الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

ها نحن قد أظلنا شهر رمضان ببركاته، يذكرنا بكثير من المعاني الكريمة، والآفاق العالية العظيمة.

فهو يذكرنا بالعبادة والطاعة وبتقوى ربنا عز وجل، ويذكرنا بالخلق والأدب، ويذكرنا بالجود والعطاء والحب والإخاء، ويذكرنا بمخالفة الهوى، ويذكرنا بالصبر، ويذكرنا بالحذر من شياطين الإنس، كما يذكرنا بحق القرآن علينا وبنصرة الإسلام، ويذكرنا بعودة المستضعفين فاتحين منتصرين، فيحيي فينا الأمل ويدفعنا إلى العمل.

يذكرنا شهر رمضان أول ما يذكرنا بالطاعة والعبادة، من صيام وقيام وصدقة وذكر ودعاء.

- فهو شهر أوجب الله علينا صيامه "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه فقال:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"(1)، وقوله"إيمانًا" أي: إيمانًا بالله، وبما أعده من الثواب للقائمين، "واحتسابًا": أي: طلبًا لثواب الله، لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة، ولا طلب مال ولا جاه.

- وهو شهر يستحب فيه الإكثار من تلاوة كتاب الله جل وعلا. وقد كان جبريل عليه السلام يعارض أو يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان في كل سنة، وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها. وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف، وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كل سبع ليال دائمًا في غير رمضان وفي رمضان في كل ثلاث، وكذا كان إبراهيم النخعي رحمه الله يختم في رمضان في كل ثلاث ليال، وكذا كانوا رحمهم الله يزيدون في العشر الأواخر في القراءة.

- وهو شهر يستحب فيه الإكثار من الدعاء، وفيه دعوة مستجابة في كل يوم وليلة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة –يعني في رمضان- لكل عبد منهم دعوة مستجابة"(2)، بل دلت بعض الأحاديث على أن دعوة الصائم مستجابة مطلقًا(3)، لكنها في بعض الأوقات آكد من بعض، لاسيما في الغشر الأواخر مظنة ليلة القدر التي من حُرم خيرها فقد حُرم.

يذكرنا رمضان بكل ذلك من العبادات: صيام وقيام وتلاوة ودعاء.....، وحين أقول (يذكرنا) لا أعني ذكريات بلا عمل، كما لا أعني الاقتصار على فعل الخير في رمضان، وإنما هو تأكيد وتكثير لذلك في رمضان، وتذكير بهذه الأبواب ليطرقها العبد في غير رمضان بعدما عرف وذاق من روحها ونعيمها في ذلك الشهر. وكم مرة يحتاج الواحد منا إلى نعيم العبادة والصلة بالله عز وجل، ففي النفس والقلب أمراض لا يشفيها إلا حسن الصلة بالله عز وجل والاجتهاد في العبادة والانقطاع عن الخلق إلى الحق. هل كنت مرة مهمومًا كئيبًا فلم تجد لك شفاء وفرجًا إلا في العبادة والمناجاة؟ هل كنت مرة محطمًا يائسًا فلم تجد أنسًا وانشراحًا وراحة إلا في ترك المعاصي ومخالفة الهوى والانطراح بين يدي مولاك باكيًا ..تائبًا ونادمًا..مصليًّا وصائمًا..راكعًا وساجدًا..داعيًا وذاكرًا "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء"؟.

- أحيانًا نصاب بأمراض نفسية وعصبية نخطئ الطريق في علاجها، ونظل نلف وندور بعيدًا عن جوهر العلاج الناجع، ألا وهو مخالفة الهوى وترك المعصية، والاجتهاد في التعبد والانطراح بين يدي الله، والإكثار من الطاعات والمناجاة، والإكثار من الخلوة بالحق جل وعلا والتقليل من الخلطة بالخلق. كم يشعر الإنسان بالضعف والمهانة والعجز والكآبة وعدم الرضا عن النفس ثم ما إن يخالف هواه في أمر من الأمور حتى يشعر أنه من أشجع الناس وأقواهم وأكثرهم انشراحًا وتفاؤلًا.

وشهر رمضان يعلمنا هذا الدرس: ترك المعاصي ومخالفة الهوى، وذلك حين يدرِّبنا على التحكم في

أنفسنا مهما كان في ذلك من مخالفة الهوى الجارف والشهوة الجامحة لطعام أو شراب أو جماع، وكم تقوى.

وكم تزكو نفوسنا حين ننتصر على أهوائنا. وكل منا يعرف نقطة ضعفه التي يتبع فيها هواه ومن ثم يستطيع الاستفادة من هذا الدرس في إصلاح نفسه.

- ثم يذكرنا شهر رمضان بما ينبغي أن نكون عليه من الخلق والأدب وطهارة اللسان وحسن السلوك والتعامل، وذلك حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(4)، وحين يقول: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سبه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم"(5)، وقال جابر رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.

- كذلك يعلمنا شهر رمضان البذل والعطاء والجود...وذلك حين نعلم كيف كان حاله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة(6)، ويقول صلى الله عله وسلم: "من فطَّر صائمًا، كان له مثل أجره غير أنه لا ينقُص من أجر الصائم شيء"(7)، وسبق قول الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. بل رمضان يعلمنا الأخوة والترابط والتعاون والبذل والجود والعطاء في كل مجال. قال بعض أهل العلم: وكان جوده صلى الله عليه وسلم يجمع أنواع الجود كلها، من بذل العلم والنفس والمال لله عز وجل، في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من تعليم جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وإطعام جائعهم، وكان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في رمضان، لشرف وقته ومضاعفة أجره وإعانة العابدين فيه على عبادتهم.

وكم يحتاج الإسلام اليوم لمن يبذلون ويجودون ويعطون، وقد قرن الله عز وجل الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس في كثير من آيات القرآن الكريم، ودعوة الإسلام اليوم بحاجة ليس لأولئك الذين يعطونها فتات الجهد أو الوقت أو المال، وإنما لأولئك الذين يحيون للدعوة ويعطونها نفوسهم وأموالهم وأوقاتهم. فالحرب شرسة ضد الإسلام في كل مجال، وعلى كل صعيد، وتريد دعاة على مستوى التحديات، غاية مرادهم في الدنيا تحقيق العبودية لله في الأرض، وإخضاع البلاد والعباد له وحده دون سواه، مهما كلفهم ذلك بذل دمائهم وأموالهم "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".

- ثم نحن بحاجة أيضًا لما يشيعه شهر رمضان بجوه وآدابه وأحكامه من معاني اللأخوة والترابط والإيثار والتآلف والتعاون بين المسلمين، والرفق بهم والشعور بحاجاتهم ومشكلاتهم، كما سبق في فضل تفطير الصائم وإطعام الطعام والحث على ذلك، وكم نحن بحاجة إلى مجتمع متآلف متحاب مترابط يقف صفًّا واحدًا أمام الباطل في وقت يراهن فيه أعداء الدين على التفريق بين المسلمين، وإلقاء نزغات التباغض والتعادي بينهم، ليتفرد طواغيت الأرض بالهيمنة والسيادة.

- كذلك يعلمنا شهر رمضان الصبر كما علمنا التقوى، والصبر والتقوى مفتاح كل خير وهداية ونصر وتمكين، "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"، "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا"، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون". فشهر رمضان بأحكامه يدربنا على الصبر وممارسته عمليًّا حين نصبر على الجوع والعطش، وحين نصبر عن تلبية نداء الشهوة والهوى، وحين نصبر عن الانتقام ويكتفي أحدنا بقول "إني صائم"...تحكُّم في النفس وصبر نحن أحوج ما نكون إليهما في أيامنا هذه، ولذا يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"(8)، وذلك أن الله جل وعلا يقول: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".

فرمضان شهر الصبر، وكما قلت: كم نحن بحاجة إلى الصبر في أيامنا هذه وما فيها من الفتن، فمن صبر على النفس وشهواتها وأهوائها وما يأتي من داخلها مما يحتاج إلى مجاهدة طويلة –لاسيما والوسط المحيط يغري النفس بالباطل والتدني- إلى صبر على التمسك بشرائع الإسلام وأحكامه وآدابه في زمن الغربة، إلى صبر على مشاكل الناس وما يصدر منهم من ظلم واعتداء أو سوء تعامل أو التواءات نفوسهم وفساد ظنونهم ونواياهم، أو قسوة قلوبهم ومشاعرهم، أو غير ذلك مما يصيب الإنسان من أذى الخلق، البعيدين عنه والقريبين منه، إلى صبر على أذى أعداء الإسلام وفتنتهم لأولياء الله، سواء الأعداء الذين استعلنوا بشعار الكفر وأسماء الكفار أو الذين يتسترون بأسماء المسلمين ثم هم يمارسون أقبح حرب وأشرسها ضد الإسلام وأهله.

- ومما نستفيده أيضًا من شهر رمضان أن شياطين الإنس لايكفون عن الوسوسة والإضلال والتحريض على الشر، بل سيظلون يوسوسون في رمضان وغير رمضان، وهذا سر عدم انتهاء عدم الشرور في رمضان رغم تقييد عتاة الشياطين ومردة الجن كما في الحديث "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين مردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتِحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة"(9)، فالخطر لا يأتي من شياطين الجن وحدهم، وإنما هناك أخطار أخرى من داخل النفس، وأخطار أخرى من شياطين الإنس "شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا".

فهذا درس آخر نتعلمه من رمضان، وهو أنه إذا كان مردة الجن يصفدون أو يسلسلون ويقيدون في هذا الشهر الكريم، فينبغي للمسلم الحذر من شياطين الإنس وإدراك مدى خطورتهم، والحذر من نفسه وما تزين وتسول له، وأن يعد لكل عدته.

- ثم يذكرنا شهر رمضان بحق القرآن علينا..القرآن الذي أنزله الله في هذا الشهر، ليكون هدًى للناس كما ذكر الله جل وعلا ... ليكون منهج هداية لهم في جميع شئون حياتهم. ولهذا فشهر رمضان ألصق شيء بالدعوة إلى خضوع الناس أفرادًا ومجتمعات لمنهج الله وشرعه.. منهج هذا القرآن وهدايته، ولا يليق بالقرآن أن يصبح مجرد شيء لتزيين غرف الاستقبال أو السيارات، أو افتتاح الحفلات أو المآتم، فالقرآن شأنه أعظم من ذلك، إنه منهج هداية، مكانه الهيمنة على العالم، وأن تسود شريعته وأحكامه، وأن يعلو ولا يُعلى عليه، فعسى أن ننتفع من شهر رمضان، الذي أنزل الله فيه القرآن هدًى للناس، في القيام بحق هذا القرآن وما أنزل من أجله.

- ثم يذكرنا شهر رمضان بالقيام بنصرة الإسلام، فهو شهر غزوة بدر وفتح مكة، وهو شهر عودة المستضعفين والمبعدين إلى ديارهم فاتحين ومنتصرين "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"، ففي رمضان كانت عودته صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الذين خرجوا من مكة مضطهدين مستضعفين، فعادوا غزاة فاتحين لبلادهم التي نشأوا فيها، بعد سنوات من العمر مضت لم يروا فيه ربى أوطانهم وسماء ديارهم. وكم في الأرض اليوم من مسلمين مضطهدين مطرودين مبعدين خارج بلدانهم، أو مبعدين داخل أوطانهم، قد عزلتهم جدران السجون، لا يرون عيدًا في أهليهم أو ديارهم، لكنما عيدهم انتصار الإسلام وارتفاع رايته. وحينما يطل علينا رمضان بما يحمله من ذكريات عودة المستضعفين الأولين إلى أوطانهم فاتحين منتصرين، فإنه يحيي فينا الأمل أن يرى كل مبعد أرضه وسماءه وأحبابه ومساجده من جديد، وأن المستضعفين سيتحولون في يوم من الأيام إلى غزاة فاتحين، وإنما يُصنع النصر المبين بدماء المخلصين، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المنصورين، ومن عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

___________________

(1) رواه البخاري(1/16) رقم(37)، ومسلم(1523) رقم(173).

(2) صحيح الجامع الصغير(2169).

(3) قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر". السلسلة الصحيحة 1979 وصحيح الجامع الصغير 3030 للألباني رحمه الله.

(4) رواه البخاري(4/93).

(5) رواه مسلم(3/157).

(6) رواه البخاري(1/6-7)، ومسلم(7/73).

(7) صححه الألباني. التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان(5/299) رقم (3420).

(8) رواه البخاري(4/101) ومسلم(3/157-158).

(9) قال الألباني رحمه الله: حسن صحيح. التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان(5/302) رقم(3426)، مشكاة المصابيح رقم(1960-1960).