الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، أمّا بعد:

فإنّ دراسةُ المستقبل والمناسبات الدعوية الملائمة له ليس ترفاً من القول، ولا رجماً بالغيب، ولا انتظاراً لنبوءة نبي سيبعثه الله لأجيال قادمة؛ بل هي رؤية استشرافية تخطيطية، تستدعي من الشخص الوقوف بتروٍ وتؤدة لدراسة ماضي الأمة والإفادة من تجاربها ومواطن الإخفاق فيها والإحسان؛ لتحسين الإنتاج الدعوي في الوقت الحاضر، وزراعة البذور والجذور لخير ثمرة ونتيجة لإدراك مآلات تتأمّلها الأمّة وتعيش بها خير حياة.

لقد ذكر الله سِيَرَ أمم سابقة سادت ثم بادت؛ وطلب منا التأمل فيها، كي لا نهلك كما هلكوا، فالسعيد من وُعظ بغيره؛ فنعتبر بخبرهم ولا نكون لغيرنا موعظة، وحثّ ربنا – تبارك وتعالى - على السير في الأرض للتفكر في حقيقتها لكي نتعرف على صنائع الله في العباد والبلاد، وذكّرنا في مواطن عديدة بسُننه الإلهية والكونية؛ إذ الخبرة بها سبيل للوعي بطريقة صناعة ما ينفع مستقبلنا الدعوي.

إنّ الاستباق بالتفكير للعمل؛ يُولّد العمل؛ وإنّ حسن النظر والتنظير؛ يعقبه صلاحية الممارسة والتطبيق، وإنّ تقدير الصالح للمستقبل يعطي تنويراً استبصارياً فيكاد أن يكون في حكم الحاضر؛ فمن تفرّس لمستقبله نالته عزمة من ثقة تجعله يحسن التعامل معها أفضل من أن يحلّ به دونما سبق تفكير.

إنّ سؤالات المستقبل تفيد حَراكنا الدعوي مثل:

-       ماذا يُمكن أن يحدث؟

-       ما الإمكانات المادية والمعنوية للتفاعل مع ما سيحدث؟

-       كيف سأفعل؟

-       ما نظرتنا للمستقبل حيال الصعوبات؟

من هذا المنطلق لعلّ هذه إشارات ولمحات في نقاط وخطوات يجدر الاعتناء بها في مستقبلنا الدعوي، وتكشف ما يُمكن أن يفيدنا في مستقبلنا من خلال حاضرنا الذي نعيشه لنقيس الأحوال المستقبلية بسبب النظر في الحاضر لاحتياجات المستقبل، ولما نستفيده من خبرة متراكمة، وتجارب سابقة ماضية؛ تتفتح لها البصائر والأبصار؛ مع إحداث جانب الاقتدار الإنساني واهتبال الفرص المواتية؛ فليس النظر في الماضي إن استنبطت منه الدروس والعبر، والإفادة من التجارب والخبرات؛ سيعطينا المزيد المفيد من العمل للحاضر والمستقبل: "كلما زدت من النظر إلى الوراء كان ما يُمكنك رؤيته في ما هو آت أكثر"[1].

·       ماذا يحتاج مستقبلنا الدعوي؟!

أولاً: تحسين صورة الإسلام مما جرى تشويهه من قبل الملحدين والمتطرفين:

دخلت تشوهات كثيرة في عقل كثير ممن يدين بالإسلام؛ وأدى بهم لحيرة واضطراب في الفكر؛ بسبب ممارسات ساقطة عن الاعتبار السليم؛ وهذا أثّر على غير المسلمين ممن يُصابون بالذعر والخوف من الإسلام بتشويه وسائل الإعلام له، وإظهار كلِّ ما يرمز له بصورة قاتمة بشعة.

ومن تأمَّل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وجدها حريصة على أن يفهمه غير المسلمين على ما هو عليه وألا يناله تشويه ممن كان؛ ولهذا لم يقتل صلى الله عليه وسلم  المنافقين لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، وترك صلى الله عليه وسلم  الحبشة يلعبون في المسجد، وقال: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة"[2].

ثانياً: حكمة الممكن في مجانبة الاصطدام بالمعارضين:

الأصل في أيّ عمل مجتمعي يقوم به المرء أن يواجه في طريقه ومحيطه الدعوي المُحبط والمُثبّط، والناقد والحاسد... وليس العمل الدعوي ببعيدٍ عن هذه المواجهات؛ بل هو الأصل فيها، لأنّه يتعلّق في ما يُغالب أهواء الناس غالباً.

فالداعية يتميز في حكمته بدعوته مع ما يحفها من علم وحركة؛ وما لم يتّسم بهذه الصفة المُباركة فإنّ كثيراً من جهوده التي بناها ستذهب هدراً، وتذوي ورقته بين الناس؛ وكم مِمّن بنى صرحاً عالياً آل مآله إلى الانقضاض والانمحاق؛ لعدم إحسانه في بدايته بناءً وأصولاً فكانت مآلاته سيئة، وعاقبته وخيمة ليس عليه فحسب بل على ما حوله؛ فالبنيان إذا تهدّم وانهار تأثر شيء مِمّا حوله؛ فتنعكس انهداماته على جيرانه.

والداعية إلى الله حكمته تنبع من حكمة القرآن؛ وهي الصلة التي ينبغي أن يُوصل نفسه بها إضافة لما يشرح ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومسيرته في تعاملاته الدعوية مع المسلمين وغيرهم سواء أكانوا من المناوئين أو الموائمين، ومنهج عموم الأنبياء والمرسلين في خطابهم لقومهم ودعوتهم إيّاهم.

إنّ استثمار الخير عند المرء - وإن أسرف في أمر دنياه، وأجحف في دينه - قد يكون سبباً لحسن استقطابه لما يُفيد المسلمين، لاستفزازه من نقطة يُحسنها وإن كانت التي يقوم بها ليُبادر للصالحات ويُحجم عن المُحرّمات، وهي فطنة في علاج الخطأ على الرُّغم من ظهوره البيّن؛ ويشهد لذلك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: إن فلاناً يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق ! فقال: "سينهاه ما تقول" أو قال: "ستمنعه صلاته"[3].

كما أنّ استخدام المال لتأليف قلوب الناس مما يُساهم في الدخول إلى دعوة الإسلام؛ حتّى يدخل الشخص ما يُريد إلاّ المال؛ فإذا تطهّر قلبه بروحانيات الإسلام وإيمانياته زال تعلق الدنيا في قلبه، وجعل المال مطيّة له في العمل للآخرة؛ وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أنّه "مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ". قال أنس: "إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا"[4].

لا ريب أنّ الداعية سيجد كثيراً ممن يعترضون الطريق، ويريدون الإساءة لذاته، أو النيل منه؛ فإذا ما استطاع أن يُنحِّي أكبر فئة، ويكسب البقية نحوه، ويتألف آخرين؛ كان في ذلك قدرة ريادية وإدارة نظامية في ما يُفيد الدعوة الإسلامية. ولعلّ مما يُجلي هذا أنّ أبا محذورة كان حسن الصوت، غير أنّه لم يستثمره في الصالحات؛ فقد حكى كيفية تعامل النبي صلّى الله عليه وسلّم مع الخطأ الذي وقع به كما في الحديث: لمَّا خَرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مِن حُنَيْنٍ، خرجتُ عاشرَ عشرةٍ من أَهْلِ مَكَّةَ نطلبُهُم، فسمِعناهم يؤذِّنونَ بالصَّلاةِ فقُمنا نؤذِّنُ نستَهْزئُ بِهِم، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: قد سَمِعْتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسَنِ الصَّوتِ. فأرسَلَ إلَينا، فأذَّنَّا رجلٌ رجلٌ وَكُنتُ آخرَهُم، فقالَ حينَ أذَّنتُ: تعالَ. فأجلسَني بينَ يديهِ، فمَسحَ على ناصيتي وبرَّكَ عليَّ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قالَ: اذهَب فأذِّن عندَ البتِ الحرامِ... وذكر وصف الأذان"[5].

فلم نجده - صلّى الله عليه وسلم - قد عاقب المستهزئ أو حكم عليه حُكماُ قاسياً؛ بل استقطبه للعمل معه، وبات من مؤذني الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وجذبه النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الخصال في شخصيته من خلال صوته الحسن؛ واستطاع أن يغرز فيه قدرته على الأذان، فتعامل معه بروح الرحمة لا التشفي والانتقام مع أنّ الاستهزاء والسخرية بالأذان ليس بالأمر الهيّن.

ثالثا: عرض حقائق الإسلام:

من القضايا التي يهم الحديث عنها عرض الحقائق الدينية التي تقوي من مكانة الإسلام في واقع المسلمين؛ بل في غير واقعهم الإسلامي.

ومن الجوانب المهمة في ذلك:

-       بيان دلائل الربوبيّة.

-       تذكير الناس بعلامات النبوة.

-       ربط حقائق التوحيد بطريقة القرآن.

-       توضيح مقاصد الشريعة، وكُلّيات الدين.

-       تبيين محاسن الإسلام.

-       تجديد الأخلاق والآداب والقيم.

-       شرح السيرة النبوية، واستنباط الدروس والعِبر.

-       تعليق الناس بسيرة الخلفاء الراشدين.

-       تفعيل الحديث عن الحقوق والقِيَم.

-       إبداء روائع حضارتنا.

-       دراسة أسباب نشأة الدول وأسباب سقوطها، وإظهار جوانب النقد.

رابعاً: التشجيع على الدراسات الإنسانية والاجتماعية:

من أراد التأثير في المجتمعات فعليه أن يقرأ أحوالهم، والأنماط التي يعرف بها طبائعهم؛ ولهذا قيل: لا يفيد الوعظ إلا بثلاث: حرارة القلب، وطلاقة اللسان، ومعرفة طبائع الإنسان.

وكلما أمعن الشخص في علم الاجتماع والدراسات الإنسانية؛ حاز على قدرة فهم الواقع والوقائع، واستطاع أن يبني منظومة كاملة يحسن فيها التوقع.

عدد هائل من القيادات المسؤولة في الدول المعاصرة الغربية أو الشرقية؛ كانوا مِمّن تخرج من الكليات الأدبية الإنسانية والاجتماعية؛ وقاموا بدراسات ضخمة في واقعهم بغية التأثير عليه، ورسم تحولات هائلة نحوه، وتغيير نمطية التفكير، والتحكم بالعادات والتقاليد.

حريٌّ بالدعاة المصلحية أن تكون لديهم خبرة حقيقية في معمل الفكر الإنساني والاجتماعي؛ وأن يرفعوا سقف معارفهم الإنسانية ويُحسنوا من فهم طبقات المجتمع، ويدرسوا نفسياتهم، والبيئة المحيطة المؤثرة عليهم، ويفهموا آراءهم الفكرية، وموروثاتهم الآبائيّة، ويدركوا المؤثرات التي تحكم نُظُمَهُم، ويعرف القوانين التي تسوس البلد، ومدى التزام الناس بها من عدمه، ويقيسوا درجة التدين عندهم، وهل هي ظاهرة حقيقية أم تدين شكلي ظاهري، ويبحثوا في أحوالهم الاجتماعية من حيث الفقر والغنى، وطبيعة الوظائف والمِهن والصناعات التي يهتمون بها؛ فذلك مما يُساهم في التأثير الحقيقي بدعوته؛ وبه ينالوا منزلة الرشد الدعوية التي تجعل الداعية مؤهلاً للولوج في الناس؛ وما بُعث كثير من الأنبياء والرسل إلاّ بعد أنّ بلغوا أشدَّهم وجاوزوا الأربعين؛ فتكامل لديهم منظومات المعرفة البُلدانية والاجتماعية والنفسية وأحوال الشعوب.

وثمَّة حقائق يحسن توضيحها: فإنّ شعوبنا المسلمة ليست إشكالية غالبيتهم مع الدين؛ بل إنّها فطرية بتدينها؛ وقد تحصل مؤثّرات أخرى تؤثر على تدينهم؛ فتتصادم مع من يتحدث في الدين لأسباب مختلفة؛ فعلى كثير من الدعاة أن يدرسوا هذه الإشكالات وكيف يرفعوها من الواقع.

فشعوبنا المسلمة لديها عاطفة دينية قويّة؛ تجعل المرء منهم إن استفزه شخص في الإساءة لرسول الله أو للقرآن؛ خرجوا زرافات ووحداناً بإعلان مظاهرة عارمة للدفاع عن سيدنا محمد؛ غير أنّها نادراً ما تطبق سنّة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فخليق بكل داعية أن يكون باحثاً مُفكّراً في أسباب ذلك؛ وكيفية علاجه.

وشعوبنا المسلمة تحتلّها كثير من الجاهليات التي استمدّتها من الشرق والغرب؛ بسبب ضعف مناعتها الذاتية، والاحتلال المباشر، والغزو الفكري، وقلّة المعرفة بتاريخها الديني، ومفاهيمها الإسلامية؛ فكانت مَعَامِلَ تجربة لغيرها من الغزاة؛ وهو ما يستوجب على الدعاة أن يفتّشوا عن الأسباب والمسببات، ويدرسوا سبل التغيير، وقوانين الإصلاح؛ لإزالة التراكمات التي طغت في واقعنا.

لا غرو بعدئذٍ أن نرى عدداً من علماء الإسلام ومفكريه يحثُّون طلبة الشريعة على فهم ودراسة علم الاجتماع وما يلتصق به من تفرعات نفسية أو سياسية أو اقتصادية أو تربوية، وغيرها؛ كي يكون لديهم معرفة بعلوم الدين والدنيا؛ كما أوضحه الأستاذ والشاعر الهندي المشرقي محمد إقبال؛ في ما يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: أنّ من أسباب ضعف الباحث الفقهي عدم عنايته بعلوم الاجتماع مع حاجة الأمة له[6].

فالخبرة والمهارة والمعرفة بشؤون المجتمع مما يجعل المرء مقتدراً على فهمه على النحو الصحيح؛ ومن لم يكن أهلاً لذلك لم يستطع أن يؤدي رسالته؛ وقد جعل الإمام ابن تيمية بعض مسائل القتال والحرب من هذا القبيل، فقال: "والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا؛ فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا"[7].

من هنا نجد إشادة العلماء بكتاب المقدمة لابن خلدون وما فيها من خِبرات وتلمسات لحياة الناس الاجتماعية ومعرفتها وفهمها، ومثله كتاب تحصيل النشأتين وتفصيل السعادتين للراغب الأصفهاني، وإغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي، وغيرها من الكتب التي بحثت في الشأن التاريخي الاجتماعي؛ كما في تعليقات ابن كثير في البداية والنهاية على بعض الأحداث، والذهبي في تاريخ الإسلام وغيرهم من العلماء المتفحصين.

 


 


[1] عصر الاضطراب: (مغامرات في عالم جديد)، آلان جرينسبان، ترجمة: أحمد محمود، ط1، (القاهرة دار الشروق، 2007)، ص562.

[2] مسند الإمام أحمد: (6 / 116، 233).

[3] رواه ابن حبان في صحيحه (2560) (6/300 - بتحقيق الأرناؤوط).

[4] أخرجه مسلم: (2312).

[5] أخرجه الترمذي (189)، والنسائي (632).

[6] (أليس الصبح بقريب).

[7] (الفتاوى الكبرى5/537).