نستكمل في هذا المقال ما بدأناه سالفاً من مقارنة بعض ما جاءت به الشريعة اليهودية بما جاء به بولس، في سعي منا لاستكشاف خلفيته الدينية وروافده العقدية والفكرية، وذلك للاستدلال على ما نراه من أن بولس لم يكن يهودي الأصل كما كان يدعي ويُروج، بل هو في الحقيقة متهود من أصول وثنية، شكلت الوصايا التوراتية الصارمة عبءً ألجمه وأثقل كاهله. ومن ثم كانت الشرائع الجديدة التي دعا لها بولس الرسول هي بمثابة محاولة للفكاك مما رآه قيوداً قاسية وأغلالاً عاتية، أحيطت به عقب اعتناقه لليهودية، وربما لم يجد نفسه قادراً على التعايش مع كل تلك القواعد الدينية التي تحكم كافة تفاصيل حياة اليهودي، والتي من المؤكد أنه لو كان ولد يهودياً لأسرة فريسية لكانت تلك القواعد أحد أركان حياته التي لا تقوم إلا بها، وكانت من المسلمات التي لا يجرؤ على تجاوزها أو نقضها. وبخاصة أن النصرانية في عهد المسيح لم تقدم نفسها كديانة مغايرة ومستقلة عن اليهودية، بل قدمت نفسها بصورة هي أقرب ما تكون إلى صورة الحركات الإصلاحية التي تهدف إلى الإصلاح وتثبيت المبادئ، وذلك وفق ما جاء على لسان المسيح في عظة الجبل: " 17 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18 فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." (متى5 : 17_18) . وأيضاً قوله: «عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، 3 فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ." (متى23: 2_3). كما أن سيرة المسيح تخلو من تسجيل أي أفعال تناقض الناموس.

جديرٌ بالذكر فقد فرضت اليهودية ستمائة وثلاثة عشر فريضة " תרי"ג המצוות "، وهي بحسب التوراة الشرائع التي أوحيت إلى ( موسى ) في سيناء ، ومن بينها ثلاثمائة وخمس وستون شريعة ناهية ، أي " لا تفعل " ، بما يتناسب مع أيام السنة الشمسية ، ومائتان وثماني وأربعون شريعة مفروضة ، أي شريعة " افعل " ، بما يتناسب مع عدد أعضاء جسم الإنسان . (1)

ويرى القمص متى المسكين أن: "بولس الرسول هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس بمجيء المسيح وموته على الصليب، وذلك حينما دعاه الله لبشارة الإنجيل بين الأمم، فكرز بإنجيل المسبح بدون ناموس ولا سبت ولا ختان ولا أعياد يهودية ولا عادات ولا تعاليم فرَّيسية..". ثم يعود ليؤكد متى المسكين الأمر نفسه بقوله: " لقد اكتشف بولس أنه بمجرد أن استُعلن له المسيح _وهو في طريقه إلى دمشق ليقتل المؤمنين بالمسيح هناك_ أن غيرته للناموس قد أوقعته في أخطر جريمة، وأن صوت المسيح من السماء:" أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ" (أع9: 5) قد أيقظ الضمير الذي لم يستطع الناموس أن يوقظه بل بالعكس كان قد طمس معالم الحق فيه؛ إلى هنا انتهى الناموس عند بولس. وحينئذٍ استعلن له بأجلى صورة أن دور الناموس قد انتهى بمجيء المسيح، وأن أي تمسك بالناموس بعد مجيء المسيح هو التجديف بعينه؛ بل ويصير علة لقتل المسيح نفسه كما حدث على الصليب أو كما حدث بيدي بولس نفسه!" . (2)

وعلى سبيل المثال كانت قد حددت الشريعة اليهودية مجموعة من القواعد الصارمة للطعام تسمي ( كشيروت ) " כשרות ". والـ ( كشيروت ) " כשרות " صيغة جمع من كلمة ( كاشير ) " כשר " وتعني " مناسب " أو " مُلائم "، وتُستخدم هذه الكلمة لتشير إلى مجموعة القوانين الخاصة بالأطعمة وطريقة إعدادها وطريقة الذبح الشرعي عند اليهود، وهذه القوانين تحرم على اليهودي أكل أنواع معينة من الطعام وهي تتعلق أساساً بلحوم الحيوانات، إلا أن هناك بعض المحرمات الأُخرى، مثل: ثمرة الشجرة التي لم يمض على غرسها سوى أربعة أعوام، أو أي نبات غُرس مع نبات أخر، كما يحظر كذلك شرب خمر أعدها أو لمسها شخص من الأغيار (غير اليهود)، بل يُحرَّم أيضاً أكل خبز أو طعام أعده شخص من الأغيار حتى لو أُعد حسب قوانين الطعام " كشيروت "، كما يُحرَّم أكل الخبز المُخمَّر في "عيد الفصح"، أما بالنسبة إلى لحوم الحيوانات، فالأمر كالتالي :

1- يحل لليهودي أن يأكل الحيوانات والطيور النظيفة، وهي الحيوانات ذوات الأربع ، التي لها ظلف مشقوق وليس لها أنياب وتأكل العشب وتجتر ، والطيور الأليفة التي يمكن تربيتها في المنازل والحقول، وبعض الطيور البرية آكلة العشب والحب، ويُحرَّم أكل " الخيل " و " البغال " و " الحمير " و " الجمال " و " الأرانب " لأنها ليست لها أظلاف مشقوقة، ويُحرَّم " الخنزير " لأنه ذو ناب، أما الطيور غير النظيفة فهي كل طير له منقار معقوف أو مخلب، وهي أوابد الطير التي تأكل الجيف، مثل " الصقر " و " النسر " و " البومة " و " الحدأة " و " الببغاء ".

2- يُحرَّم أيضاً أكل أجزاء معينة من الحيوانات مثل " عرق النسا " ، كذلك يُحرَّم أكل أجزاء الحيوان الذي لا يزال حياً، كما يُحرَّم اللحم الذي لم يُسحب منه الدم من خلال " التمليح " " המלחה "، وتتم تلك العملية عن طريق غسل اللحم لمدة ثلاثين دقيقة ، ثم تصفية ما تبقى من الدم، وتغطية اللحم لمدة ساعة بالملح، ثم يغسل اللحم مما تبقى من دم وملح، وعادةً ما يقوم الذابح الشرعي بهذه المهمة.

3- يجوز أكل " السمك " الذي له زعانف وعليه قشور، و يُحرَّم أكل " الجمبري " و " الإستاكوزا " و " الكابوريا " وأنواع " الأخطبوط " و " المحار ".

4- يُحرَّم أكل الحشرات والزواحف باستثناء أربعة أنواع من " الجراد " .

5- يُحرَّم الجمع بين اللبن واللحم في إناءٍ واحد، أو وضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل، أو أن يستعمل سكين واحدة في تقطيع اللحوم والجبن أو ما إليهما، كما يُحرَّم الجمع بينهما في وجبة واحدة ، وكان ورد في التوراة ثلاث مرات ( لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ) . (3)

أما بولس الرسول فنقض قوانين الأطعمة ونفضها ورأى أن " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ. " (تي 1: 15). وأكد على هذا بقوله: " لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ". (1 تيموثاوس 4: 4 )

ولم يقتصر الأمر على قوانين الأطعمة بل عمد بولس الرسول إلى إلغاء أحد أهم الشعائر في اليهودية، وهو الختان، ويعد الختان علامة العهد الذي بين الله وإبراهيم وذريته من بعده على مرّ الأجيال بحسب ما ورد في سفر التكوين من التوراة : "وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ " (تك 17: 9_ 12). وهو من أساسيات انتماء الشخص إلى العقيدة اليهودية, كما أنه أحد الإجراءات الضرورية لتعميد الطفل, وتمييز الإسرائيلي عن بقية الشعوب . أما بولس فرأى أن: " لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا، بَلْ حِفْظُ وَصَايَا اللهِ" ( 1 كو 7_ 19) .

(1) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 315 .

(2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 320 و ص 326_ 327.

(3) انظر: عبد الوهاب المسيري ( د ) ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . الموسوعة الموجزة ، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالث، 2006م، الجزء الثاني ، ص 48 _ 49 . وانظر: د. رشاد الشامي, مرجع سابق، ص 78 _ 79 .