تفيد المعلومات التي بين أيدينا الآن استناداً إلى سِفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول إلى أن مدينة طرسوس عاصمة إقليم كيليكا جنوب آسيا الصغرى (تقع حالياً ضمن حدود الجمهورية التركية) هي مسقط رأس بولس، وفي ذلك يقول لوقا في سفر أعمال الرسل نقلاً عن بولس: "أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّة" (أعمال الرسل 22: 3). وكان مولده في فترة محتملة بين سنتي 2 - 10م. ويمتد الغموض والخلاف ليشمل تعيين اسمه وطبيعة شخصيته وحقيقة دوافعه. فقد حمل الشخص نفسه اسمين مختلفين، الأول: "شاول" وورد هذا الاسم (في سفر أعمال الرسل) للإشارة إلى فترة يهوديته قبل اعتناقه النصرانية، والثاني "بولس" وهو الأكثر شهرة وقداسة، وأُطلق عليه الاسم بعد اعتناقه النصرانية.

واختلف آباء الكنيسة وشراح الكتاب المقدس في ازدواج الاسم "بولس" و "شاول" فيرى أوريجانوس أن الاسمين أعطيا لبولس منذ الولادة، واحد ليكون بين اليهود (يقصد شاول) والآخر بين الأمم (يقصد بولس)، بينما يذهب أغسطين إلى أن "شاول" أخذ اسم "بولس" في بداية عمله كمبشَّر، ويرى يوحنا ذهبي الفم أن "بولس" استلم اسمه الجديد "بولس"، وذلك عند تكريسه وقت العماد في أنطاكية، وذهب جيروم إلى أنه تسمى بهذا الاسم بعد تعميده سرجيوس بولس الوالي الروماني على جزيرة قبرص(1).

-----------------------

(1) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون، 1992م، ص37.

بيد أنه لا يوجد ما يحول بيننا وبين النظر إلى هذه الإشكالية في إطار تجديد الهوية الذي يقوم به البعض عند شروعه في بدء حياة جديدة بقواعد جديدة، فتُغَير الأسماء والألقاب لتتكيف مع الأوضاع الجديدة؛ فشاول الذي كان يضطهد الكنيسة ربما أراد أن يتخلص من ظلال وتبعات حياته السابقة تفادياً لمغرمٍ ما أو سعياً لمغنمٍ ما. إذ إنه من الوارد أن سمعة شاول كمضطهِد وقاتل للنصارى الأوائل لن تقفَ حجر عثرة أمام قبوله في أوساط النصارى الأوائل كمهتدي ومعتنق للديانة، ولكنها من المؤكد كانت ستقف أمام قبوله كمُبشرٍ بالديانة ومُشَرعٍ لها، فضلاً عن استحالة حمله للقب الرسول، ذلك اللقب الذي أضيف إلى اسمه الجديد "بولس".

جديرٌ بالذكر أنه بحسب إنجيل مرقص فإن المسيح أقام اثني عشر شخصاً من تلاميذه ليكونوا معه (مرقس 3:14-19)، وهم: سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، وفيلبس وبرثولماوس، وتوما ومتى العشار، ويعقوب بن حلفي ولبَّاوُس الملقب تُداوُس، وسمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي. وكانت قد وردت شروط (الرسول) في عدة مواضع في سفر أعمال الرسل (1: 21-22)، وفي كورنثوس الأولى (9:1، 15: 83) ومنها نستطيع أن نخلص إلى أن الرسول هو من كان مع المسيح منذ معمودية يوحنا وحتى صعود المسيح، ويكون (بحسب الاعتقاد النصراني) قد اختبر ظهور المسيح بعد قيامته من الأموات، وهذه الشروط لا تنطبق على بولس. على الرغم من تأكيد الأخير على أنه رسول؛ إذ يقول في رسالته إلى أهل غلاطية: "بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوع الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غلاطية 1: 1).

واستكمالاً لتلمس مواضع سيرة بولس الرسول الذاتية بين دفتي الكتاب المقدس نجد إشارة إلى أصوله الدينية، فيقول في رسالته إلى أهل فيلبي: مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ" (فـي 3: 5)، ونقف هنا قليلاً مع أحد أهم آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصرين، وهو الراهب القمص متى المسكين (1919 - 2006م) حيث يعلق على هذه الفقرة بقوله: "حينما يشدد بولس الرسول على أنه من سبط بنيامين، يكون ذلك ذا اعتبار خاص عنده ومن ثَمَّ عندنا:

1- فمن سبط بنيامين قام أول ملك على إسرائيل وهو المدعو "شاول" وعلى اسمه سُمي بولس.

2- لقد ظاهر سبط بنيامين رحبعام ملك اليهودية وانضم إلى سبط يهوذا ليكوِّن جيشاً من 180 ألف محارب مخترط السيف ليردُّوا المملكة إلى رحبعام ابن سليمان، فاحتُسِبَ هذا الأمر شرفاً لسبط بنيامين (1مل 12: 21).

3- عندما دخل بنو إسرائيل في حرب مع الكنعانيين وكان سيسرا هو رئيس جيشهم، برز سبط بنيامين لمعونة سبط نفتالي بقيادة دبُّورة قاضية إسرائيل ومعها باراق. وانتصر بنو إسرائيل وغنت دبورة أغنية نصرتها (قض5: 14).

4- بعد رجوع بني إسرائيل من السبي، استطاع سبط بنيامين أن يسترد معظم أرض ميراثه، واقتسم أورشليم مع سبط يهوذا، وكانت أسوار هيكل أورشليم هي الحدود الفاصلة بين السبطين (إرميا11: 7- 9 ، 30-36).

5- بنيامين رأس السبط، كان هو الوحيد من أولاد يعقوب الاثني عشر الذي ولد في أرض الميعاد بالقرب من أفراتة بيت لحم (تك35: 16-18).

ويرى متى المسكين في انتماء بولس لسبط بنيامين، الذي هو الابن الأصغر بين الاثني عشر سبطاً، مناسبة ليست عادية في قول بولس: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ" (1كو15: 9). كذلك يرى في تسمية راحيل لأنها وهي متعسرة في ولادة بنيامين، وقد جاءتها مخاضة الموت، فسمته "بن أوني" أي "ابن عنائي"، ثم حوله أبوه إلى ابن يميني = بنيامين" (تك35:18). فهذه مناسبة أيضاً ليست عادية في بولس، الذي انتقل من "ابن عناء" ومقاومة للمسيح «شَاوُلُ! شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» (أع9:4)، إلى "إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ" (أع9:15).

كما يرى القمص متى المسكين في قصة بني يعقوب عند عودتهم من مصر بعد ضيافة أخيهم يوسف لهم ووضع كأس يوسف الفضي الحامل لاسم فرعون في زكيبة القمح الخاصة ببنيامين مع ثمن القمح مردوداً، مناسبة ليست عادية أيضاً في بولس الذي اختاره الرب إناءً خاصاً يحمل اسمه على ملوك وأمم!

ويضيف متى المسكين بقوله: أما بركة موسى الأخيرة التي بارك بها الأسباط، فتحمل لبنيامين هذا الدعاء المبارك: "وَلِبَنْيَامِينَ قَالَ: «حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ» (تث33:12). وفي هذا نرى مناسبة ليست عادية في قول بولس الرسول عن المسيح: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غل2 : 20)(2).

وهذا التأويل العجيب والجهد الجهيد الذي بذله الأب الورع متى المسكين في تواضع وسخاء لاقتطاع عدد كبير من آيات العهد القديم وإخراجها من سياقها ليقدمها لنا كنبوءات تحمل بين طياتها بُشرى قدوم بولس الرسول، تبين مدى توغل شخصية بولس الرسول في قلب الفكر النصراني، ومدى تأثيره في صناعة وصياغة النصرانية الحالية.

---------------------------

(2) المرجع نفسه، ص38 - 41.

ولعله من اللافت أن هذه النبوءات لم يدرك بولس الرسول دلالاتها التي وصل إليها القمص متى المسكين، لأنه بلا أدنى شك لو كان أدركها لكان أشار إليها في رسائله أو تابعه الوفي لوقا في سفر أعمال الرسل، ولكان دلل بها بولس على شرعيته واستخدمها في دعوته، وهو الذي لم يدخر وسيلة إلا استخدمها، حتى وإن كانت وسيلته هي الكذب، يقول بولس في رسالته إلى أهل رومية: "فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟" (رومية 3: 7). وقوله: "19 فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. 20 فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. 21 وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ ­ مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ ­ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. 22 صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. 23 وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ" (1كو 9: 20-23).