كشفت دراسة أجرتها مؤسسة بيو الأمريكية لأبحاث الأديان والحياة العامة، صدرت عام 2012م تحت عنوان "المشهد الديني العالمي: تقرير عن حجم وتوزيع المجموعات الدينية في العالم اعتباراً من سنة 2010م" أن النصارى يشكلون أكبر مجموعة دينية في العالم بـ 2.2 مليار نسمة أي 32% من سكان العالم، يليهم المسلمون بنسبة 23%(1).

ونحاول في هذه السلسلة - بإذن الله تعالى - الوقوفَ على نشأة وتطور الديانة النصرانية. وفي هذا المقال نستعرض حياة أحد أهم الأشخاص المؤثرين في تاريخ النصرانية، الذي تجاوز تأثيره في وضع أسس وأركان الديانة تأثير أي شخص آخر. ويكفي هنا أن نُشير إلى ما ذكره القمص متى المسكين في كتابه (القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله) بقوله إن: "القديس بولس هو ألمع شخصية بعد المسيح في الأناجيل، وفي بقية الأسفار في العهد الجديد"(2). بينما ذهب كثيرٌ من العلماء والباحثين إلى أن بولس هو المؤسس الفعلي للنصرانية الحالية.

جديرٌ بالذكر أنه من بين سبعة وعشرين سفراً يضمها العهد الجديد وضع بولس الرسول منها أربعة عشر سفراً (ثلاثة عشر تحمل اسمه، والأخيرة وإن لم تحمل اسمه فهي تُنسب له كنسياً)، وهذه الأسفار هي:

1- رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية.

2- رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورثنوس.

3- رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس.

4- رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية.

5- رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

6- رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي.

7- رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي.

8- رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي.

9- رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل تسالونيكي.

10- رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس.

11- رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس.

12- رسالة بولس الرسول إلى تيطس.

13- رسالة بولس الرسول إلى فليمون.

14- الرسالة إلى العبرانيين.

وقد احتلت هذه الرسائل مكانة كبيرة، حيث كُتبت وقرئت في الكنيسة، وتسجلت في فكر النصارى، قبل كتابة الأناجيل الثلاثة الأولى بعشرات السنين(3).

وبالإضافة إلى رسائل بولس الرسول، نجد سفر أعمال الرسل (المنسوب إلى لوقا الإنجيلي كملحق لإنجيله) يفرد مساحة كبيرة ليسهب في تسجيل حوادث وأحوال وتحركات وسكنات بولس على وجه الخصوص دون غيره. وهو الأمر الذي كان من المفترض أن يمدنا بصورة واضحة عن شخصية بولس بَيْد أنها في الواقع تزيد من الحيرة والاضطراب في فهم طبيعة هذه الشخصية وحقيقة دوافعها وسر المكانة التي حظيت بها. جديرٌ بالذكر أن الإشارة الأولى لبولس (وكان يسمى شاول قبل اعتناقه النصرانية) في هذا السفر وردت في خضم الحديث عن رجم رئيس الشمامسة إستفانوس (الذي يعده النصارى أول شهداء النصرانية)، إذ حضر بولس حادثة الرجم وكان راضياً عن قتله، إذ اختُتم الإصحاح السابع بالنص التالي: "58 وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. 59 فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي». 60 ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ" (أع 7: 58 _ 60). وافتتح الإصحاح الثامن بفقرة: "1 وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ " (أع 8: 1 ).

وعقب اعتناق بولس النصرانية، على النحو الذي سنبينه في المقالات التالية بإذن الله، أمضى بولس ثلاثين عاماً في الترحال داعياً لأفكاره التي شكلت النصرانية الحالية. واللافت هنا أن بولس الرسول اقتصر في تبشيره على غير اليهود مخالفاً في ذلك وصية المسيح – عليه السلام -: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى15: 24)، ومخالفاً أيضاً لسيرة بقية التلاميذ الذين يطلق عليهم الرسل.

كما أنه من اللافت أيضاً المكانة التي كان يرى بولس نفسه فيها، ومن ذلك قناعته بأنه مختار ومُفْرَزٌ من البطن للشهادة للمسيح، يقول في رسالته الأولى إلى أهل غلاطية: "وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ" (غل1 : 15)، ويؤكد على أن الرب قد دعاه من السماء بالاسم لحمل اسمه والتبشير به فيقول: " بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غل1: 1)، وأن النعمة الإلهية صاغته ليكون ما كان فيقول: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي. (1كو15: 9_10)، ولذلك كان يشعر أنه رسول لا يقل عن فائقي الرسل فيقول: "لأَنِّي أَحْسِبُ أَنِّي لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ." (2كو 11: 5 )، بالرغم من أنه لم يعاصر المسيح في حياته!

__________________________________

(1) انظر: موقع مؤسسة بيو لأبحاث الأديان والحياة العامة على شبكة المعلومات الدولية.

http://www.pewforum.org

(2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون، 1992م، ص 17.

(3) المرجع نفسه، ص18.