يُعَد ( يوم السبت ) " יום שבת " العيد الأسبوعي أو يوم الراحة عند اليهود، ويُحرَّم فيه العمل استناداً على ما ورد في التوراة : " فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا . َفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ . فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِل َ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَه، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا " ( تكوين 2 _ 1 : 3 )، كما تؤكد أسفار موسى الخمسة في أكثر من موضع على ضرورة الحفاظ على شعائر السبت كعهد دائم بين الإله وبني إسرائيل وبهذا يصبح السبت إحدى علامات الاصطفاء، ولم يكن عند اليهود خطيئة تفوق التفريط في شعائر يوم السبت إلا عبادة الأوثان . ويُحرَّم على اليهودي يوم السبت أن يقوم بكل ما من شأنه أن يشغله عن ذكر الإله، مثل العمل وإيقاد النار، وضمن ذلك النار التي تُوقَد للطهو أو التدفئة، وكذلك يُحرَّم السفر بل والمشي مسافة تزيد عن نصف ميل، ويُحرَّم كذلك إنفاق النقود أو تسلمها، كما تُحرَّم الكتابة، وفي التلمود جزءٌ كامل عن الأفعال المُحرَّم على اليهودي القيام بها يوم السبت . ( 1 )

ويعتبر الحفاظ على حرمة السبت إحدى الوصايا العشر اليهودية، التي يُهدد خرقها بعقوبة مروعة تنزل بالمخالفين ، كما ورد في سفر ( إرميا 17 _ 27 ) " وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي لِتُقَدِّسُوا يَوْمَ السَّبْتِ لِكَيْلاَ تَحْمِلُوا حِمْلاً وَلاَ تُدْخِلُوهُ فِي أَبْوَابِ أُورُشَلِيمَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِنِّي أُشْعِلُ نَارًا فِي أَبْوَابِهَا فَتَأْكُلُ قُصُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ تَنْطَفِئُ " . ( 2 ) ويبدأ يوم السبت مع حلول مساء يوم الجمعة ( اليوم السادس ) وينتهي بحلول ليل اليوم السابع، وقد سُمي " السبت " بذلك لسببان وفقاً للتوراة ، أولهما : إشارة للعالم " لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا ، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ . لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ " ( خروج 20 : 11 ) . والسبب الثاني : " .. لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ، عَبْدُكَ وَأَمَتُكَ مِثْلَكَ . وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ ، فَأَخْرَجَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ هُنَاكَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ . لأَجْلِ ذلِكَ أَوْصَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ أَنْ تَحْفَظَ يَوْمَ السَّبْتِ " ( تثنية 5 : 14 _ 15 ) .

وتكمن أهمية قضية " يوم السبت " في حقيقة أن حفظ يوم السبت أحد ثلاثة مفاهيم اجتماعية رئيسية للديانة اليهودية، والتي يُستشهد بها للتعريف اليهودية والتمييز بينها وبين المعتقدات الأخرى، والمبدآن الآخران هما ( قواعد الطعام ) " כשרות " ، و ( طهارة العائلة _ القواعد الجنسية ) " טהרת המשפחה " .

وبحسب الإنجيل فقد حافظ المسيح في حياته على حرمة السبت، وفق الشريعة اليهودية: "وَفِي السَّبْتِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ اجْتَازَ بَيْنَ الّزُرُوعِ. وَكَانَ تَلَامِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ وَهُمْ يَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ: "لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السُّبُوتِ؟" فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ وَلَا هذَا الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ، حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللّهِ وَأَخَذَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ وَأَكَلَ، وَأَعْطَى الَّذِينَ مَعَهُ أَيْضاً، الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟" (لوقا 6:1-5). ""وَفِي سَبْتٍ آخَرَ دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَصَارَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ الْيُمْنَى يَابِسَةٌ، وَكَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِي فِي السَّبْتِ، لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً. أَمَّا هُوَ فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ: "قُمْ وَقِفْ فِي الْوَسَطِ". فَقَامَ وَوَقَفَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "أَسْأَلُكُمْ شَيْئاً: هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلَاكُهَا؟". ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: "مُدَّ يَدَكَ". فَفَعَلَ هكَذَا. فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالْأُخْرَى. فَامْتَلَأُوا حُمْقاً وَصَارُوا يَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ؟""( لوقا: 6: 6_ 11). فنرى المسيح يحافظ على حرمة السبت مع سعيه الدائم إلى تقويم ما ابتُدع فيه وأدخل عليه من التشدد والمغالاة، مؤكداً على أن: " السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ." (مرقس 2: 27). وذلك تماشياً مع إعلانه الصريح: "«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18 فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19 فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ " (متى 5: 17_ 19). إلا أن بولس كان له رأي آخر في مسألة حفظ السبت، والشريعة اليهودية بشكلٍ عام، فدعا إلى عدم الامتثال لحرمة يوم السبت، فقال: " فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ" (كولوسي2: 16). مشدداً على ذلك في رسالته إلى أهل رومية: " وَأمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ" (رومية 7: 6). ومؤكداً على نفس المعنى في رسالته إلى أهل غلاطية: " إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. 25 وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ." (غلاطية3: 24_25). إلى أن يصل به الأمر إلى لعن من يلتزم بالشريعة: " لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ».". ( غلاطية 3: 10).

وهو ما يقودنا للعبارة شديدة الخطورة التي أشرنا إليها في مقالنا الماضي، نقلاً عن القمص متى المسكين، والتي أكد فيها أن بولس الرسول هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس بمجيء المسيح وموته على الصليب، وأن دور الناموس قد انتهى بمجيء المسيح، وأن أي تمسك بالناموس بعد مجيء المسيح هو التجديف بعينه؛ بل ويصير علة لقتل المسيح نفسه كما حدث على الصليب أو كما حدث بيدي بولس نفسه!" . (3)

فعبارة (هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس...) تقود لمجموعة من الأسئلة أهمها: لماذا كان بولس الرسول الوحيد الذي حارب الشريعة اليهودية وطرحها خلف ظهره؟. وكيف (أدرك) انتهاء سلطانها؟ ولماذا لم (يُدرك) بقية الرسل هذه الحقيقة؟ ولماذا لم يعلن المسيح هذا الأمر وهو القائل" أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ." (يو 18: 20). وقال أيضاً مؤكداً أن حفظ الشريعة هو الطريق إلى الخلاص والحياة الأبدية: "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» 17 فَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». 18 قَالَ لَهُ: «أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ: «لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. 19 أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ»" (متى 19 : 16_ 19).

( 1 ) عبد الوهاب المسيري ( د ) ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . الموسوعة الموجزة ، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالث، 2006م، الجزء الثاني ، ص 51 .

( 2 ) غازي السعدي ، الأعياد والمناسبات والطقوس لدى اليهود ، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية ، عمان ، 1994 م ، ص 52 .

(3) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 320 ، ص 326_ 327.