1- غاية الكتاب وظروف تأليفه:

كانت جماعة الإخوان المسلمين المصرية قد مرّت بمحنتين كبيرتين في فترة حكم جمال عبد الناصر، بدأت المحنة الثانية سنة 1965م، وحُبِس بسببها أعداد كبيرة من المنتسبين للجماعة في السجون، ومن المشهور المعلوم في التأريخ لهذه الجماعة، وفي التأريخ لظاهرة الغلو في التكفير في عصرنا الحاضر: أنه نشأ في تلك السجون مقالات مُبتدَعة في التكفير، خرج أصحابها عند جادّة أهل السنة والجماعة، وقد تكلّم مؤرخو تلك الحقبة عن أحداث ظهور هذه المقالات في تلك السجون، وتكلموا عن أسبابها، وتكلموا عن الطرق التي عولجت بها، وعن تطورات هذا الفكر بعد الإفراج عن السجناء، ونشأة الجماعة المسمّاة جماعة التكفير والهجرة([2]).

والكتاب الذي بين أيدينا تتفق المصادر على أنه كُتِب لمعالجةِ مقالات من مقالات الغلو في التكفير التي نشأت في السجون؛ معالجةً فقهية.

يقول علي جريشة: (فكر التكفير نشأ في المعتقلات، وانتبه له الإخوان المسلمون وردُّوا عليه، والأستاذ الهضيبي- المرشد الثاني للإخوان- أصدر كتابه «دعاة لا قضاة» ردًّا على هؤلاء، .. وقام بفصل 12 من الإخوان ممن اعتنقوا فكرة التكفير، وبدأوا بتكفير مَن يعذبونهم في السجون، ثم الحاكم الذي يأمر هؤلاء بالتعذيب، ثم المجتمع الساكت على هذا الحاكم، وبذلك كفَّروا المجتمع كله.

وإزاء ذلك كتب الإمام الهضيبي بمساعدة ابنه الأستاذ المأمون كتاب (دعاة لا قضاة)، والأستاذ المأمون هو كاتب معظم الكتاب بإقرار وموافقة والده، فالاثنان هما اللذان ألَّفا الكتاب) ([3]).

ويقول السيد نزيلي: (وجد التكفير بعد عام 1965م، وكان متغلغلا في الجيل الذي لم يدخل الإخوان، ولم يتأثروا بسيد قطب، وفي هذه الفترة تدخل الأستاذ حسن الهضيبي وأرسل إلينا ملازم من الكتاب الفيصل في هذه القضية وهو (دعاة لا قضاة) الذي كنا نسميه: البحث) ([4]).

وقد ذُكِر أيضًا أن سالم البهنساوي شارك في إعداد الكتاب([5]).

ويذكر سالم البهنساوي أن البحوث المتضمنة في هذا الكتاب تداولها الإخوان في السجون، ويعزو لحسن الهضيبي مراجعتها وتصحيحها، لا تأليفها([6]).

والذي أُثبِت على غلاف الكتاب بعد أن نشر سنة 1977م عن دار الدعوة، وهي تابعة لجماعة الإخوان المسلمين أنه: ( أبحاث في العقيدة الإسلامية ومنهج الدعوة إلى الله للأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين).

ومع أن مقالات الغلو في التكفير قديمة عبر التاريخ، إلا أن الذي حمل المؤلف ومن معه على التصدّي لها أنها هذه المرّة نُسبت لمدرسة الإخوان، بحسب تحليل فريد عبد الخالق([7]).

2- موضوع الكتاب:

عنوان الكتاب «دعاة لا قضاة» هو أشبه بشعار، ولا يعطي دلالة شاملة على موضوع الكتاب، فلم تُقرَّر هذه الفكرة إلا في موضع واحد باختصار حيث قال المؤلف: (الفرق بين عمل القاضي وعمل الداعية: ولذلك نقول بحق إن الفرق كبير وخطير بين عمل الداعية وعمل القاضي فهذا الأخير منشغل بإجراء الأحكام الشرعية وتطبيقها على وقائع فردية يحققها ويستجلي مشكلها ويستوضح غامضها ويتثبت مما دق من جوانبها وخفي من أحداثها ويسمع شهود الحال، ويطلع على الوثائق والأوراق ويفسح لأطراف الخصومة المجال أن يدلي كل منهم بحجته، كل ذلك طبقًا لنظم مقررة تحدد الأدلة وتقوِّم البينات، ثم هو بعد استنفاذ ذلك كله واستفراغ جميع جهده يطبق حكم الله تعالى على ما ثبت لديه من وقائع) (ص88).

والموضوع الذي وضع له الكتاب: تقرير بعض المقالات في باب الأسماء والأحكام، والنقد المباشر للمقالات الغالية في التكفير التي وجدت بين السجناء إذ ذاك.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: (فهذه بعض أبحاث حول بعض الآراء التي ظهرت بين حين وحين، ولما لم يكن وجه الحق فيها ظاهرًا رأينا أن نتعرض لها بالتمحيص والرد إلى كتاب الله العزيز وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ليبين الحق واضحًا جليًا ويتميز عنه غيره فلا يقع أحد في شبهة أو إشكال). (ص8).

وهذه الآراء المُنتَقَدة على ضربين :

الأول: ما لم يُصرَّح فيه باسم صاحب تلك المقالة:

فمن تلك المقالات أن (المسلمين في هذا الوقت الذي نعيش فيه قد فسدت عقيدتهم، وخرجوا عن دين الإسلام، لأنهم إذ جهلوا معظم الشرائع التي فرضها الله تعالى لتنظيم حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأصبح تصورهم بعد أن لم يعد يعرف أغلبهم إلا بعض أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والقليل النادر عما هو مباح أكله ولبسه= أصبح تصورهم أنّ شريعة الله تكاد تكون أحكامها قاصرة على العبادات، وذلك الجزء القليل مما عرفوه من غيرها فقط). (ص77).

ومنها : أن (من غابت عنه الأوامر وجهل الشرائع فإنه يكون فاسد العقيدة كافرًا ليس بمسلم). (ص93).

ومنها: أن (البيعة ولزوم الجماعة من شروط الإيمان) (ص106).

ومنها: (التحكيم إلى رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ والرضا بقضائه والتسليم به تسليمًا واجب، وذلك لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية وسيادة شريعة الإسلام في الأمة وإنفاذها فعلاً، لأنه إذا لم تكن شريعة الإسلام هي السائدة فلابد أن تسود شريعة أخرى يضطر الناس إلى التحاكم إليها ولو على كره منهم، وأن يخضعوا لها في كافة شئون حياتهم فلا يتحقق بذلك ما أمر الله تعالى به من تحكيم رسول الله عليه الصلاة والسلام والرضاء والتسليم بقضائه، وقالوا: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأنه إذا كان تحقيق حكم الله في الأرض حسبما تقضي به الآية الكريمة من سورة النساء لا يتم ولا يتحقق إلا بقيام الحكومة الإسلامية، فإن قيامها يكون مما نصت عليه الآية وأوجبته فينتفي اسم الإيمان عن أفراد الناس بنص الآية ما دام أن الحكومة الإسلامية غير قائمة). (ص144).

ومنها : (الكفر بالطاغوت مقتضاه الحكم عليه بأنه كافر ومن لم يعتقد ذلك فيه بقلبه وينطق معلنًا ذلك بلسانه فهو لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بكفر هذا الأخير فهو بدوره لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وهكذا..). (ص161).

ومنها : أن (الأحكام الشرعية التي قال بها الفقهاء إما قالوا بها لتكون مناسبة في الظروف التي أحاطت بها، وإنَّ منهم من خضع لتوجيهات الساسة أصحاب السلطان ممن كانوا في عصرهم وأن الظروف التي تمر بها دعوة الإسلام في الوقت الحاضر لم يسبق أن مرت بها، وأنه لذلك يجب علينا أن نطرح ذلك الفقه القديم جانبًا وأن نتعامل مباشرة مع القرآن الكريم، ونستمد منه أحكامًا تلائم الظروف التي نعيش فيها والملابسات التي تمر بها دعوة الإسلام في عصرنا هذا). (ص165).

الثاني: الرد المباشر على أبي الأعلى المودودي، وذلك في موضع (ص19-33)، والردّ على ما فُهم من كلامه في موضع آخر (ص72).

ومما تنبغي الإشارة إليه أن من التصورات الدارجة حول موضوع هذا الكتاب: أنه نقدٌ لكتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب، وهذا التصوّر يستثير العجب عند أصحابه، إذ يقولون: إن حسن الهضيبي قرأ كتاب «معالم في الطريق» قبل نشره، وأثنى عليه، فكيف يكتب كتابًا في الردّ عليه بعد ذلك؟

وهذا التصوّر غير صحيح، فالمقالات التي تقدّمت ليس في كتب سيد قطب لا «المعالم» ولا غيره التصريح بشيء منها، كما أن ظاهرة الغلو في التكفير إنما كتب الهضيبي ومن معه في الردّ عليها بعد وفاة سيد قطب، والذين تحدّثوا في التأريخ لها يقولون إنها برزت بعد طلب الأمنيين من السجناء التصريح بتأييد عبد الناصر في حربه مع اليهود سنة 1967م، ولم تكن إثر طباعة كتابه «معالم في الطريق» أو نشره، فلا عجب إذًا.

أما أن يكون السجناء الذين قالوا بتلك المقالات مُعظّمون لسيد قطب، أو قرؤوا كتابه في السجن، وبنوا عليه بحسب فهمهم هذه المقالات= فهذا شأن آخر([8]).

ومما يشار إليه أن الشعار الذي جُعِل عنوانًا للكتاب (دعاة لا قضاة) كان أوّل من قاله هو سيد قطب، بحسب شهادة أحمد عبد المجيد([9]). وإن كان لا بُدّ من ربط بين كتابي «معالم في الطريق» وهذا الكتاب، فيقال: إن هذا الشعار يبين الصفة التي يريد سيد من القراء أن يتعاملوا معه بها عندما يقرؤون كتابه.

3- طريقة المؤلّف في الكتاب وموارده:

قسم المؤلف كتابه إلى أحد عشر فصلًا، أو إلى مقدمة وعشرة فصول، وبعض هذه الفصول لتقرير بعض المسائل، وبعضها لردّ بعض مقالات الغلوّ في التكفير، وقد يشتمل الفصل على الأمرين.

أما موارد الكتاب فيكثر النقل عن ابن حزم من كتبه، فينقل عن «المحلى» و«الفصل» و«الإحكام»، بل يعتمد عليها كثيرًا في تخريج الأحاديث فلا يخرجها من كتب السنة الأصلية.

وينقل عن «تفسير القرطبي»، و«تفسير ابن كثير»، وعن «كتاب الإيمان» لابن تيمية، و«شرح الطحاوية» لابن أبي العز.

وفي مسألة الإمامة اعتمد على كتاب «النظريات السياسية الإسلامية» لمحمد ضياء الريس.

وقد ذكرت زينب الغزالي في مذكراتها أن كتاب «المحلى» لابن حزم كان معتمدًا لدى الجماعة في الدراسة، ومرجعًا في البحوث، وذكرت أيضًا من المراجع التي ذُكرت آنفًا: «تفسير ابن كثير» ([10]). وذكر أحمد عبد المجيد أن كتاب «الإيمان» لابن تيمية من الكتب التي اختارها سيد قطب في المنهاج الدراسي الذي وضعه للإخوان([11]).

4- عرض إجمالي لفصول الكتاب:

الفصل الأول هو مقدمة بين فيها المؤلف ثلاثة أصول قال إنه سيلتزمها في الكتاب: الأول: الاحتكام إلى كتاب الله تعالى وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أن التزام الردّ على القول إنما يكون إذا أقام صاحبه برهانًا عليه. والثالث: أن العقل لا مدخل له في إيجاب شريعة بأمر أو حظر أو إباحة، وإنما عمله تفهم النصوص.

والفصل الثاني شرح فيه معنى الشهادة، ومعنى لفظ الجلالة، اعتمد في ذلك على «تفسير ابن كثير، وذكر أن الأحكام تجري على النطق بالشهادتين، وذكر الأدلة لذلك من السنة. ثم شرح معنى الرب والعبادة والدين. وأورد كلامًا للمودودي في ذلك وردّ عليه، وأتبعه ببطلان اشتراط التحقق من علم الناطق بالشهادتين بمدلولهما لقبول إسلامه، أو اشتراط أي عمل آخر للحكم بإسلام العبد سوى النطق بالشهادتين، وذكر الأدلة على ذلك من السنة، وأن هذا لا يتعارض مع تكليفه بعد النطق بالشهادتين بأعمال وشرائع أخرى.

ثم ذكر أن المعالنة بالمعاصي وشيوعها في واقع حياة الناس اليوم لا يجيز تكفير الناس بالجملة، إلا إن ثبَت في حقِّ شخصٍ مُعيَّن أنه ارتكب عملًا أو قال قولًا مُخرجًا من الإسلام.

قال: (ونحن لا نقول بأن من نطق بالشهادتين فإنه يلزمنا الحكم بإسلامه أيًّا ما قال أو عمل بعد النطق بهما، ونحن لا نقول أبدًا أن المسلم لا يرتد إلى الكفر مهما قال أو عمل.

فمما لا شك فيه أن شريعة الله قد حددت أقوالا وأعمالا إذ قالها المسلم أو عملها خرجت به من الإسلام وارتد بها إلى الكفر.

والذي نقول به إن تلك الأقوال والأعمال قد حددها الله عز وجل ووضحها الرسول عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نزيد فيها أو ننقص منها.

كما أن شريعة الله ليس فيها ما يبيح لنا إذا ما شاعت تلك الأقوال والأفعال في مجموع من الناس أن نرميهم جملة بالخروج عن دين الإسلام ما دامت شعائر الإسلام من أذان وصلاة وصيام وحج متعالنين بها بينهم، وليس لنا أن نظن بكل فرد منهم، لم نتيقن من حاله على وجه التحقيق، أنه خرج عن الإسلام بل هو على ظاهره حتى يقوم الدليل الشرعي المقبول على أنه هو بذاته قد قال قولا أو أتى عملًا ارتدَّ به إلى الكفر). (ص36).

ثم ذكر بطلان قول من يكفر مرتكب الكبيرة، وذكر بعض استدلالاته من السنة وردَّ عليها، واعتمد في بعض ذلك على «المحلى» لابن حزم، وذكر اتفاق أهل السنة على عدم تكفيره، ونقل في ذلك كلامًا للطحاوي في عقيدته، ولابن حزم، وللنووي، ولابن بطال، ولمحمد بن إسماعيل الأصبهاني. والنقول الثلاثة الأخيرة من «شرح النووي على مسلم».

والفصل الثالث في معاني الجحود والكفر والشرك والردّة والنفاق، ذكر فيه بعض القواعد في التكفير، وذكر استحقاق المرتدّ القتل، وذكر الاختلاف في التكفير ببعض الأعمال كترك الصلاة، ثم نقل نقلًا طويلا من «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز عند قول الطحاوي: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه)، ثم ذكر كلامًا في تعريف النفاق وروده في السنة بمعنى غير معنى الكفر، واعتمد في ذلك على «تفسير القرطبي» وعلى «الرسالة» للشافعي.

والفصل الرابع والخامس في الحاكمية وأن عقيدتنا : (إن الحكم إلا لله)، بين فيه عدم ورود لفظ الحاكمية في القرآن أو السنة، وأن الأحكام الشرعية تؤخذ من الكتاب والسنة لا من مصطلحات يضعها الناس أيًّا كانوا.

قال: (ثم نقول للذين قالوا: إن الحاكمية هي من مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله أو ومن كون الربوبية لله تعالى دون غيره إن عنيتم بهذا أن لله تعالى مطلق السلطان ومطلق الأمر يحكم ويشرع كما يشاء، وقت ما يشاء، فإذا حكم الله تعالى أو أمر أو شرع لزمتنا طاعته، وكان أمره الحق المطلق، والعدل المطلق، والإنصاف الكامل الشامل، فإنا وإياكم على صراط مستقيم، ولا خلاف بين أحد المسلمين في ذلك.

ولا خلاف أيضًا أن من زعم لنفسه – بعد بلوغ الحق إليه وقيام الحجة عليه- حق التشريع المطلق، وأنه يستمد سلطانه بذلك من ذات نفسه، وأن تشريعه واجب الطاعة كتشريع الله، وأمره واجب الطاعة كأمر الله، فإنه يكون قد جعل نفسه ندًا لله تعالى وشريكًا له.

وإن كنتم تعنون: أن ليس لأحد أن يقول هذا عند الله حرام، أو هذا عند الله حلال بغير سند من الله، فنحن نوافقكم على ذلك وتلك هي عقيدتنا لأن القائل: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا فرض، وهذا نهي، بدون سند من الله= إنما يقول على الله ما لا يعلم، وهذا هو الكذب على الله، وقد نهانا الله عنه قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} [النحل: من الآية 116].

وإن كنتم تعنون بالحاكمية أن أحدًا لا يملك من نفسه أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل لله فهذا أيضًا ما نعتقده ونقره ونؤمن به، ونقول عن من بلغه الحق وقامت عليه الحجة ثم اعتقد أو قال إنه يملك أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، فقد جعل نفسه ندًا لله، وهو كافر مشرك بلا خلاف.

وإن كنتم تعنون أن الناس يتعين عليهم الاعتقاد أن أحدًا – بغير إذن من الله – لا يملك أن يحرم عليهم ما أحله الله لهم، أو أن يحل لهم ما حرم الله عليهم، وأن من اعتقد جواز ذلك – ولو لم يعمل به فإنه يكون قد اتخذ ربا من دون الله وجعل مع الله إلهًا آخر، فتلك هي عقيدتنا التي لا نتشكك في صحتها أبدًا، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ} [الشورى: من الآية 21]، وعن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي عنقي صليب من ذهب، قال: (يا ابن حاتم ألق هذا الوثن من عنقك)، فألقيته ثم افتتح سورة براءة حتى بلغ قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ}، فقلت يا رسول الله ما كنا نعبدهم، فقال – صلى الله عليه وسلم – (كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه) قلت: بلى، قال: (فتلك عبادتهم).

وإن كنتم تعنون من قولكم إن الحاكمية لله وجوب الاعتقاد بلزوم الرد عند التنازع في الحكم على شيء أوفى من الأمور إلى شريعة الله دون غيرها، وأن من اعتقد – بعد قيام الحجة عليه – بوجوب الرد إلى غير شريعة الله التي بلغته، أو بعدم لزوم الرد إليها، ولو لم يفعل شيئًا، ولو لم يتحكم فعلا، فإنه يكون مشركًا كافرًا جاحدًا أمر الله الذي بلغه، وأن من جهر حرًا مختارًان بأنه يريد التحاكم إلى غير شريعة الله التي بلغته ليعرف ما هو حلال وما هو حرام وما هو فرض عليه وما هو منهي عنه، أو ماله من حق وما عليه من واجبات فإنه يكون قد أعلن عقيدته الفاسدة وأنه يفضل تلك الشريعة التي يريد التحاكم إليها على شريعة الله تعالى التي بلغته، وأنه يكون بذلك قد جحد شريعة الله تعالى التي بلغته فهو كافر ومشرك، ولا شأن لنا بما في قلبه، لأن من جحد بلسانه شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به، في غير إكراه فقد كفر وأشرك وارتد عن الإسلام – فتلك أيضًا هي عقيدتنا التي لا نحيد عنها بحول الله أبدًا، لقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: الآية 65]، ولقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ} [النساء: من الآية 59]، ولقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: الآية 51]). [ص75-76].

ثم ذكر أن إذن الله للبشر أن يضعوا بعض القوانين التنظيمية، مثل قوانين تنظيم المرور، لا يعارض ما تقدّم.

ثم ذكر بعض الأعذار التي يعذر بها بعض الناس في عدم قيامهم بالشرائع، وهي الجهل والخطأ والتأويل والإكراه.

ثم فصل في قضية الإعذار بالجهل في الفصل السادس ونقل فيه كلامًا طويلًا من كتاب «الفصل» لابن حزم في قضية الإعذار بالجهل. وختمه بالرد على من قال إن البيعة ولزوم الجماعة من شروط الإيمان. وفي الفصل السابع ناقش اعتراضين حول قضية الإعذار بالجهل والإكراه، الأولى: استدلالهم بقوله تعالى: }ذلك بأنهم قوم لا يعلمون{، والثانية: استدلالهم بحكم الله تعالى بعقوبة بعض المستضعفين من الكفار مع كونهم مستضعفين.

والفصل الثامن عنوانه (الطاعة والاتباع) رد فيه على من يقول إن طاعة الحاكم بغير ما أنزل الله تكون كفرًا بإطلاق، وأن من شرب الخمر في بلد لا عقوبة فيه على شرب الخمر يكفر، لأنه يكون قد اتبع القانون الوضعي الذي يبيح شرب الخمر. وذكر استدلالتهم في ذلك وتعقبها.

قال: (والذي يعتقد أن الآمر له لا يملك تبديل شريعة الله وأن أمره على خلاف شريعة الله باطل لا يحرم ما أحل الله ولا يحل ما حرم الله، وأنه إن عمل بمقتضى أمر ذلك الآمر فإنه يكون عاصيًا لله تعالى فعمله بمقتضى أمر ذلك الآمر أو المفتي لا يكون له متبعًا بالمعنى الشرعي ولا متخذًا له ربًا من دون الله تعالى([12]).

يستثنى من ذلك الأعمال التي ورد بشأنها نص بأن فاعلها ينتفي عنه اسم الإيمان دون نظر إلى نيته وعقيدته رغم نطقه بالشهادتين). (ص122).

والفصل التاسع بعنوان الحكومة الإسلامية أو الإمام الحقّ ومعنى السمع والطاعة، قرر فيه أولا وجوب نصب الإمام، وأدلة ذلك، وغاية الإمامة، وأنها حراسة الدينا وسياسة الدنيا، نقل في ذلك عبارة الماوردي ، وذكر شروط الإمام. واعتمد في ذلك اعتمادًا كبيرًا على كتاب «النظريات السياسية الإسلامية» للدكتور محمد ضياء الدين الريس، وعلى مراجع هذا الكتاب.

واقتبس المؤلف في هذا الفصل نصًّا من كلام الأستاذ حسن البنا في «رسالة المؤتمر الخامس»، فقال: (ولذلك فإن فكرة الخلافة والعمل على إعادتها أصل نلتزمه، ونحن مع ذلك نعتقد أن ذلك يحتاج إلى الكثير من التمهيدات التي لابد منها وأن الخطوات المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات). (ص137).

وهذا النصّ لم يعزه للبنا، وهو في الرسالة المذكورة هكذا: (والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها, وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات..) ([13]).

ثم تكلم في مسألة السمع والطاعة ونقل كلامًا عن كتاب «الفصل» لابن حزم يقرر فيه اختلاف الصحابة وأئمة الأمصار في مسألة الخروج بالسيف.

ثم ردّ على من يقول إن التحاكم إلى الشريعة لا يكون إلا بإقامة حكومة إسلامية، وبنى على ذلك تكفير الناس ما لم تقم الحكومة الإسلامية.

يقول: (والحق أن إنفاذ حكم الله وإجراء الأحكام الشرعية - وليس التحاكم - هو الذي يقتضي ويوجب قيام الحكومة الإسلامية، وما ولي الأمر المسلم أو الحكومة الإسلامية، إلا تلك التي تنفذ أحكام الله تعالى وتجري الأحكام الشرعية على العباد.

فنحن إذ نحتكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام نعرفُ أنَّ السرقة حرام وأن السارق والسارقة حكم الله فيهما أن يعاقبا بحدٍ معين هو قطع اليد، وهذا الاحتكام يتم سواء وجدت الحكومة الإسلامية أم لا، ولكن لابد حتى ينفذ حكم الله في السارق والسارقة من وجود السلطة العامة بين أمة المسلمين التي تقوم بإنفاذ تلك العقوبة المحددة في الشريعة.

فالاحتكام إلى شريعة الله والرضاء بما يحكم به اله تعالى ورسوله: قضية، وإنفاذ حكم الله تعالى الذي يعرف نتيجة الاحتكام: قضية أخرى). (ص148-149). وهذا تفريق حسن.

ثم تكلم في قاعدة المعلوم من الدين بالضرورة، وفي مذاهب الناس في حقيقة الإيمان؛ نقل ذلك عن «شرح الطحاوية» لابن أبي العز. وتكلم في تأويل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

والفصل العاشر بين فيه أن الكفر بالطاغوت الذي فرضه الله على عباده لا يلزم منه تكفيره. ورد على من ادعى التلازم.

والفصل الحادي عشر ردّ فيه على من ادعى وجوب اطراح الفقه القديم، والأخذ من القرآن مباشرة. ونقل فيه كلامًا لابن حزم من «الإحكام»، وكلامًا للشهرستاني المتكلّم من «الملل والنحل» في شروط الاجتهاد.

5- تأثير الكتاب:

التأثير الأساسي لهذا الكتاب كان داخليًّا في جماعة الإخوان، بل على مجموعة السجناء الذين وضع الكتاب من أجل معالجة ظاهرة الغلو في التكفير التي نشأت بينهم؛ فيذكر سالم البهنساوي أن كثيرًا من تبنوا فكر الغلو في التكفير رجعوا عن أقوالهم بعد قراءة هذه الأبحاث([14]).

ويذكر محمد بديع المرشد العام الحالي لجماعة الإخوان المسلمين أنه أحد أربعة نسخوا هذا الكتاب([15]).

والمقالات المنقودة في هذا الكتاب - كما تقدّم – على ضربين: إما أن يكون قد صرح باسم صاحبها، وهو أبو الأعلى المودودي، في موضع واحد، وفي موضع آخر نُقِد فَهمٌ فُهِمَ من كلامه، أو أن تكون من المقالات التي شاعت في السجون والتي فيها تكفير لعامة الناس - كما تقدّم – ولم يصرح باسم أصحابها.

والضرب الأول نقل أبو الحسن الندوي كلام الهضيبي فيه في ردّه على أبي الأعلى المودودي الذي سمّاه «التفسير السياسي للإسلام في مرآة كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب»([16]) وصدّر النقل الأول بقوله: (تحليل وتعليق بقلم العالم المصري والمرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي: يقول المرحوم الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي الذي عين مرشدًا عامًّا للإخوان المسلمين بعد الإمام الشهيد حسن البنا، باتفاق أعضاء الجماعة، وقد اتفقت كلمتهم على غزارة علمه وصلاحه وإخلاصه وفهمه الديني وعزيمته واستقامته .. في كتابه دعاة لا قضاة الذي صدر حديثًا في القاهرة) ([17]).

أما الضرب الثاني: فلم تكن هذه المقالات في مجملها من المقالات التي أثير حولها الجدل لاحقًا، بل صارت مهجورة. وهي أقرب ما تكون من مقالات جماعة التكفير والهجرة، وليست مطابقة لمقالات جماعة من جماعات الغلو التي نشأت بعد ذلك. ولذلك نجد ضعف حضور هذا الكتاب في السجالات التي أثيرت في فترة الثمانيات أو التسعينات أو بعدها في مسائل الإيمان والكفر.

ومما يشار إليه؛ أن الكلمة التي وردت (ص46) من الكتاب، وهي قول المؤلف: (أقيموا دعوة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم)، صارت كلمةً مشهورةً، يُستَشهد بها. وقد استحسنها الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين([18]).

والملاحظة الأخيرة التي يمكننا لفت الانتباه إليها: هي أن هذا الكتاب الصادر عن مدرسة الإخوان المسلمين استعمل فيه مسلك لم يكن مشهورًا لدى هذه المدرسة، وهو مسلك الجدل التفصيلي، ولعل ما يفسّر ذلك هو أن الغلو في التكفير قد بات في تلك اللحظة التي كتب فيها الكتاب خطرًا على الجماعة لم يكن بدٌّ من مواجهته بهذا المسلك.



([1]) الطبعة المعتمدة هي التي نشرتها جماعة الإخوان المسلمين بمصر سنة 1977م عن دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع.

([2]) انظر «الحكم وقضية تكفير المسلم» لسالم البهنساوي (ص11-25)، و«شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر» له (ص259-265)، و«البوابة السوداء» لأحمد رائف (ص333-405)، «الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو: جماعة المسلمين» لمحمد سرور زين العابدين.

([3]) حوار مع علي جريشة منشور في موقع الإخوان المسلمين بعنوان: «المستشار جريشة ينقض اتهامات سيد قطب بالتكفير».

([4]) حوار منشور على موقع إسلام أون لاين.

([5]) «سالم البهنساوي: مناهض التكفير والتغريب» مقال لأمل خيري منشور في موقع الإخوان المسلمين في الشبكة.

([6]) «شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر» (ص264).

([7]) في الحلقة الأخيرة من لقائه مع أحمد منصور في برنامج «شاهد على العصر».

([8]) انظر حوار مع علي جريشة منشور في موقع الإخوان المسلمين بعنوان: «المستشار جريشة ينقض اتهامات سيد قطب بالتكفير»، وانظر ثناء شكري مصطفى على سيد قطب في «الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو: جماعة المسلمين» لمحمد سرور (ص386).

([9]) حوار معه منشور في موقع إسلام أون لاين.

([10]) «أيام من حياتي».

([11]) «الإخوان وعبد الناصر: القصة الكاملة لتنظيم 1965م».

([12]) يقول شيخ الإسلام: (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا؛ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل؛ فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله= مشركًا مثل هؤلاء. والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب) «مجموع الفتاوى» (7/70).

([13]) «مجموعة رسائل حسن البنا» (ص144).

([14]) «شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر» (ص264).

([15]) حوار مع قناة الجزيرة سنة 2010م.

([16]) (ص232-236)، (ص259-262).

([17]) «التفسير السياسي للإسلام» (ص232-233). وكتاب الندوي كان قد صدر سنة 1978م وكتاب الهضيبي صدر قبله بسنة 1977م.

([18]) انظر«التحذير من فتنة الغلو في التكفير» (ص74).