح العام، والانتفاع العرفي لخير البشرية والإنسانية جمعاء؛ إذ الدعوة تستهدف عموم الناس.

لا يزيدني أحدٌ من حالة التذمر من واقعنا، ونظرة من يقرأ هذا المكتوب بالقفز في عالم الأحلام والخيال؛ فليس كل حُلم لا يتحقق، وكثير من الخيالات خيارات وإن أخفق خيار نجح خيار آخر؛ ولا مجال للمستحيل؛ طالما وُجدت النفس المثابرة، والعزيمة المضّاءة، والقدرة على انتهاز الفرص التي قد تلوح فيقتنصها المدقق ويجد بها خيراً يتدفق.

سابعاً: معرفة موقع القوة في حياة الداعية:

في أحايين كثيرة يستعجل بعض الدعاة فيقعون في الزلل، ويتأخر آخرون فيقعون في العطل؛ وتخطئ قراءة الواقع بناء على المركبات الضعيفة في ذهن الداعية؛ فيتجاوز الحدود، ويتعامل مع المدود، وهو لا يعلم أنّه مسنود!

خيارات القوة والضعف؛ ودراسة فقه القدرات والإمكانات؛ هي من أضعف الدراسات الواقعية الدعوية؛ لأنّنا نلحظ أنّ كثيراً من الإخفاقات الدعوية على كثير من الأصعدة كانت من أهم أسبابها عدم وجود أولياء التقدم الذين ذكرهم الله في عدّة مواطن من سور القرآن، حتّى أنّه وصفهم بأنّهم: }أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ { [ص: 45]، و } أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ { [هود: 116]، و } أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ{ [النمل: 33].

لهذا يأمر الداعية بأوامر لا يجد من ينفذها بسبب عدم وعيه لطبيعة المرحلة، وعدم قراءته لنفسيات الناس جيداً، وتكليفهم أكثر من طاقتهم وقدراتهم الزمانية والمكانية وقد قيل: (إذا أردت أن تُطاع فأمر بالمستطاع)؛ لهذا فعمله ضمن حدود المقدور الممكن.

إنّ من منهج النظر في اعتبار مبدأ القوة والضعف: أنّ تُمنع بعض الأعمال الصالحة؛ حتى لا تكون سبباً لاستفزاز الآخرين ضد المسلمين، ومن أدلة ذلك ما قاله ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: }وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا { [الإسراء: 110] نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، بل على الرُّغم من أنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يعيب آلهة الكفار لبيان عدم تمكنها من الدفاع أثناء مهاجمتها؛ وللطعن في هيبتها في قلوب الوثنيين؛ غير أنّ الأمر حين آل لأن يجترئ كفرة قريش فيسبوا الله تعالى نهاهم الله عن ذلك؛ فقال: } وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ { وقد فرّع العلماء عليها دليلاً أنّ الطاعة إن أدّت لمعصية حاصلة فالواجب تركها.

نقل القرطبي – رحمه الله – في الجامع لأحكام القرآن؛ فقال: "قَالَ الْعُلَمَاءُ: حُكْمُهَا بَاقٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ فِي مَنَعَةٍ ، وَخِيفَ أَنْ يَسُبَّ الْإِسْلَامَ ، أَوِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسُبَّ صُلْبَانَهُمْ وَلَا دِينَهُمْ وَلَا كَنَائِسَهُمُ ، وَلَا يَتَعَرَّضُ إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ " [1].

إنّ المرء عليه أن يقيس مدى قدرته وقوته في كثير من الأعمال التي يتغيّاها؛ ومن أشرفها عملاً العمل الدعوي الإصلاحي الذي تحكمه موازين دقيقة يحتاج الداعية أن يعرفها لكي تبقى دعوته موصولة ويُحسن الحفاظ عليها.

قد تصل الأحوال بالدعاة إلى تكميم أفواههم؛ فليس من اللائق بهم استفزاز من منعهم بمزيد من السب والشتم؛ فلا طريق المداهنة والنفاق تصلح، ولا طريق السب والشتم تُرجّح؛ بل طريق الصبر ومحاولة كسب الفُرص؛ بل قد يكون ذلك من مصلحتهم؛ ليهيئ الله تعالى لهم جيلاً جديداً قد مارس الكثير من الغواية؛ وسُمح له القيام باللهو والطرب وتنمية المال بشتّى الأشكال؛ ليعيش حالة من المتعة واللذة والاستهلاك؛ فإذا أفلسوا في خدمة أجسامهم؛ هيأهم الله لمرحلة قادمة تتراخى فيها التحكُمات بالدعاة؛ فيكونوا خير من يستمع لهم؛ وتدفعهم الفطرة للبحث عمّا يسقيهم ماء الحياة؛ فيكون ذلك خيراً بعد تعطيل عمل الدعاة؛ ويكون عموم هؤلاء متعطشين لغذاء الروح؛ ولا يلتفتون لأي سقيا؛ بل كما قال تعالى: }يسقى بماء واحد { } قد علم كلُّ أناس مشربهم{.

ودائماً ما يحسن التنبيه عليه أنّ من وصلت به الأحوال لمرحلة العجز فلا يُكلّفه الله شيئاً؛ فإذا استطاع أن ينشر دعوته في منطقة أخرى فحسن؛ وإن لم يستطع فليُقبل على خاصّة نفسه وليُحاول دفع المنكر بأحسن الطرق، والأمر بالمعروف بأحكم الوسائل، وينتظر مدد الله تعالى؛ فإن كان الزمن لا ينتظر فإنّه جزء من العلاج.

ثامناً: الانفتاح الدعوي على مؤسسات المجتمع:

إنّ بقاء الداعية إلى الله في المساجد أو كليات الشريعة أو دور الإفتاء أو مؤسسات القضاء الشرعي، وغيرها مما يُشاكلها يحد من سعة رحاب الأماكن التي تطرقها أقدام الدعاة؛ تفاعلاً مع الصواب الذي يُقام في هذه المؤسسات، أو إرشاداً وتوضيحاً لكثير من الجوانب التي تحتاجها المؤسسات.

من المفيد أصالة أن يُفكّر الدعاة أنفسهم خاصّة من المقتدرين مالياً أو من لديهم علاقة مع ثقات الأثرياء بصناعة مؤسسات تنموية وثقافية تتكفّل بالصناعات المدنية التي يحتاجها المجتمع وإشرافه على ذلك؛ لكي يكون هذا درساً عملياً للناس أنّ الداعية فعّال لا قوّال، وأنّ خطابه ينسجم مع العمل المؤسسي الواقعي وليس مجرد فقاعات في الهواء؛ وحين تؤسس هذه الفكرة ستكون خلفاً وعقباً لمن بعده ممن يفيدون منها وهي خير وراثة دعوية تترقبها الأجيال اللاحقة؛ كمؤسسات الوقف الإسلامي، ومؤسسات البنوك الإسلامية، وبناء المراكز العلمية، وتأسيس المستشفيات، وكذلك عبر إطاره الدعوي الذي يعمل فيه، فليس المراد بناء حجر على حجر، بل تثمير معاني العبادة الخالصة والألوهية الصحيحة في قلب البشر؛ وجلبهم إلى الدين من خلال المؤسسات التي تجذبهم إليه.

وإنّ من المواطن كذلك التي تسترعي انتباه خُلًص الدعاة الواعين؛ والمصلحين المُوجّهين؛ عدد لا بأس به من المؤسسات، ومنها:

1-    عمارة المساجد معنوياً وخطابياً:

لا تنتج العمارة الحقيقيّة من بناء الصروح وتشييد الجسور وإقامة المؤسسات إلاّ بالبدء بالعمارة الحقيقيّة لبيوت الله، وإقامة مساجده على أرض الواقع؛ فالمساجد بقاع شريفة تعطي ما حولها من الشرف بقدر رغبة الناس فيها؛ لهذا كان من اللازم ربط العمارة الدعوية بالعمارة المسجدية؛ لكنّ العمارة المسجدية لها شرطان:

·       أن يكون من قام بإعمارها من أهل الدين العاملين به المرتبطين بالله ولا يخافون غيره، لا أن يعمرها المشركون المنافقون فالله يقول: } مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ 17 إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ { [التوبة: 17 - 18].

·       ألاّ تُلهي عمارة المساجد ولو كان البيت الحرام عن العمل لهذا الدين ونُصرته وحمايته من كيد الأعداء وتربّصهم؛ فالعدو بتربصه الدوائر بالأمة؛ قد يُخّرب مساجدها ويُحوّلها إلى ثكنات عسكرية واصطبلات لعدّته وعتاده؛ فمعنى الاهتمام بها إعطاؤها القدر اللائق بها ولا يطغى على غيره؛ فالله تعالى يقول: } أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله{ [التوبة: 19].

فكانت البداية الدعوية العمرانية من بيوت الله؛ فمن أحسن معرفة العمران الحقيقي أدرك مآلاته المنصبة عليه في العمران الدنيوي، وتوصل لنتيجة مفادها أن كل عمران دنيوي لا بد وأن يرتبط بالعمران الديني؛ ومن هنا تكون الانطلاقة والوثبة الكبرى في تحريك سفينة الحياة ودفّتها نحو مرضاة الله، ودعوة الناس لمقاصد الدين وأخلاقيات الشريعة.

وهذا يسوقنا للحديث عن إصلاح الخطاب المسجدي في المحاضرات والخُطب؛ فقد قيل: "هناك ثلاثة أشياء مهمة في الخطاب: من يلقيه، وكيف يلقيه، وما الذي يقوله"

كثير من الخطب المسجدية ليس فيها مسؤولية ذاتية للمتحدث أمام الحضور؛ فيتحدث الخطيب بما يدور في عقله دون النظر لتنوع الحضور واختلاف طبقاتهم!

وكثير من الخطب المسجدية تذكر مشكلات الواقع بكثرة؛ فيسمع الحضور أشبه ما يكون بنشرة أخبار؛ دون إشارة الخطيب لحلول وبدائل وفكر المواجهة لمشكلات الواقع!

المُشكل في هذا المجال أنّ اهتمامات الخطيب أو المُحاضر قد تكون نخبوية لا عامة؛ فيتحدث بطريقة علمية لا يفهمها الكثير؛ فيجب مراعاة الحديث النافع لعموم الحضور!

يحسن مراعاة الخطاب المسجدي الاختلاف البُلداني في أقطار الأرض؛ فكل أهل بلد طبيعة خطابهم يُستحسن أن يعتمد على أصولهم الفقهية، وطبائعهم العرفية الصحيحة.

والخطاب المسجدي لمن عَقَله خطاب تربوي؛ فلتُصان المساجد عن البذاءات اللفظية ولو بدعوى الغيرة على الدين؛ بل تناقش الأمور بِحجّة فهي خير محجّة؛ ولكثرة تشويه الخطاب المسجدي/ المشيخي، وتأثر بعض الحضور بالنظرة السيئة للخطباء؛ فليكن الخطاب حاملاً معاني التبشير لا التنفير؛ والتيسير لا التعسير، والتشجيع لا التثبيط.

في بعض الأحيان يتحدث المُحاضر أو الخطيب في المسجد حديثاً لمن لا يملك من أمره شيئاً وعلى رأسهم الخطيب نفسه؛ والدور الرئيس للخطاب المسجدي ترسيخ النصوص القرآنية والنبوية في عقلية الحضور؛ وضخ معانيها وتقريب مفهوماتها لهم؛ وتوجيههم بواقعية نحو العمل المطاق.

وبعض طلبة العلم والوُعاظ حين يقفون لمخطابة الناس ووعظهم يُعطونهم صورة مثالية عن سيرة سلفنا الصالح، ويقدّمون أفضل ما لديهم من عبادات وأعمال صالحات وتنسكات؛ لكنهم يغفلون جانبهم البشري؛ فأفراد السلف الصالح على عظمة منهجهم، وكثرة عباداتهم، إلاّ أنّهم بشر لدى كل منهم قصور من جهة؛ بل أخطاء في بعض المواقف، وهم مختلفون بتنافسهم في العبادات؛ بل تعبُّدات بعضهم تخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة؛ والمراد أن نعطي الجمهور المستمع الصورة المتكاملة لطابع السلف الصالح البشري.

إنّا وإن تبنينا منهجية الإفادة من سيرة سلفنا الصالح؛ لكن علينا أن ننصح الناس وندعوهم بما يقدرون عليه؛ لا أن ندعوهم لرؤية خيالية حالمة، وننتقي أفضل مواقف السلف في العبادة، وندعوهم للقيام بها؛ وطلبة العلم أنفسهم وعموم الوعاظ لا يقدرون أن يقوموا بما يُذكّرون الناس به، وقد يتفوق أحد معاصرينا على عبادة المتقدمين من الصالحين، لكن أن يكون عموم الناس حالاً بالعبادة كعموم السلف فأمر يصعب مناله؛ وإن كان يحسن خياله.

وكثير من الدعاة أثناء حديثهم عن مُشكلات الواقع؛ يذكرون أفضل الصور عن التاريخ الإسلامي؛ حتى يُخيّل للمستمع أنّ الناس كانوا يعيشون في حياة لا يوجد فيها ظلم ولا حرب ولا سوء؛ مع أنّ الواقع يقول إنّ تاريخنا فيه كثير من جوانب الخير؛ وفيه مما تتجرعه الأمم من الحروب والكوارث والمعارك والظلم والجور... وحينما يتحدث المتحدث عن صورة رائعة لمن كانوا سابقاً ثم يهاجم أمّة اليوم بكونها تائهة، ضائعة، نائمة، حائرة، غافلة، متكاسلة، مُخدّرة... فهو مع كونه خطاباً توبيخياً تهجمياً ضمن حملات من حجم الصعوبات والآلام التي تتجرّعها أمّتنا والعذابات التي تعيشها، فهو خطاب اليائس الصاخب؛ ولن يُجدي نفعاً أو يكون مؤثراً؛ فالخطاب الناجح الذي مع أن يُنبِّه على أخطاء أمَّتنا؛ فإنَّه يجعل جُلّ خطبته في ذكر الطرق والأساليب العمليَّة التي تستعيد الأمَّة فيها كرامتها؛ ويكونُ أول المبادرين لذلك!

لقد سئمت الأمّة من خُطباء الخَبْط والخَطْب؛ وقد ملّت من (الفكر الحطبي) الذي يحتطب أفكاره من ساحة عقله الباطن بما فيها من عُجَرِها وبُجرِها؛ وهو لا يُحسن التمييز بينها، فيضخُّها جيمعاً أمام الحضور؛ يظنُ أنَه سينفعهم وقد يقرصهم بأفكاره أكثر مِمَّا ينفع!

إنّ من يقوم بالخطاب المسجدي الواعي؛ كالطبيب النِطاسي بين يديه المرضى الحائرون؛ فإنَّه يُحسن تشخيص مرضهم؛ ثم يصف لهم ذلك الدواء الفاعل ويُذكّرهم به أكثر من مرضهم؛ لا أن يجلس معك فيحدّثك عن وصف الداء وأنَّ هذا الجسم مريض ومريض ومريض!

إنّ على الواقف بين يدي المصلين أثناء معالجته مشكلات الواقع ألاّ يلقي النصوص الشرعية على مسامع الحضور بداية؛ ويقوم بإعطاء موعظة علمية عامة؛ لربما تكررت على مسامعهم مراراً؛ بل تُقلب المُعادلة، ويُعادُ للنصوص الشرعية مكانتها وعظمتها في قلوب العباد.

ليحاول أن يفكّر في هذه المشكلات وحصرها وتقسيمها، وسؤال المجتمعات عن كُنه المشكلات؛ فإذا عاشها وعرفها وأدرك مخاطرها الدقيقة، وجمع تراكيبها وطريقة تشكّلها، وقام مقامه مبلّغاً فليذكر الناس بها؛ ويوضح تأثيرها السلبي؛ فإذا شعر  الحضور أنّ هذه المشكلات كذلك؛ حتّى صارت مُمَثّلة في خيالهم الذهني، ثمّ بدؤوا يبحثون عن طوق النجاة، وعن أسباب الخلاص؛ عندها فقط فليستنهض فكره الجوّال مستذكراً النصوص الشرعية؛ ومستنبطاً الحلول الدينية؛ بما يُصلح شؤونهم الدينية والدنيوية، وهي ما تجعل عدداً ليس بالقليل يستشعر ملامستها للواقع فكأنّها نزلت على مصاقع قلوبهم بعد سماعها، وهو حينئذ يجعل لهذه النصوص حيوية وروحاً تعيش في أرواح الناس؛ فيستشعرون عظمتها؛ وهكذا نزل القرآن في مجتمع الصحابة مُنجّماً مُقسّماً بحسب الوقائع والحوادث؛ ليُثبّت الأفئدة؛ ويهدي الحيران، ويرشد الضال.

2-   الجامعات والمدارس:

إنّ الوجود الدعوي المستقل القائم بالتوجيه والتنويه بالإرشادات الإسلامية، وجميع أشكال الدعوة المناسبة للجو المدرسي والجامعي، مع المقدرة على التنسيق والتعاون والتكاتف الأخوي بين الدعاة من أهم الجوانب التي تتشكل بها مفاهيم الناس، وفيه توعية بحل الإشكاليات المتعلقة بحياتهم.

إنّ هذه المؤسسات التعليمية علينا في الأساس أن نعتبرها تربوية أخلاقية مؤسسة على ميزان الشريعة؛ لكي يتنامى فيها الدور الدعوي الحكيم؛ والتي ستُزهر عطاء وعملاً وتضحية لصالح البلد والوطن والأمة المسلمة؛ فهذه المحاضن بالعوامل الدعوية إذ ستكون فيها القِيم السليمة مزروعة لا منزوعة؛ فيعظم الخير في المجتمع، ويشعر الناس بقيمة الوعي في حياتهم سلوكاً وتطبيقاً.

إنّ حجم تأثير الجامعة – مثلاً – على عموم المتعلمين في ما سيشغلونه من وظائف في حياتهم عمل راقٍ في تأمين فكر المجتمع؛ إذ الجامعة قنطرة للبيئة العملية؛ فإن تغذّى الطالب الجامعي علماً صحيحاً وتربية سليمة، وأحسن الدعاة استغلاله واستثماره لصالح الشعب والأمّة؛ فسيكون طاقة لا يُستهان بها في خدمة أمّته؛ فالفكر السليم سيوّلد حركة سليمة؛ ولهذا كان يقول أحد شعراء الهند: (إن فرعون لو علم أثر الجامعات لما قتل بني إسرائيل ولفتح لهم جامعات)!

إنّ الانتهاض بنشر المبادئ الإسلامية والقِيَم السليمة ومدافعة مكايد الشبهات؛ سيعمم النفع على الأمة، ويفتح لها أبواب الريادة والاستقلال والنهضة؛ وقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يقول: "إن الشعب المتعلم لا يُستعمَر"[2].

وكلما انتشرت في البيئة التعليمية معاني العلم والعمل؛ قلّت مستويات الجريمة، ومن هذا المنطلق كان يقول الشيخ البشير الإبراهيمي: "الأمة التي لا تبني المدارس تبنى لها السجون"[3].

إنّ الإحساس الذي ينبغي أن ينتفع ويرتفع به رعاة الدعوة من أهل الخير؛ بات تأثيره في كثير من أحواله حزبي؛ حتى صار كثير من الطلبة يحسبون أنّ أيّة مُبادرة دعوية لها توجه حزبي؛ وهو ما أثّر على الحيوية الدعوية والفاعليّة التغييرية في جسم وروح المتلقين؛ يزيد ذلك حجم التضييق على النشاطات الدعوية من بعض الجهات؛ فلهذا انكمشت الكفاءات الدعوية في كثير من تخصصاتها الأدبية والطبيعية؛ وهو ما ولّد لنا كفاءات مُشوّهة في مجالات السياسية الاقتصاد والبيئة والعمران والطب؛ بل في المؤسسات الدينية ضعف هائل في التأثير الدعوي في تنمية الروح الدينية، واستشعار حس المسؤولية، وتعزيز الفطرة النقية، والتذكير بالعهد والميثاق الذي أخذه الله على عباده.

والأمم من حولنا إذا تعثّرت وأصيبت بالنكبات؛ يُرجعها كثير من خبرائها إلى فساد النظام التعليمي الذي لا يُكسب الطلاب خبرة علمية، ولا يوفّيهم حقّهم بالاحتضان التربوي، ولا يُعطيهم النماذج التطبيقية التي يقومون بها بأنفسهم لصنع المُثل والأخلاقيات ليرعوها حقّ رعايتها في مهنتهم القادمة، وحين هُزمت فرنسا في إحدى هزائمها أَرَجَعَت ذلك إلى النظام التعليمي، وذكروا أن التربية الفرنسية متخلفة؛ وحينما غزا الاتحاد السوفيتي سابقاً الفضاء وحطّت أول مركبة له على سطح القمر، وقف الرئيس الأمريكي جون كنيدي يقول: "ماذا دهى نظامنا التعليمي؟" بل إنّ ما يحصل من فساد سياسي ورُكوب طغمة سياسية لتكون في سُدّة الحكم؛ من أسبابه الفشل التعليمي والتربوي في الجامعات.

والذي يُقوّم مسيرة التصحيح؛ وجود حجم دعوي كبير يقتنع به الطلاب؛ ليكون مؤثراً في الواقع الجامعي؛ من حيث وجود النظام التعليمي السليم؛ والقدوات التعليمية المقتدرة، مع ما تتزكّى به المؤسسات من الشرعة الإسلامية من خلال تنمية التعاون مع الطاقات الدعوية المؤثرة في المجتمع.

3-   تعزيز إيجاد المصارف التمويلية وشركات التأمين الإسلامية مع تصويبها.

النظام الاقتصادي له دور خلاّق في صناعة الأنماط الفكرية؛ وكثيراً ما يتأثّر الناس ببريق المادة، والتطورات الاقتصادية؛ وهذا ما يحتاجه الدعاة الربانيون ليكونوا على وعي تام بحجم المسؤولية المتعلقة بهم ليكونوا على أُهبة الاستعداد لفهم ما يجري من سوق مالية، ودراية عامة بالتأثيرات الاقتصادية؛ وتشجيع التعاون مع البنوك الإسلامية؛ مع تصحيح الأخطاء، والإرشاد الدعوي لتقليص الممارسات غير الشرعية التي تؤثر على سُمعة هذه المؤسسات البنكية والتأمينية.

إنَّ بعض الناس لا تُؤثر فيه آية أو حديث كما يؤثر فيه موقف عملي؛ فوجود مؤسسة اقتصادية سليمة في معاملاتها من ناحية شرعية؛ تتّسم بمعايير الجودة، سيؤثر في ذهن كثير من الناس في نظرتهم للعمل الدعوي إذ إنّ جزءاً منه مؤسسات إسلامية حطّت بِثِقَلِها بين الناس.

ومن المستحسن ضمن ما نراه من اهتمامات واسعة في مجال الصيرفة والاقتصاد الإسلامي؛ أن تُبدع ابتكارات اقتصادية تُعالج مشكلات مالية مجتمعية؛ فدراسة الحلول والبدائل وتوفير الانتعاش والرخاء الاقتصادي هو الذي يكسر هيمنة الرأسمالية والنيوليبرالية الجديدة الاقتصادية.

إنّ ملكة سبأ بلقيس قال عنها الله تعالى: } وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ { [النمل: 23] لم يجعلها تذعن لسليمان عليه السلام وتعلن إسلامها إلا حينما رأت تلك القوة الحضارية التي كانت بين يديه: } قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ { [النمل: 44]، وهكذا الحال مع من يحاول تزعم سيادة العالم اقتصادياً ونحن على ثقة بتضعضع مشروعه حالاً ومآلا فلن نستطيع هز أركانه إلا بقوة ماثلة تجديدية يوماً إثر يوم مع تكييف شرعي فقهي ليراها بين يديه ونصب عينيه، وكثير من الناس لا يقتنع بالفكرة ولو أعطيته ألف نموذج فكري لها ولكن بالاستمرار على دراسة النماذج الفكرية لأن تكون حية عملية.

4-   التشجيع العملي على صناعة مؤسسات وقفية:

من أعظم ما تُعاني منه البرامج الدعوية قلة المعين، وضعف التمويل؛ وحالة كهذه ينبغي أن تُدرس بعناية لكي لا تكون البرامج الدعوية قائمة على عطاءات الناس وتبرعاتهم فحسب؛ بل تكون من خلفها مؤسسات وقفية تُدر على هذه البرامج الدعوية دخلاً مناسباً؛ ليبقى العمل الدعوي في حالته الدؤوبة؛ ويستمر العطاء ولا يتوقف، ولكي لا تكون هذه البرامج مما قام عليها شخص إن مات ماتت معه؛ وإن مرض تعطلت معه؛ بل تكون طِبقاً للأنظمة المؤسساتية الحديثية؛ بوجود مجلس إدارة يقود العمل المؤسسي إدارياً ومالياً؛ ويصرف الموارد المالية في قنواتها الخاصة؛ ومشاريعها المرسومة لها؛ أو التي تتجدد بحسب الأحوال والظروف.

5-   الانفتاح على النقابات العامة:

يعزف كثير من الدعاة عن الولوج والاتصال بالنقابات التي تتشكل بحسب المهن والحِرف؛ وهذه النقابات تجمع فئات عديدة ممن يمكن إفادتهم دعوياً؛ بالنظر في احتياجاتهم الشرعية، وعلاج ما يمرون به من أزمات برؤية تجمع الفقه بالشرع والفقه بواقعهم؛ وتوصلهم بالمجتمع من حيث الأخلاقيات التي تتأكد ممارستها من كل شخص وما يقوم به من عمل.

6-   تجمعات الدواوين العائلية:

تُوجد ميّزة رائعة في كثير من بُلداننا وهي تجمعات لدواوين عائليَّة؛ يتواصل الأقارب في ما بينهم، في أفراحهم وأتراحهم وعامَّة ومناسباتهم، غير أنّها يُمكن أن يتداعى فيها عدد من الفضلاء للقيام بواجبهم الدعوي والإرشادي بين أقاربهم؛ فالله تعالى يقول: } وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ { [الشعراء: 214]، ويُمكن أن يقوم القائمون على هذه الدواوين بأمور عديدة من قبيل:

-       توزيع مطويات دعوية، وأقراص فيها تلاوة مُجوّدة لكتاب الله - تعالى - ومحاضرات دعوية، وشرعيةَّ، لدعاة وعلماء مؤثرين، وحقائب فيها مجموعة كُتيبات تهمُّ كل أسرة في أمور دينها ودنياها.

-       استضافة أهل العلم، والدعاة، والقضاة، وأهل التأثير منهم، بين فينة وأخرى؛ للحديث في بعض الجوانب الشرعيَّة وترقيق القلوب، وتعليمهم أمور دينهم.

-       إقامة المسابقات وتقديم الجوائز عليها، من ميسوري الحال من العائلة.

-       القيام بـ: (صندوق عائلي) لجمع تبرعات العائلة عند شخص أمين منهم؛ للوقوف مع المعوزين والفقراء من العائلة، وتحقيق معنى التواصل الفاعل، وستر فقراء العائلة هو ستر لسمعة العائلة.

-       الإصلاح بين بعض الأسر المتخاصمة داخل العائلة، وتفكير كبار العقلاء في العائلة بإعادة اللُّحمة، وتضييق مساحة الخلاف والقطيعة، ففي ذلك خير كبير، وأجر جزيل؛ فالله تعالى يقول: }والصلح خير{ [النساء: 128].

7-   المشاركة الجادة في وسائل الإعلام:

إذا كان الإعلام في الغالب فاسداً؛ فكيف ترتجي منه مواجهة الفساد وفضحه؟!

فصناعة الإصلاح في المؤسسات الإعلامية دور كل داعية ربّاني؛ لإيضاح حقائق الإسلام، وبيان كشف الشبهات الموجّهة إليه.

وحري بأهل العلم والفكر السليم أن يجيبوا في هذه الوسائل عن أسئلة العصر؛ وأغلب الناس يبثوها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ويُمكن أن تكون لديهم فكرة في شراء بعض الساعات الإعلامية من بعض المحطّات الضخمة التي يوجد عليها إقبال عام والظهور ببرنامج دعوي مناسب فيه شرح حقائق وبيان تصورات ورد على أباطيل بأسلوب حكيم حسن.

وبكلٍ فإنّ الولوج لبوّابة الإعلام، والظهور أمام الكاميرا من أشدّ الأشياء التي تؤثر على إخلاص الداعية؛ وهذه البرامج الإعلامية ما لم يخلص المرء نيته فيها، ثم يتحدث في مجال تخصصه ويعتذر عمّا لا يُحسنه ويصرف جهده في جهة مناسبة، يجيد من خلالها تسويق برامجه لتصل للجمهور المستهدف؛ وإلاّ فمكثه في بيته خير له وأحرى.


 


[1] الجامع لأحكام القرآن (7/ 56).

[2] دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر لأحمد مريوش (1 / 197).

[3] جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية، للدكتور مازن مطبقاني ص 78 - 79.