تعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في الجزائر ذات أهمية خاصة فهي تأتي على إثر أزمة اقتصادية نتيجة انخفاض أسعار النفط وارتفاع في معدل البطالة، أضف إلى ذلك رئيس مريض يترقب الجميع خلوه عن السطلة والبعض مستفيد من وجوده الصوري، مع غياب سيناريو واضح المعالم لخلافته.

كما تشهد تلك النسخة من الانتخابات التشريعية بعض التعديلات على قانون الانتخابات مثل وجود هيئة عليا مستقلّة لمراقبة الانتخابات - عوضًا عن الجهازين السابقين لمتابعة العملية الانتخابية - وعلى رأسها عبد الوهاب دربال الذي يعده البعض قريبًا من الإسلاميين، بما يؤشر إلى وجود رغبة من السلطة بالدفع بمزيد من المشاركة السياسية للأحزاب خاصة الإسلامية منها، وبالجملة نستطيع القول إن مشهد الانتخابات الجزائرية القادمة والمقرر يعج بالكثيرة من التفاعلات السياسية.

وتسلط هذه الورقة الضوء بشيء من التركيز على الأحزاب الإسلامية الجزائرية المشاركة بشكل رسمي في الانتخابات مع تتبع أثر الثورات العربية على المشهد السياسي الإسلامي في الجزائر مع تحليل أسباب المشاركة وسيناريوهات المستقبل.

خريطة الأحزاب الإسلامية:

شهدت الساحة الإسلامية السياسية خلال العقدين الماضيين عمليات فك وتركيب بين التيارات والأحزاب الإسلامية المختلفة، فبينما تنقسم أحزاب وحركات إسلامية إثر نزاعات بين قادتها ورموزها، تظهر تحالفات أخرى بين عدد من تلك الأحزاب على صعيد آخر، تتآلف من أجل حصة من المقاعد البرلمانية ثم تعود إلى ساحات المنافسة بعد انتهاء المشهد الانتخابي. وهكذا.

وتتشكّل خارطة التيار الإسلامي في الجزائر المشارك في الانتخابات البرلمانية القادمة من ستة أحزاب رئيسة، خمسة منها (حركة النهضة، وجبهة العدالة والتنمية، وحركة البناء الوطني، وحركة مجتمع السلم، وجبهة التغيير) دخلت في تحالفات وائتلافات انتخابية، بالإضافة إلى "حركة الإصلاح الوطني" التي تعد الحزب الإسلامي الوحيد الذي لم يدخل في هذه التحالفات الجديدة.

من الوحدة إلى الانشقاق: أسست حركة النهضة في مارس 1989، على يد الشيخ سعد عبد الله جاب الله حدث الانشقاق في الحركة عام 1999 وأنتج حزبين آخرين وهما حركة "الإصلاح الوطني" وحركة "العدالة والتنمية".

أما حركة مجتمع السلم[1] فقد أسست سنة 1990 على يد الشيخ محفوظ نحناح وكانت تمثل لسان حال الإخوان المسلمين وقتها، وشاركت الحركة في جميع الاستحقاقات السياسية التي جرت في الجزائر في الفترة الممتدة من سنة 2004 إلى 2012 ، وشهدت الحركة عام 2008 انشقاقًا كبيرًا تمخض عنه حركتا "البناء الوطني"[2] و"جبهة التغيير".

وتعود أسباب تفجر الأحزاب الإسلامية وانشقاقها إلى عدة عوامل من أبرزها:

الخلافات حول الشراكة السياسية مع السلطة في المرحلة التي تلت الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر في التسعينيات، إثر إلغاء الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية والتي ما زالت محظورة عن المشاركة السياسية إلى الآن.

إضافة إلى خلافات في المرحلة الأخيرة حول دعم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة منذ ترشحه في العهدة الرئاسية الأولى.

فضلًا عن خلافات داخلية حول الزعامة السياسية في تلك الأحزاب، وغياب الرموز السياسية التاريخية لتلك الحركات بسبب الوفاة أو السجن.

من الانشقاق إلى التحالف: في الانتخابات البرلمانية الماضية في العام 2012 وهو العام الذي أعقب ثورات الربيع العربي وشهد صعودا انتخابيًا للأحزاب الإسلامية في كثير من الدول العربية، سعت الأحزاب الإسلامية الجزائرية إلى صنع تحالف سعيًا لاستثمار الحالة السياسية التي شهدتها المنطقة وكانت رؤيتها أن هناك توجهًا من النظام الجزائري يسمح للإسلاميين بالتقدم خطوات أكبر في المشاركة في السلطة من أجل امتصاص حالة الثورة التي كانت تعيشها الشعوب العربية، على نحو ما حدث بالمغرب، لذا سعت إلى التحالف مجانبة لتفتت الأصوات وحرصًا على وجود كتلة سياسية موحدة يكون لها أثر في المشهد السياسي القادم في البلاد، فكان أن ظهر تحالفًا إسلاميًا تحت لافتة «تكتّل الجزائر الخضراء»، ضم حركات "مجتمع السلم" و"النهضة" و"الإصلاح الوطني"، لكن أتت الرياح بما لم تشته السفن، فقد حصلت الكتلة الإسلامية (الجزائر الخضراء) بالإضافة إلى عدد آخر من الأحزاب الإسلامية مجتمعة على أقل حصة في تاريخ مشاركتها الانتخابية، فقد أسفرت النتائج الرسمية للانتخابات الجزائرية 2012، عن فوز الحزب الحاكم «حزب جبهة التحرير الوطني» ب220 مقعداً من أصل 462، وحليفه في التحالف الرئاسي «حزب التجمّع الوطني الديمقراطي»، حيث حصل على 68 مقعداً، وبينما لم تحصل الأحزاب الإسلامية مجتمعة سوى على59 مقعدًا، وكأن السلطة الجزائرية أرادت أن تقطع أمل الإسلاميين في الحصول على وضعية سياسية أفضل مما يحظون به بالفعل، وأن الحصول على مكاسب سياسية مرهون برؤية النظام الجزائري المهيمن بشكل قوي على السلطة وأن الأحداث التي تمر بالمنطقة لم تؤثر في الواقع التوازنات السياسية في الجزائر.

إلى التحالف مرة الأخرى: ظل تحالف "الجزائر الخضراء" مجرد تحالف انتخاب مؤقت، واحتفظ كل حزب بهياكله التنظيمية وزعاماته الحزبية، ومع الإعلان عن بدأ التحضيرات للانتخابات البرلمانية لهذا العام 2017، برز على السطح تحالفان إسلاميان:

ـ الأول كان بين "حركة مجتمع السلم" (أكبر حزب إسلامي) و"جبهة التغيير"؛ اللذان قرارا الاندماج في حزب واحد وخوض الانتخابات القادمة بقائمات موحّدة في إطار حركة مجتمع السلم، ويعد قرار الوحدة بين الحزبين عودة إلى وضعها القديم، بمعنى دمج الهياكل التنظيمية والإدارية لكل الحزبين في مؤسسة واحدة، وهذا تحالف اندماجي على ما أعلنت قيادته، على مراحل ثلاث: المرحلة الانتخابية، وتقتضي دخول الانتخابات التشريعية صفا واحدا في إطار حركة مجتمع السلم". المرحلة الثانية "مرحلة توافقية" وتبدأ بمؤتمر استثنائي بعد الانتخابات التشريعية وتدوم سنة على الأكثر". المرحلة ثالثة، و"تبدأ بالمؤتمر العادي لحركة مجتمع السلم في بداية سنة 2018"، وما زال الأمر على صعيد الواقع مجرد تصريحات وفي انتظار ما ستفسر عن التجربة الاندماجية على أرض الواقع وهل ستصمد أمام التحديات السياسية في الفترة القادمة، من جهة أخرى يبقى حزب البناء الوطني وحده الذي لم يعد إلى حركته الأم وهناك مساعٍ حثيثة لإعادته مرة أخرى.

ـ كما وقّعت كل من حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية وحركة البناء الوطني، في ديسمبر الماضي، على وثيقة أسمتها التحالف الاستراتيجي بين الحركات الثلاث تحت مسمى "الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء". وأعلن قادة الحركات الثلاث المشكلة لهذا التحالف عن دخولهم الانتخابات التشريعية القادمة بقوائم موحدة عبر كل ولايات الجزائر.

ويرجع كثير من المراقبين أن ظهور تلك التكتلات راجع لإدراك الأحزاب الإسلامية أن الانقسام الذي دام لعقدين قد أدى إلى إضعافها وتراجع نتائجها في الانتخابات وتشتت كتلتها الانتخابية، وأنها في حاجة إلى تجميع شتاتها وتوحيد قوتها، خاصة أن الفروق في الأيدولوجيات تكاد تكون معدومة.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ:

لم يكن نشأة الجبهة الإسلامية للإنقاذ والسماح للإسلاميين بتكوين أحزاب إسلامية في الجزائر محض منحة من النظام بل كان على وقع أزمات اقتصادية مر بها المجتمع الجزائري من العام 1986 وحتى 1988، وبداية إرهاصات بوجود ثورة شعبية شاملة، فقد قام عمال مؤسسة صناعة السيارات "سوناكوم" الجزائرية يوم 25 سبتمبر 1988 بالاحتجاج لأول مرة، وتحرك الشارع الجزائري يوم 4 أكتوبر في حي باب الواد الشهير بالعاصمة. ثم بدأت شرارة الاحتجاجات تعم شوارع العاصمة في يوم 5 أكتوبر، ومع نزول قوات الأمن لقمعها، انتشرت شرارة الأحداث في كبريات المدن الجزائرية، بقسنطينة ووهران وعنابة.

وعلى طريقة الحكام المستبدين حين يشعرون أن أركان سلطتهم تهتز من تحت أقدامهم، خرج الرئيس الشاذلي بن جديد، يوم 10 أكتوبر 1988 ليخاطب جموع الغاضبين داعياً إياهم للهدوء والتعقل.

وكشف في حديثه عن تغييرات مرتقبة استجابة للاحتجاجات، وفي فبراير1989، وتحت ضغط الاحتجاجات قرر الشاذلي بن جديد تعديل الدستور وإقرار التعددية السياسية لأول مرة.

ومكّن ذلك الانفتاح الذي شهدته الجزائر الإسلاميين من التحرك والسعي للتقدم بالحصول على تصاريح بإنشاء أحزاب سياسية فأعلن رسمياً عن تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس 1989، وحصلت على الترخيص الرسمي كحزب من وزارة الداخلية في سبتمبر من نفس العام، وتأسست الجبهة بقيادة الشيخان “عباس مدني” و”على بن حجاج”، وتكونت في ذات الوقت من تحالُف العديد من التيارات والشخصيات الإسلامية. بمجرد تأسيس “الجبهة”، خاضت المعركة الانتخابية وحققت فوزاً كاسحاً في انتخابات البرلمانية في الدورة الأولى، حيثُ حصلت على 188 مقعداً من مقاعد البرلمان التي يبلُغ عددها 430 مقعداً. وفي مارس 1992 أصدر القضاء الجزائري قراراً بحل “الجبهة” واعتقال عدد كبير من قياداتها الأمر الذي أدى دخول الجزائر في حمام من الدم طوال عقد التسعينيات، وراح ضحيتها الآلاف من الجزائريين. ومع انتهاء تلك العشرية ودخول النظام في مصالحة مع الجبهة مع الاستمرار في حظرها ومنعها من المشاركة السياسية إلا أن الجبهة ظلت حاضرة في الساحة الإسلامية ولها آثارها في المشهد السياسي خاصة عبر رموزها ومشايخها الذين يحظون بقدر كبير من القبول لدى الأحزاب الإسلامية والشعب الجزائري.

الثورات العربية وآثارها على الرؤى الفكرية والتنظيمية للأحزاب الجزائرية:

تركت ثورات الربيع العربي بصماتها على المنطقة العربية بأثرها سواء في الدول التي اشتعلت بها الثورات أم الدول المجاورة والتي خشيت أن تنتقل شرارات الثورة إليها فسارعت إلى احتواء الشعوب عبر سلسلة من التغيرات السياسية. ولم تكن الأنظمة وحدها هي من سعت للتجاوب مع الواقع الجديد الذي أفرزته الثورات بل تفاعلت الأحزاب والتيارات السياسية خاصة الإسلامية منها معه بصور مختلفة.

وفي الجزائر حيث الحدود المشتركة مع تونس ثورة الياسمين، وليبيا ثورة 17 فبراير، لم يكن للنظام الجزائري أن يتغافل عن تلك الأحداث التي هزت المنطقة بأسرها، وهو يدرك أن الثورات زادت من حماس الأحزاب الإسلامية وأوجد لها تطلعات للمشاركة في السلطة بشكل أوسع، فكان أن أعلن النظام الجزائري جملة من الإصلاحات السياسية من أهمها اعتماد قانون جديد للممارسة السياسية، كان من نتائجه فتح الباب أمام أحزاب جديدة، مع استمرار الحظر على حزب “جبهة الإنقاذ”، وحرمان قيادتها من المُشاركة في الحياة السياسية، أو إنشاء أحزاب، أو الانضمام إلى أحزاب سياسية قائمة، وذلك بموجب قوانين المُصالحة العامة التي قادها الرئيس “بوتفليقة”.

أولا: أدت التعديلات الجديدة الذي أقرها النظام إلى ضخ مزيد من الأحزاب في الساحة السياسية بغية تفتيت أصوات الإسلاميين بشكل أكبر. فالساحة السياسية الجزائرية وعلى النقيض من بقية الدول التي حدثت بها الثورات مثل (مصر وتونس وسوريا .. ) كانت تعج بالأحزاب الإسلامية المصرح لها بالمشاركة السياسية حيث النظام سمح بمشاركة الإسلاميين في كافة الاستحقاقات الانتخابية التي أعقبت الانقلاب العسكري، بما فيها الانتخابات الرئاسية، وشارك الإسلاميون في انتخابات العام 1995، وهو الأمر الذي أوجد شروخًا كبيرة بينها. وعى الإسلاميون فخ السلطة فسعوا لتكوين تحالف انتخابي أطلقوا عليه الجزائر الخضراء للمشاركة في الانتخابات البرلمانية، لكنه مع ذلك لم يكن الممثل الوحيد للإسلاميين.

ثانيًا: أحدثت الثورات العربية رؤى فكرية وسياسية مختلفة بين القيادات والأحزاب الإسلامية، فبينما رأى البعض أنه يجب القبول والتعاطي بإيجابية مع المساحات التي يسمح بها النظام، رأى آخرون أنه ينبغي الضغط على النظام بشكل أكبر واقتناص اللحظة التاريخية لإحداث تغيير شامل وحقيقي فقد دعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ - على سبيل المثال - السلطات الرسمية، لإلغاء الانتخابات البرلمانية 2012، وتنظيم مرحلة انتقالية، من خلال تشكيل مجلس تأسيسي تمثيلي، تشترك فيه جميع القوى السياسية الشرعية دون استثناء، لإدارة مرحلة انتقالية، يُشكل فيها حكومة إنقاذ وطني تُشرف على تحضير انتخابات حُرة تعددية وشفافة ونزيهة، لنقل السلطة إلى الشعب الجزائري، ليسترجع حريته وسيادته. ودعا الشيخان “عباسى مدني”، و”علي بن حاج”، الشعب الجزائري إلى مُواصلة” وقفته البطولية واستمرار سعيه الحثيث من أجل التغيير الجذري لنظام حُكم غير شرعي وفاسد بطريقة سلمية حضارية واعية والتمسك بوعيه التاريخي، لإفشال كل المُخططات التي تستهدف أمنه واستقراره وترهن مستقبل أجياله”.

ثالثا: كانت العشرية الدموية التي أعقبت إلغاء انتخابات 1990 مثالة في الأذهان سواء لدى النظام أو الأحزاب الإسلامية أو الشعب الجزائري بمثابة ربيع جزائري سبق الربيع العربي، فكانت رسالة النظام للأحزاب الإسلامية أن الجزائر لن تكون محطة جديدة من محطات الثورات العربية ومسارها التغييري، بل محطة قديمة عبرتها الجزائر منذ التسعينيات ولن تعود للخلف، فجاءت نتيجة انتخابات 2012 – عبر تلاعب النظام - بأقل نسبة تمثيل للأحزاب الإسلامية منذ مشاركتها في البرلمان. الأمر الذي أدى مزيد من الاختلاف بين الأحزاب الإسلامية حول جدوى المشاركة السياسية مع نظام لا يسمح بالمشاركة السياسية إلا بالقدر الذي يريده هو.

المشهد الانتخابي في الجزائر:

أولا: أحزاب السلطة: جبهة التحرير الجزائرية، وهو الحزب الحاكم والفائز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات السابقة، وهو الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقه، وهو يتمتع بنفوذ قوي إلا أن الحزب لا يمانع بمشاركة أحزاب أخرى معه في السلطة.

الحزب الآخر التابع للسلطة: التجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده مدير ديوان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أحمد أويحيى، وهو الحزب الثاني الفائز في الانتخابات السابقة.

ثانيا: أحزاب المقاطعة: وفي حين أعلنت الأحزاب الإسلامية وأحزاب السلطة عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة، أعلنت مجموعة أخرى من الأحزاب مقاطعتها للانتخابات بدعوى وجود تزوير وغياب النزاهة والشفافية فقد قرر حزبا "جيل جديد" الذي يقوده سفيان جيلالي، وحزب "طلائع الحريات" بقيادة رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، مقاطعتهما الانتخابات التشريعية، وفي حين برر حزب "جيل جديد" مقاطعته، كون "البرلمان غطاء قانوني للحكومة"، وعليه، فإنه من الواضح أن "السلطة ستهدي لنفسها أغلبية مريحة، فضلا عن أنها ستحجز بعض المقاعد لمُعارضة مشاركتية من أجل اكتساب شرعية ديمقراطية مفقودة". برّر حزب "طلائع الحريات" قرار المقاطعة بكون الانتخابات لن تقدم شيئا للأزمة الجزائرية، في ظل التهديدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحدقة بالبلاد. وقال رئيس الحزب، علي بن فليس، في تصريحات صحفية تناقلتها وسائل الاعلام، إن "الانتخابات التشريعية المقبلة لن تحمل حلاً للأزمة المتعددة الأوجه التي تواجهها البلاد، وأن التهديدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أكبر المخاطر التي تحدق بالجزائر، وأن التحول الديمقراطي في الجزائر لا بد أن يمر عبر الحوار والتوافق".

الأحزاب الإسلامية والسير على حافة الشوك:

أسباب وعوامل الاختلاف والتفرد بين الحركات والأحزاب الإسلامية ما زالت باقية وهي كالنار تحت الرماد، تحتاج فقط إلى إثارة قليلة لتعاود الانقسام من جديد، فمنذ الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وألغيت بعدها، ولم تشهد الساحة الإسلامية نموذجا لقيادة العمل السياسي، يتميز بقيادة موحدة، أو قيم مركزية، فما زالت عوامل التشتت والانقسام أقوى من عوامل التوحد.

أما بشأن الانتخابات القادمة فيبدو أن السلطة الجزائرية تسعى لإتاحة الفرصة للإسلاميين لإشراكهم بصورة مهيمن عليها، لكسب ولائهم في المرحلة الانتقالية المقبلة، خاصة أن هناك تصريحًا للقيادي الإسلامي عبد المجيد مناصرة رئيس جبهة التغيير بأن أطرافًا في النظام نصحتهم بالوحدة، وهو ما يؤشر إلى هناك سيناريو يعد ويراد ترتيب الأوضاع الداخلية في الجزائر لاستقباله. ورصيد الخبرة يدعم ذلك الخيار فقد تم اختيار حركة حمس، لتمثل الوجود الاسلامي في دائرة السلطة، عقب إلغاء انتخابات 1991والتي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية وقبلت الحركة وقتها التمثيل السياسي على جثة حزب الجبهة الاسلامية للإنقاذ وأشلاء أصواتها التي كانت تعد بالملايين. دخلت حركة حمس إلى العمل السياسي في إطار محدد لها سلفًا، تشاركت الحركة مع الحكومة وظهرت بمظهر المحلل للسلطة والتي لفظتها بعد ذلك.

لا شك أن الأحداث السياسية التي مرت بالجزائر منذ العشرية الدامية وما أعقبها من تطورات سياسية داخليا، انتهاء بالأحداث التي مرت بها الأحزاب الإسلامية في دول الجوار العربي في الآونة الأخيرة خارجيا، كافية لإدراك الأحزاب الإسلامية عن طبيعة إدارة المشهد السياسي في البلدان العربية وموقع المؤسسات العسكرية منها وكيفية تلاعبها بكافة الأطراف السياسية من أجل الوصول إلى توازنات سياسية معدة سلفا، فإتاحة المجال لمشاركة الإسلاميين في السلطة عبر بوابات الانتخابات القادمة قد يكون أمرا معد مسبقا يراد منه حرق الأحزاب الإسلامية أو توريطها في القبول بإجراءات تعسفية أو مشاركتها في عمليات مستقبلية يقوم بها النظام مستغلاً موافقة أو صمت الإسلاميين، وعلى النقيض ربما تكون هناك فرصة متاحة لمساحة أكبر من المشاركة السياسية للإسلاميين، لكن أيا ما كان من أمر فعلى الأحزاب الإسلامية أن تحسب كل خطوة تخطوها في حقل الألغام السياسي الذي تمر به الجزائر، وأن تعي المآلات الاستراتيجية لمشاركتها قبل المكاسب الآنية. فالجزائر على مفترق طريق صعبة تحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة تأخذ في حسبانها كافة التطورات التي تمر بها المنطقة وليست الجزائر وحدها، والإغراق في تفاصيل اللحظة الراهنة لا شك سيؤدي إلى سياسات أقرب للفشل منها للنجاح، ما لم يكن هناك تبصر لما تحت القدم وما هو بادٍ في الأفق.



[1] يمكننا القول إن أول ظهور رسمي لحركة الإخوان المسلمين في الجزائر كان في عام 1976 تحت اسم حركة “الموحدين”، لكن هذا التنظيم حل في عام 1980. وقبل السماح بتكوين أحزاب كانت جماعة الموحدين قد بادرت بتشكيل جمعية خيرية سمتها "جمعية الإرشاد والإصلاح" وقد لعبت دورا بارزا في توجيه الأحداث قبل ميلاد الأحزاب الجزائرية. وبعد السماح بتكوين أحزاب ظهرت (حركة المجتمع الإسلامي) 29 مايو 1991 كأول حزب سياسي مصرح به لحركة الإخوان المسلمين في الجزائر، ثم غيرت الحركة اسمها لتصبح (حركة مجتمع السلم) 1996لتتكيف مع قوانين الأحزاب الجديدة.

[2] افرزت انتخابات حركة البناء الوطني الجزائرية الناطقة باسم جماعة الاخوان المسلمين الجزائريين بالإجماع تزكية شيخ مصطفى بلمهدي رئيسا لحركة البناء الوطني وذلك في اختتام مؤتمرها في الجزائر العاصمة يوم السبت 18 مارس2017، يشار أن هناك عددا الحركات السياسية تدعي تمثيل فكر الإخوان في الجزائر وهي بالإضافة إلى حركة البناء الوطني، "حركة مجتمع السلم" التي يقودها حاليا الدكتور عبد الرزاق مقري، و"جبهة التغيير" التي يقودها عبد المجيد مناصرة، و"تجمع أمل الجزائر"، الذي يقوده عمار غول. لكن تبقى حركة البناء الوطني هي الجهة المعترف بها من قبل التنظيم الدولي.