1- ظروف تأليف الكتاب:

مؤلف هذا الكتاب شخصية مصرية كان لها حضور في الساحة السياسية والأدبية في الفترة الملكية وفترة الاحتلال الانجليزي لمصر، ثم في ثورة 1952م وتأسيس الجمهورية، وقد مر المؤلف بتحولات وتنقلات، وتوزعت كتبه ومقالاته التي خلّفَها على تلك المراحل.

يقول في عرض تلك المراحل صديقه الأستاذ أبو الحسن الندوي الهنديّ مُخبرًا بما حدّث المؤلف به في مجلس جمع بينهما في القاهرة سنة 1951م: (وذكر الأستاذ مراحل حياته، وكيف وصل إلى العقيدة الإسلامية أو الإيمان بالإسلام من جديد، وذكر كيف نشأ على تقاليد الإسلام في الريف وفي بيته، ثم انتقل إلى القاهرة فانقطعت كل صلة بينه وبين نشأته الأولى، وتبخرت ثقافته الدينية الضئيلة، وعقيدته الإسلامية، ومرَّ بمرحلة الارتياب في الحقائق الدينية إلى أقصى الحدود، ثم أقبل على مطالعة القرآن لدوافع أدبية، ثم أثر فيه القرآن وتدرج به إلى الإيمان، وكيف أثّرت فيه كتب السيرة)[2].

ثم إن المؤلف اتصل بجماعة الإخوان المسلمين القائمة في مصر سنة 1953م، وقد كانت له انتماءات سياسية في المراحل السابقة من حياته، فكان عضوًا في حزب الوفد المصري الذي أسسه سعد زغلول ما يزيد على سبعة عشر عامًا، وتركه سنة 1942م، ثم انضم لحزب السعديين، وبقي فيه إلى سنة 1945م[3].

وهذه المرحلة الأخيرة التي انضم فيها المؤلف لجماعة الإخوان المسلمين كانت قد توترت فيها علاقتهم بجمال عبد الناصر، بعد قيام ثورة 1952م، وعندما بدأ عبد الناصر بالبطش بالجماعة اعتقل سيد قطب في المرة الأولى منذ سنة 1954م وحتى سنة 1964م، وبعد خروجه من السجن تولى قيادة التنظيم الإخواني الجديد الذي أُنشأ بعد حل جمال عبد الناصر لجماعة الإخوان، واعتقل على أثر ذلك مرَّةً أخرى سنة 1965م، ثم قُتِل شنقًا بحكمٍ قضائيٍّ وضعيٍّ سنة 1966م.

والكتاب الذي بين أيدينا هو من الكتب التي ألفها سيد في هذه المرحلة من حياته، أي بعد انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين، وكان ذلك في حبسته الأولى، ويذكر العارفون بالمؤلف أنه حصل له في تلك الحبسة تغيير في فكره وآرائه، وأن ما كتبه المؤلف بعد هذا التغيير الأخير، الذي سبقته عدة تنقلات، يمثل الفكر النهائي للمؤلف، والذي مات وهو راضٍ عنه.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي : (حدثني الأخ د. محمد المهدي البدري أن أحد الإخوة المقربين من سيد قطب -وكان معه معتقلا في محنة 1965م- أخبره أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله، قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة: «المعالم»، والأجزاء الأخيرة من «الظلال»، والطبعة الثانية من الأجزاء الأولى، و«خصائص التصور الإسلامي ومقوماته»، و«الإسلام ومشكلات الحضارة»، ونحوها مما صدر له وهو في السجن، أما كتبه القديمة فهو لا يتبناها، فهي تمثل تاريخًا لا أكثر.

فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذن أنت كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك. قال سيد رحمه الله: نعم، غيرت كما غير الشافعي رضي الله عنه. ولكن الشافعي غير في الفروع، وأنا غيرت في الأصول!).

يقول القرضاوي: (فالرجل يعرف مدى التغيير الذي حدث في فكره، فهو تغيير أصولي أو إستراتيجي كما يقولون اليوم)[4].

ويقول أحمد عبد المجيد: (حدث تغيير في أفكار سيد قطب، فعندما كان في مستشفى ليمان طرة، طلب من أسرته كتب الشهيد حسن البنا، والأستاذ أبو الأعلى المودودي، فبدأ يتنبه إلى أمور كانت غائبة عنه، خاصة في ضرورة التركيز على موضوع العقيدة، ثم بدأ يطلب كتب ابن تيمية وابن القيم، وبدأ التغير في تفكيره وكتاباته، وظهر ذلك جليًّا في الطبعة الثانية من «الظلال»، بدءًا من الجزء (13) والأجزاء الأخيرة، وكتاب «خصائص التصور الإسلامي»، و«مقومات التصور الإسلامي» و«معالم في الطريق»)[5].

وفي بيان ظروف كتابة هذا الكتاب تقول زينب الغزالي بعد أن ذكرت استشارتها للمؤلف بواسطة أخته في فترة سجنه حول الكتب التي ينصح بقراءتها: (وأعطتني ملزمةً من كتاب قالت: إن سيد يعده للطبع، واسمه «معالم في الطريق»، وأن سيد قطب قد ألفه في السجن، وقالت لي شقيقته: إذا فرغتم من قراءة هذه الصفحات سآتيكم بغيرها .

وعلمتُ أن المرشد – حسن الهضيبي - اطلع على ملازم هذا الكتاب، وصرح للشهيد سيد قطب بطبعه، وحين سألته قال لي: على بركة الله، إن هذا الكتاب حصر أملي كله في سيد، ربنا يحفظه، لقد قرأته وأعدت قراءته، إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن إن شاء الله.

وأعطاني المرشد ملازم الكتاب فقرأتها، فقد كانت عنده لأخذ الإذن بطبعها، وقد حبست نفسي في حجرة بيت المرشد حتى فرغت من قراءة «معالم في الطريق»)[6].

وكلام زينب الغزالي يدلّ على أن الكتاب أُلِّف في السجن، وأنه كان متداولًا قبل طباعته بين أفراد من جماعة الإخوان، وأن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت كان قد اطلع عليه وأثنى عليه قبل نشره.

والسؤال عن تأثير الحبس والتعذيب على آراء المؤلف التي أبداها في الكتاب سؤال مطروح لدى المتابعين والمهتمين[7].

وقد نُشرت الطبعة الأولى للكتاب سنة 1964م عن مكتبة وهبة، أي قبل إعدام المؤلف بسنتين، وهو آخر ما طبع للمؤلف في حياته.

وقد كتب أحد الناصريين يقول: (عندما طبع كتاب معالم في الطريق لأول مرة كان هناك اعتراض على طبعه، بل إنه منع، وعندما قرأ عبد الناصر مسودته اتصل بالمسؤولين مؤكدًا أنه لا مانع من نشره)[8].

وقد أعيد طبع الكتاب بعد صدوره خمس مرات خلال ستة أشهر، إلا أنه صودر مرة أخرى[9].

2- غاية الكتاب:

يوضح المؤلف غايته من تأليف الكتاب تمام الإيضاح في مقدمته، وينطلق في ذلك من تقرير أن البشرية اليوم تقف على الهاوية، وأنها تحتاج للإسلام ليقودها من جديد، وأنه لتحقيق ذلك لا بُد من إعادة وجود الأمة الإسلامية، فهو يرى أن المجتمعات المعاصرة مجتمعات جاهلية بأسرها، ولإعادة وجود الأمة لا بُدَّ من عملية بعث وإحياء تقوم بها ما أسمها الطليعة، وهذه الطليعة لها احتياجات فكرية يسميها المؤلف معالم في الطريق. فهو إذًا كتب كتابه لتلبية هذه الاحتياجات لهذه الطليعة. يقول المؤلف في وصف هذه الاحتياجات: (ولابد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من «معالم في الطريق» معالم تعرف منها طبيعة دورها ، وحقيقة وظيفتها ، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة، كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعًا، أين تلتقي مع الناس وأين تفترق؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها ؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها ؟ ثم تعرف من أين تتلقى – في هذا كله – وكيف تتلقى ؟). (ص12).

وقد تكون عبارة: (كيف نواجه الجاهلية؟) هي التي تدور حولها جُلُّ معاني الكتاب.

والطليعة التي يخاطبها المؤلف يبدو أنه لا يراها قائمة في عالم الناس وقت تأليف الكتاب، وهو يصفها بـ(الطليعة المرجوة المرتقبة).

يقول الدكتور جعفر شيخ إدريس: (إن الكاتب يدعو إلى حركة جديدة، حيث يسمي الذين يبدؤونها بالطليعة، مع أنه كان حين كتب هذا الكتاب منتميًا فعلًا إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان معه في السجن آلاف من أعضاء هذه الجماعة التي كان رئيسًا لتحرير جريدتها، والتي طالما كان يتحدث عن أهميتها وفضائلها ومنجزاتها.

يذكر الكاتب عليه رحمة الله في كلماته الأخيرة التي كانت تنشرها جريدة المسلمون اللندنية: أنه عمل لتكوين جماعة تكون امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين التي حلها عبد الناصر وسجن أعضاءها، ولكن لماذا اعتبر الجماعة قد انتهت بقرار الحل؟ وإذا كان قد انتهت تنظيمًا فإن أفرادها ما زالوا موجودين، فلماذا الدعوة إلى حركة جديدة كل الجدة؟!

أظن أن تفسير هذا الأمر المستغرب موجود في قضية المنهج، أظن أن سيداً كان يرى أن الجماعة الوحيدة التي يمكن أن تعيد بعث الأمة الإسلامية هي الجماعة التي تتبع المنهج الذي ذكره، وإذا كان هذا المنهج يريد منها ويمكنها أن تكون كجيل الصحابة؛ فإنها تكون فعلاً جماعة جديدة لا تماثلها جماعة الإخوان المسلمين، ولا أي جماعة في تاريخ الإسلام بعد جماعة الصحابة رضوان الله عليهم)[10].

3- موضوع الكتاب:

في سبيل تحقيق تلك الغاية التي قصدها المؤلف: (كيف نواجه الجاهلية؟)؛ فإنه جعل موضوع الكتاب في شطر منه النظر في بعض الظواهر التاريخية التي وقعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ليحدد منها كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الجاهلية، وإنشائه المجتمع الإسلامي، كما نظر في فصل منه في قصة من القصص القرآني هي قصة أصحاب الأخدود، ويبدي بعض التأملات من خلال النظر في ما يسميه (طبيعة هذا الدين).

ويقدم المؤلف في كتابه النصائح والتوجيهات لمن يسميهم أصحاب الدعوة الإسلامية بناء على ما يستنتجه من النظر في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للناس، أو النظر في ما يسميه (طبيعة هذا الدين).

ويقرر المؤلف في الكتاب جملة من المفاهيم كمفهوم الجاهلية والمجتمع الجاهلي ( وقد تكرر لفظ الجاهلية والجاهلي في الكتاب أكثر من ستين مرّة)، والمجتمع الإسلامي، ومفهوم الحاكمية، والحضارة، واستعلاء الإيمان.

4- طريقة المؤلف في الكتاب وموارده:

قسم المؤلف كتابه إلى اثني عشر فصلًا، ووضع عنوانًا لكل فصل، وأربعة من هذه الفصول أخذها من كتابه «في ظلال القرآن» مع التعديل، وذكر أن هذه الفصول هي المجموعة الأولى من المعالم. لكنه قتل بعد مدة قليلة ولم يصدر له غيرها.

يقول المؤلف في المقدمة في وصف فصول كتابه: (منها أربعة فصول مستخرجة من كتاب «في ظلال القرآن» مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب «المعالم»، ومنها ثمانية فصول - غير هذه التقدمة - مكتوبة في فترات حسبما أوحت به اللفتات المتوالية إلى المنهج الرباني المتمثل في القرآن الكريم، وكلها بجمعها - على تفرقها - أنها معالم فى الطريق، كما هو الشأن في معالم كل طريق ! وهي في مجموعها تمثل المجموعة الأولى من هذه المعالم، والتي أرجو أن تتبعها مجموعة أخرى أو مجموعات ، كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق!). (ص13).

والمؤلف يستعمل أسلوب التأمل والاستنتاج أحيانًا في إيضاح ما يقصد إيضاحه من أفكار، ثم يستعمل أسلوب التوجيه والأمر في خطابه لمن يسميهم أصحاب الدعوة الإسلامية إذا أراد إيضاح معلم من معالم الطريق لهم.

أما موارد الكتاب، فيذكر أبو الحسن الندوي تأثر المؤلف بأبي الأعلى المودودي وإعجابه في ما قرره بخصوص معنى العبادة والإله، وهذا تأثر محوري في الكتاب، إذ هو مبني على تصور محدد لمعنى الإلوهية والعبودية.

يقول الندوي: (وقد أُعجِب الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب الشهيد، وهو صديق المؤلف العزيز، إعجابًا شديدًا بكتاب الأستاذ المودودي «المصطلحات الأربعة في القرآن» ووافقه كل الموافقة في الآراء والأفكار التي يتضمَّنُها، وقد جعل الحاكمية أخصّ خصائص الألوهية، وكتاباته تقلل من شناعة عبادة الأصنام والأوثان وعبادة غير الله في الجاهلية؛ لأنه يعتبرها صورة ساذجة بدائية للجاهلية الأولى)[11]. ثم نقل نصوصًا من هذا الكتاب.

وقد عزا المؤلف في موضع واحد إلى أحد كتب المودودي صراحةً. (ص53).

أما المودودي نفسه فقد اطلع على الكتاب بعد صدوره وقال في وصفه: (إن ما ورد في كتاب «معالم في الطريق» هو نفس ما أراه، بل كأنني الذي كتبته، فقد عبّر عن أفكاري بدقّة)[12].

وليس في الكتاب نقول من كلام العلماء سوى نقل واحد عن ابن القيم من كتابه «زاد المعاد» في بيان مراحل تشريع الجهاد.

وفي الكتاب مادة نقدية قليلة لتصورات بعض الإسلاميين في العصر الحاضر، كنقده لمن يسميهم المهزومين أمام ضغط العصر الحاضر والاستشراق الماكر، وهم الذين يفسرون الجهاد على أنه دفاعي فقط، وهذا الاتجاه يمثله محمد عبده ومدرسته[13]، وانتقد من يشبه أنظمة الإسلام بالأنظمة الجاهلية كمن يقول (اشتراكية الإسلام)، (وديمقراطية الإسلام).

5 - عرض إجمالي لفصول الكتاب:

الفصل الأول من الكتاب تحدّث فيه المؤلف عن ظاهرة تاريخية أسماها (الجيل القرآني الفريد) ويقصد بها: تفرد جيل الصحابة رضي الله عنهم في تاريخ الإسلام وتاريخ البشرية وعدم تكراره، يقول: (لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جميعه، ثم لم - تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى). (ص14).

ويحلل المؤلف هذه الظاهرة بقصد الاستفادة من ذلك في تحقيق غاية الكتاب وهي إيضاح ما يسميه معالم الطريق، ويُبيِّن أولًا أن سببها لا يرجع إلى غياب شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما إلى عدة أسباب:

السبب الأول: اختلاف النبع الذي كان يستقي منه جيل الصحابة عن الأجيال التالية، (كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو القرآن؛ القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع). (ص15). يقول: (اختلطت الينابيع؛ صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا، وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا). (ص17).

والسبب الثاني الذي يذكره المؤلف: هو ما يسميه اختلاف منهج التلقي، ويشرح ذلك بقوله: (إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول، ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه، وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملاً أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد). (ص19).

والسبب الثالث: هو ما سماه ممارسة الرجل من الجيل الأول للعزلة الشعورية بينه وبين المجتمع الجاهلي، والتخلص من ضغوط التصور الجاهلي وأعرافه وروابطه.

وبعد أن حدد المؤلف أسباب انفراد الجيل الأول وتميزه، صار إلى المقصود من الفصل، وهو إيضاح معلم من معالم الطريق التي ينبغي لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يلتزموها، وهو أنهم يحتاجون إلى تحقيق تلك الأوصاف التي امتاز بها ذلك الجيل، لأنه بدون تحقيق تلك الأسباب لن ينشأ جيل كجيل الصحابة، وضرورة نشأة جيل كجيل الصحابة يرجعها المؤلف إلى كون الحالة التي يعيشها المسلمون اليوم كالحالة التي نشأ فيها الجيل الأول، وهي الجاهلية.

وبعد إدراك مقصود المؤلف من هذا الفصل، يمكن أن يقال: إن ظاهرة انفراد جيل الصحابة التي يحللها المؤلف يبحث فيها في تحليل الانفراد من جهة محددة: هي انفراد ذلك الجيل في قدرته على مغالبة الجاهلية وإزالتها، ولا يبحث المؤلف في انفراد جيل الصحابة من جهات أخرى لا تتصل بهذه الجهة، ذلك أن الإشكالية الحقيقية التي يبحث فيها المؤلف هي كيفية تغيير ما يسميه بالجاهلية في هذا العصر، ولذا قال في سياق كلامه في كيفية تحقيق الأوصاف التي امتاز بها الصحابة: (إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع، مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه، هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش). (ص22).

والفصل الثاني من الكتاب بعنوان (طبيعة المنهج القرآني) تحدّث فيه المؤلف عن ظاهرة أخرى، وهي حديث القرآن في الفترة المكية عن قضية العقيدة، وبدؤه بها، ويركز المؤلف على جهة الخصوص على حديث القرآن عن قضية الألوهية والعبودية.

ويحلل المؤلف هذه الظاهرة بأن المجتمع لا يكون مؤهلا لحمل الأمانة الكبرى وهي أمانة العقيدة وأمانة السلطان الذي يقام به شرع الله إلا بالبدء من الدعوة إلى العقيدة، يقول: (وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، أو دعوة اجتماعية، أو دعوة أخلاقية، أو رفعت أي شعار جانب شعارها الواحد: (لا اله إلا الله)). (ص35).

ويتحدث المؤلف عن ظاهرة أخرى في هذا الفصل، وهي ظاهرة عدم التطرق في القرآن المكي الى تفصيلات النظام الذي يقوم على قضية الاعتقاد، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها، ويرجع ذلك إلى أسباب تتعلق بطبيعة هذا الدين – بحسب تعبيره-، الأول: إنه دين يقوم كله على القاعدة الألوهية الواحدة، كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير، فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان، وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس- فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له، وهكذا أبطلت الخمر، وابطل الربا، وابطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها). (ص36-37).

والسبب الثاني المتعلق بطبيعة هذا الدين أيضًا يقول فيه: ( إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد، جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره؛ يقره، أو يعدله، أو يغيره من أساسه، ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده..

إنه ليس(نظرية) تتعامل مع(الفروض)!، انه(منهج)، يتعامل مع (الواقع)! فلا بُدَّ أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا اله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله، ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة، إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولاً، إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه، ليشرع له، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه). (ص38-39).

وبعد أن فَسَّر المؤلف هذه الظاهرة؛ استنتج منها معلمًا آخر من معالم الطريق الذي ينبغي لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يلتزموها، فقال: (ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو(أولًا) إقرار عقيدة(لا إله إلا الله)- بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم..

ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة). (ص40).

ويقول: (ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية أن يرفضوا السخرية الهازلة في ما يسمى (تطوير الفقه الإسلامي) في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله ورفضه لكل شريعة سواها، من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد .. التلهية باستنبات البذور في الهواء .. وأن يرفضوا هذه الخدعة الخبيثة!). (ص50-51).

ويتحدث المؤلف في هذا الفصل عن قضية أخرى؛ وهي الطريقة القرآنية في معالجة قضية العقيدة في الفترة المكية؛ يقول: (كان القرآن، وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة، يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها هي وأخلاقها وواقعها.. ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة (نظرية) وفي صورة (لاهوت)، ولا في صورة (جدل كلامي) .. ولكن في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها..). (ص43).

ثم يذكر معلمًا من معالم الطريق ينبغي أن يلتزم به أصحاب الدعوة الإسلامية فيقول: (وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيّنّاه. ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة، لم تكن مرحلة تلقِّي (النظرية) ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معًا، وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى.

.. يجب أن ندرك خطأ المحاولة وخطرها معًا، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي تحب أن تتمثل في واقع نَامٍ حي متحرك، وفي تجمع عضوي حركي؛ تحويلها عن طبيعتها هذه إلى (نظرية) للدراسة والمعرفة الثقافية، لمجرد أننا نريد أن نواجه النظريات البشرية الهزيلة بـ (نظرية إسلامية)). (ص43-45).

والفصل الثالث من الكتاب بعنوان (نشأة المجتمع الإسلامي وخصائصه)، يتحدث فيه عن كيفية إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي، ومواجهته الجاهلية في وقته.

ويبين أولًا أمرين: الأول: أن مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم للجاهلية كانت بـ(بإخراج العباد من سلطان العباد في حاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شؤون الحياة). (ص52-53).الثاني: أن الجاهلية التي واجهها النبي صلى لله عليه وسلم : (لم تكن ممثلة في (نظرية) مجردة. بل ربما أحياناً لم تكن لها (نظرية) على الإطلاق! إنما كانت متمثلة دائما في تجمع حركي. متمثلة في مجتمع، خاضع لقيادة هذا المجتمع، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته. هو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك ـ بإرادة واعية او غير واعية ـ للمحافظة على وجوده، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في اية صورة من صور التهديد). (ص54).

ثم يبني على هذا أن مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم للجاهلية لم تكن بنظرية مجردة، وإنما بتجمع حركي عضوي، لتكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي، يقول: (لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تَجمُّع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى.. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه، وان يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله صلى الله عيه وسلم). (ص56).

والمعلم من معالم الطريق الذي يستنتجه المؤلف من نظره في كيفية إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع الإسلامي ومواجهته للجاهلية أنه: (هكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة اخرى، ولا سبيل لإعادة إنشائه في المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية). (ص57).

والفصل الرابع من الكتاب بعنوان (الجهاد في سبيل الله)، وهو أطول فصول الكتاب، يجعل فيه المؤلف ما ذكره في الفصل السابق من أن طبيعة الجاهلية أنها تجمع عضوي يواجه بتجمع عضوي وليس بنظرية= يجعله مفسّرًا لمقصود الجهاد وغايته وأهدافه في الإسلام.

يقول: (تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه . . تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ، تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات) (ص64). (وإذا كان البيان يواجه العقائد والتصورات، فإن الحركة تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية والتصورية والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة - وهما معًا - البيان والحركة - يواجهان الواقع البشري بجملته بوسائل مكافئة لكل مكوناته). (ص69).

ثم يقرر بناء على ذلك غاية الجهاد في الإسلام فيقول: (إن الإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارًا - بالفعل - في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم - بعد رفع الضغط السياسي عنهم ، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم -، ولكن هذه التجربة ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم، وأن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد! وأن يتخذوا بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله ! إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجبُ أن تكون قاعدتُه العبودية لله وحده، وذلك بتلقي الشرائع منه وحده، ثم ليعتنق كل فرد - في ظل هذا النظام العام - ما يعتنقه من عقيدة ! وبهذا يكون الدين كله لله، أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله). (ص71).

ويقول: (إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيء عليها زمانٌ تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام، إذا تركها الإسلام تزاول عبودية البشر للبشر داخل حدودها الإقليمية، ورضى أن يدعها وشأنها ولم يمد إليها دعوته وإعلانه التحريري العام! ولكن الإسلام لا يهادنها، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه في صورة أداء الجزية، ضمانًا لفتح ابوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها). (ص87).

وقد انطلق المؤلف في هذا الفصل كسائر الفصول السابقة من نظره في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأورد في هذا الفصل كلامًا لابن القيم من كتابه زاد المعاد يذكر فيه مراحل تشريع الجهاد.

وجعل المؤلف همه في هذا الفصل مجادلةَ من يُسمِّيهم المهزومين أمام ضغط الواقع الحاضر، وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر[14] = في موقفهم من تفسير الجهاد تفسيرًا دفاعيًّا.

يقول: (الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض، وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية للعباد، رماه المغتصبون لسلطان الله في الأرض ولم يسالموه قط، وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن الإنسان في الأرض ذلك السلطان الغاصب، حالة دائمة لا يقف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله لله). (ص76).

وثمة أمر تجدر الإشارة إليه في ما يتعلق بهذا الفصل[15]: وهو أن سيد قطب ينظر إلى الحالة المعاصرة على أنها جاهلية كالجاهلية التي عاش فيها الصحابة، ووضع هذا الكتاب لذكر معالم في الطريق لمن يسميهم أصحاب الدعوة الإسلامية ينبغي أن يلتزموا بها لمواجهة هذه الجاهلية وإعادة إنشاء المجتمع الإسلامي، إلا أنه لما تعامل مع قضيّة الجهاد في هذا الكتاب، وأورد نصّ كلام ابن القيم الذي لخّص فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد= تعامل معها تعاملًا نظريًّا صرفًا، ولم يذكر في هذا الفصل توجيهًا عمليًّا أو حركيًّا - بحسب تعبيره – يستخرجه من الهدي والسيرة النبوية، بناء على نظرته في تساوي الحالة المعاصرة والحالة السالفة من حيث اعتبار كل منهما جاهلية، كما فعل في الفصول السابقة، وما ذكره من توجيه - الذي هو معلم من معالم الطريق – هو توجيه نظري، متعلق ببيان غلط موقف من أسماهم المهزومين أمام ضغط العصر الحاضر والاستشراق الماكر، والحثّ على عدم وقوف هذا الموقف، يقول: (يجب ألا تخدعنا أو تفزعنا حملات المستشرقين على مبدأ الجهاد وألا يثقل على عاتقنا ضغط الواقع وثقله في ميزان القوى العالمية، فنروح نبحث للجهاد الإسلامي عن مبررات أدبية خارجة عن طبيعة هذا الدين، في ملابسات دفاعية وقتية، كان الجهاد سينطلق في طريقه سواء وجدت أم لم توجد!

ويجب ونحن نستعرض الواقع التاريخي ألا نغفل عن الاعتبارات الذاتية في طبيعة هذا الدين وإعلانه العام ومنهجه الواقعي، وألا نخلط بينها وبين المقتضيات الدفاعية الوقتية). (ص85-86).

والفصل الخامس من الكتاب بعنوان ( لا إله إلا الله.. منهج حياة)، يتحدّث فيه المؤلف عن مفهوم المجتمع المسلم، والمجتمع الجاهلي، ويتحدث فيه عن قضيتين أُخريين الأولى: منهج نشأة المجتمع المسلم، وهذه القضية سبق أن تحدث فيها في الفصل الثالث، لكنه يتحدث فيها هنا من حيثية أخرى، والقضية الثانية: منهج الإسلام في مواجهة واقع الحياة البشرية، وهذه القضية سيتحدّث عنها أيضًا في الفصول التالية.

يقول المؤلف في إيضاح مفهوم المجتمع المسلم: (إن السمة الأولى المميزة لطبيعة المجتمع المسلم هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله، هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمدًا رسول الله .

وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء). (ص94). ويقول: (وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود، لتخلف ركنه الأول، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله). (ص95).

ويقول في تعريف المجتمع الجاهلي: (إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده، متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية). (ص98).

ثم يقول : (وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا!). (ص98). ثم يذكر دخول المجتمعات الشيوعية، والمجتمعات الوثنية، والمجتمعات اليهودية والنصرانية، ثم قال: (يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة!

وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظامها، وشرائعها وقيمها، وموازينها، وعاداتها وتقاليدها . . وكل مقومات حياتها تقريبا!). (ص101).

أما المعلم من معالم الطريق الذي يوضحه المؤلف في كيفية نشأة المجتمع المسلم، فهو متعلق بالحيثية التي وضع الفصل من أجلها، وهي كون قضية العبودية بالمفهوم الذي شرحه هي الفاصل بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي، فيقول: (قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام ينبغي أن يتجه الاهتمام أولا إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يجتمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة، وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله، اعتقادا وعبادة وشريعة، هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم ، وينظم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل فيها العبودية لله وحده، أو بتعبير آخر تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله .

وهكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول . . وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم). (ص96-97).

والفصل السادس بعنوان (شريعة كونية) يتحدث فيه عن مسألة تدخل في ما يُسمِّيه التَّصوّر الإسلامي، ويعدها أساس التصور الإسلامي للوجود كله.(ص114). وهو بيان الغاية من إقامة الشريعة والعمل بها، فيذكر أن الغاية من ذلك ما يسميه تحقيق التناسق بين حياة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه، وتحقيق التناسق بين فطرة الإنسان وبين القوانين الظاهرة التي تحكمه بالإضافة إلى أن ذلك واجب لتحقيق الإسلام اعتقادًا. (ص111).

وقد سبق أن أشار المؤلف إلى الفكرة الإجمالية لهذا الفصل في الفصل الثالث، وبنى على ذلك أن الجاهلية تعد شذوذًا عن الوجود الكوني، وتصادمًا بين الجانب الإرادي للحياة والجانب الفطري. (ص53).

والفصل السابع بعنوان (الإسلام هو الحضارة)، كرّر في بدايته ما ذكره في الفصل الرابع من تعريف المجتمع الجاهلي والمجتمع الإسلامي، وبنى على ذلك أن المجتمع الإسلامي فقط هو المجتمع المتحضر، وبين أوجه تحضره، فالوجه الأول: أن الحاكمية فيه لله وحده، يقول: (حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده - متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً من العبودية للبشر، وتكون هذه هي (الحضارة الإنسانية) لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدةً أساسِيَّةً من التحرُّر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع، ولا حرية - في الحقيقة - ولا كرامة للإنسان - ممثلاً في كل فرد من أفراده - في مجتمعٍ بعضُه أربابٌ يشرعون وبعضه عبيد يطيعون !). (ص118-119).

والوجه الثاني: أن الآصرة التي تجمع الناس في المجتمع الإسلامي ليست متعلقة بأمور لا إرادية مثل الجنس أو اللون أو الأرض، وإنما متعلقة بأمر إرادي وهو العقيدة والتصور والفكر ومنهج الحياة. يقول: (فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة واختيارهم الذاتي هو المجتمع المتحضر . . اما المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر خارج عن إرادتهم الإنسانية فهو المجتمع المتخلف . . أو بالمصطلح الإسلامي . . هو (المجتمع الجاهلي) !). (ص120).

والوجه الثالث: أن المجتمع الإسلامي و تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا فيه ، وتكون الخصائص الإنسانية فيه هي موضع التكريم والاعتبار ، وليست المادة، مع أن المجتمع الإسلامي لا يحتقر المادة أيضًا. (ص120-121).

والوجه الرابع: أن الأسرة في المجتمع الإسلامي هي قاعدة المجتمع، وليست العلاقات الجنسية الحرّة. يقول: (وقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع؛ متخلف أم متحضر ، جاهلي أم إسلامي !، والمجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية في هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم الإنساني). (ص124).

ويمكن اعتبار هذا الفصل إيضاحًا للفكرة التي استتفح بها المؤلف كتابه، وهي أن الإسلام ينبغي أن يستلم قيادة البشرية الآن بعد إفلاسها في عالم القيم ووقوفها - بالتالي - على حافة الهاوية، أي أن هذه الأوجه التي تظهر تحضّر المجتمع الإسلامي، تجعل الوصول إليه هدفًا منشودًا. يقول: (إن المجتمع الإسلامي - كما يبدو من تعرفينا المستقل للحضارة - ليس مجرد صورة تاريخية، يبحث عنها في ذكريات الماضي، إنما هو طُلبة الحاضر وأمل المستقبل، إنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية كلها اليوم وغدًا، لترتفع به من وهدة الجاهلية التي تتردى فيها، سواء في هذه الجاهلية الأمم المتقدمة صناعيًّا واقتصاديًّا والأمم المتخلفة أيضًا). (ص131).

والفصل الثامن بعنوان (التصوّر الإسلامي والثقافة) يتحدّث فيه عن شمولية مدلول مصطلح الحاكمية للنشاط الفكري والفني، أي أنه يجب الرجوع في هذين النشاطين إلى التصور الإسلامي وإلى مصدره الربّاني، وأحال في ما يتعلق بالنشاط الفنّي إلى كتاب لأخيه محمد قطب بعنوان (منهج الفن الإسلامي)، وقرر في عدة صفحات وجوب الرجوع إلى التصور الإسلامي في ما يتعلق بالنشاط الفكري، وحذّر من الاعتماد على مناهج الفكر الغربي وعلى نتاجه في الدراسات الإسلامية، وأنه وإن كان الرجوع إلى الغرب ضرورًا في ما يتعلق بالعلوم البحتة فينبغي تجريدها من أية ظلال فلسفية معادية للدين. (ص148).

والفصل التاسع بعنوان (جنسية المسلم عقيدته) قرر فيه الوجه الذي ذكره في الفصل السابع من أوجه تحضُّر المجتمع الإسلامي، وهو أن الآصرة التي تجمع بين أعضاء هذا المجتمع هي آصرة العقيدة، وتحدّث فيه عن مفهوم (دار الإسلام) و(دار الكفر).

يقول: (بهذه النصاعة الكاملة ، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام . . جاء يرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين ، ومن وشائج اللحم والدم - وهي من وشائج الأرض والطين - فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله ، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوًا في الأمة المسلمة في دار الإسلام ، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله ، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله). (ص151).

ويقول: (وكل أرض تحارب المسلم في عقيدته، وتصده عن دينه، وتعطل عمل شريعته، فهي دار حرب ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وماله وتجارته، وكل أرض تقوم فيها عقيدته وتعمل فيها شريعته ، فهي دار إسلام ولو لم يكن فيها أهل ولا عشيرة ولا قوم ولا تجارة). (ص159).

وفي هذا الفصل يلاحظ أيضًا أن التوجيه الذي وجهه المؤلف لأصحاب الدعوة الإسلامية، أو المعلم من معالم الطريق الذي أوضحه لهم، لا يتعلق بقضية عملية حركية بناها على تعريف دار الإسلام ودار الكفر، وإنما اكتفى بتوجيه نظريّ فقال: (لا ينبغي أن تقوم في نفوس أصحاب الدعوة إلى الله تلك الشكوك السطحية في حقيقة الجاهلية وحقيقة الإسلام، وفي صفة دار الحرب ودار الإسلام، فمن هنا يؤتى الكثير منهم في تصوراته ويقينه، إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية، وليس بعد الحق إلا الضلال). (ص161).

والفصل العاشر بعنوان (نقلة بعيدة) وعنوان الفصل يعطي دلالة عن موضوعه، فهو يقصد التحذير من مجاراة ما يسميها الجاهلية أو الاصطلاح معها أو الرضا بأنصاف الحلول معها لا من ناحية التصوّر ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة عنه، وأنه يستحيل التوفيق والالتقاء بين الإسلام والجاهلية، وأن وظيفة الإسلام إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية.

ويبني المؤلف على هذا توجيهات صريحة عمليّة لأصحاب الدعوة الإسلامية في ما يتعلق بالعلاقة مع المجتمعات المعاصرة التي يعدها المؤلف مجتمعات جاهليّة، وكيفية مخاطبتها.

فأما من ناحية الخطاب: فيقرر أنه ينبغي مخاطبة الناس في هذه المجتمعات كما خوطب الناس بالإسلام أو مرة، لأنه يعد الجاهلية التي تعيش فيها هذه المجتمعات كالجاهلية التي كانت في الجزيرة العربية وفارس والروم.

يقول: (والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحًا: إن الناس ليسوا مسلمين -كما يدّعون- وهم يحيون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك، ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً: ليس هذا إسلامًا، وليس هؤلاء مسلمين، والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد). (ص173).

ويذكر المؤلف للتشجيع على تبني هذه الطريقة في الخطاب والدعوة أن الانتقال الكامل من حياة إلى حياة قد يكون أيسر على النفس البشرية من التعديلات الجزئية!

أما في العلاقة مع هذه المجتمعات فيقول: (لا نقاطع الجاهلية الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا، إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة، والاستعلاء بالإيمان في تواضع. والامتلاء بعد هذا كله بالحقيقة الواقعة. وهي أننا نعيش في وسط جاهلية، وأننا أهدى طريقاً من هذه الجاهلية، وإنها نقلة بعيدة واسعة، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام، وإنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق، ولكن لينتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام، سواء كانوا ممن يعيشون فيما يسمى الوطن الإسلامي، ويزعمون أنهم مسلمون، أو كانوا يعيشون في غير الوطن (الإسلامي)، وليخرجوا من الظلمات إلى النور، ولينجوا من هذه الشقوة التي هم فيها، وينعموا بالخير الذي ذقناه نحن الذين عرفنا الإسلام وحاولنا أن نعيش به .. وإلا فلنقل ما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله: لكم دينكم ولي دين). (ص177).

والفصل الحادي عشر بعنوان (استعلاء الإيمان) وهذا أيضًا يندرج في موضوع الفصل السابق، وهو التعامل مع المجتمعات الجاهلية، ويطرح المؤلف فكرة الشعور بالاستعلاء الإيمان، كحل لمواجهة ضغوط المجتمعات الجاهلية وثقلها وسخريتها واستهزائها، التي تولد الشعور بالغربة، ويركز المؤلف على التصورات التي تثير الشعور بالاستعلاء الإيماني، وهي قناعة المسلم بصلته برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود. (ص187).

والفصل الثاني عشر، وهو الفصل الأخير في الكتاب، بعنوان (هذا هو الطريق) ينطلق فيه المؤلف من قصة أصحاب الأخدود ، ويقصد فيها لفت أنظار أصحاب الدعوة الإسلامية إلى الجزاء الذي ينتظرهم على دعوتهم، وأن الخاتمة التي وصل إليها أصحاب الأخدود لا تعني عدم انتصارهم.

يقول: (لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون ، ولا يؤخذ الكافرون! ذلك ليستقر في حس المؤمنين - أصحاب دعوة الله - أنهم قد يدعون إلى النهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله، وأن ليس لهم من الأمر شيء، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله !

إن عليهم أن يؤدوا واجبهم، ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية، ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء، وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه .

إنهم أجراء عند الله ، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !

وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب ، ورفعة في الشعور ، وجمالاً في التصور ، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب ، وتحرراً من الخوف والقلق ، في كل حال من الأحوال .

وهم يقبضون الدفعة الثانية في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة ، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة .

ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حسابًا يسيرًا ونعيمًا كبيرًا .

ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعًا ، رضوان الله ، وأنهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستارًا لقدرته ، يفعل بهم في الأرض ما يشاء). (ص197).

6- تأثير الكتاب وردود الأفعال حوله:

يقول الدكتور جعفر شيخ إدريس في وصف هذا الكتاب: (الكتاب الذي لا نعرف في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة كتابًا كان أكثر منه انتشارًا، ولا أقوى تأثيرًا، ولا أخطر نتائج، ولا أشد رعبًا لأعداء الحركة الإسلامية)[16].

ويقول في تفسيره لسرّ تأثير هذا الكتاب: (إنه يدعو الشباب لهدف واضح كل الوضوح وسامق كأعلى ما يكون السموق، إنه لا يطلب منهم أقل من أن يسعوا لتسلم قيادة البشرية، وهو هدف مغرٍ وجذَّاب لكل ذي همة من الشباب، وهو مع اعترافه بأن الطريق إلى ذلك الهدف شاق وطويل إلا أنه يقنع قارئه بأنه ليس بالأمر المستحيل لمن عزم على السير فيه، وأعد له عدته)[17].

ونستطيع أن نجد الأثر الواسع لهذا الكتاب في تاريخ الحركات والجماعات الإسلامية منذ صدوره قبل أكثر من نصف قَرن وحتى الآن، والنظرُ في تأثير هذا الكتاب هو في حقيقته نظرٌ في تأثير فكر سيد قطب، إذ إن هذا الكتاب كما قدمنا يمثل الصورة النهائية لفكره، وهو أيضًا كما قيل في وصفه: زبدة فكره.

نقتصر هنا على عرض جانبٍ واحدٍ من جوانب تأثير الكتاب، وهو التأثير الجدلي له، فالكتاب يصدق عليه الوصف الدارج (كتابٌ مُثير للجدل)، فنعرض ما أُثِير حول مضامين الكتاب من جدل داخل الحركات الإسلامية، هذا الجدل الذي أدت إثارته أحيانًا إلى عمليات فرز وتصنيف داخل تلك الحركات.

في وقت مبكّر من صدور الكتاب؛ دار جدل داخل جماعة الإخوان في وصف العلاقة بين الأفكار التي قدمها سيد قطب وبين أفكار مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، ومع أن المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي أثنى على الكتاب[18]، إلا أن فئة من الإخوان رأوا في فكر سيد قطب مناقضةً لفكر حسن البنا.

يقول الدكتور عبد الله أبو عزّة: (ومن خلال استعراضنا الموجز لآراء حسن البنا في القضايا نفسها التي تعرض لها سيد قطب في محاولته رسم منهاج العمل الإسلامي من خلال كتابه «معالم في الطريق» يتبين لنا مدى الانقلاب الذي أحدثه الفكر القطبي في عقول كثيرين من الإخوان المسلمين، والذي حملنا على الاهتمام بآراء سيد قطب على هذا النحو هو أنها سيطرت على فكر جمهرة الإخوان المسلمين إلى ما بعد منتصف عقد السبعينات تقريبًا، وغدت مصطلحات نظريته هي المصطلحات الرائجة في كتابات الإخوان، وأصحبت هذه الآراء عند الأكثرين هي الحجة والمعيار الذي يقاس به كل قول أو يرجع إليه عند أي خلاف.

ومع ذلك فإن عددًا من الإخوان مفكرين وقادة وغيرهم، كانت لهم على آراء سيد قطب تحفظات منذ البداية، وقد أحدثت هذه الأفكار انقسامًا بين الإخوان في السجون، وتصدّيتُ لهذه الأفكار في وقت مبكر عندما عارضتُ إدخال كتاب معالم في الطريق في المناهج التربوية للإخوان سنة 1967م، بل دعوتُ إلى استبعاد «في ظلال القرآن» أيضًا، وعندما اعترضتُ بشدة على مقترح ترجمة كتاب «المعالم» إلى اللغة الإنجليزية الذي طرح في اجتماع المكتب التنفيذي لقيادات الإخوان المسلمين في البلاد العربية سنة 1967م وحتى بداية حزيران 1973م، ومما يؤسف له أنني لم أتمكن من إكمال مناقشة الأفكار المذكورة وذلك بسبب جنوح بعض المعترضين إلى أسلوب التجريح والإهانات والشتائم بجانب الضغوطات الشديدة التي تعرضت لها إدارة المجلة فتوقفت عن نشر الموضوع بعد ظهور الحلقة السادسة كما أشرت من قبل.

.. إنني أعرف نفرًا من الإخوان البارزين كانوا يخالفون سيد قطب رحمه الله في ما عرضه من أفكار بيد أنهم آثروا الامتناع عن ممارسة النقد لأن الجماعة كانت تئن تحت وطأة محنة قاسية في سني الستينات، وبعضهم رأى دم سيد قطب ما زال ساخنًا ولم يستحسن الشروع في النقد، وقد وجدت على الدكتور يوسف القرضاوي مع حبي وتقديري له لأنه اختار أن يكون من هذا الفريق)[19].

وفي سنة 1985م نظَّم المكتب العربي لدول الخليج ندوةً في البحرين بعنوان «اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر»[20]، حضرها مجموعة من قيادات ومفكري جماعة الإخوان في مصر والأردن وغيرهما، وغيرهم، قدّم فيها الدكتور جعفر شيخ إدريس ورقة بعنوان «قضية المنهج عند سيد قطب في معالم في الطريق» أيد فيها مضامين الكتاب تأيدًا جُمليًّا، ثم ناقش المؤلف في موضعين: في قوله: إن العلة في انفراد جيل الصحابة ليست وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قوله: إن الأمة الإسلامية انقطع وجودها.

وقد عقب على هذه الورقة عدد من حضور المؤتمر، واشتمل تعقيب بعضهم على مزيد نقد لفكر سيد قطب، كما اشتمل تعقيب بعضهم على دفاع عنه.

فركّز الدكتور محمد سليم العوا في تعقيبه على الآثار السلبية لفكرة الاستعلاء الإيماني التي طرحها سيد قطب في المعالم ، وهي في نظره نشأ عنها ظاهرة التطرف وظهور جماعة التكفير والهجرة[21].

وانتقد الدكتور وهبة الزحيلي وصف سيد قطب للنشاط الفقهي المعاصر باستنبات البذور في الهواء [22]، وأثنى على كلامه الدكتور يوسف القرضاوي[23]، ثم دافع عنه الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني بواقعة حدثه بها الشيخ محمد أبو زهرة وهي أن سيد قطب كان يُرسل إليه ملازم «في ظلال القرآن» ليزداد اطمئنانًا على الأحكام الفقهية التي يطرحها في الظلال[24].

والنقد الذي وجهه الدكتور يوسف القرضاوي في تعقيبه بين فيه أن الجاهلية التي وصف بها سيد قطب المجتمعات المعاصرة يعني بها جاهليّة الكفر، ونقل من كتابه «في ظلال القرآن» وصفه للمساجد المعاصرة بمعابد الجاهليّة، وأن هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي الوقوف عندها في فكر سيد قطب[25].

وهذا النقد الذي وجهه القرضاوي لسيد قطب في تلك الندوة سنة 1985م، أعاده بعد ما يقرب من عشرين عامًا سنة 2004م في مذكراته التي نشرها في شبكة الانترنت عندما كتب فيها (وقفة مع سيد قطب) قال فيها بعد أن ذكر مراحل وتنقلات سيد قطب: (وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة التكفير والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من الظلال ومما أفرغه في كتابه « معالم في الطريق» أن المجتمعات كلها قد أصبحت جاهلية، وهو لا يقصد بالجاهلية جاهلية العمل والسلوك فقط، بل جاهلية العقيدة إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترضَ بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم).

كما انتقد القرضاوي في مقاله موقف سيد من الفقه الإسلامي، وهو موقف مبني على نظرته للمجتمع.

وبحكم نشر القرضاوي هذا الكلام هذه المرة في النت، فقد أثار جدلًا وكتبت المقالات في مناقشته والرد عليه[26]، ثم كتب القرضاوي تعقيبًا عليها في مقال بعنوان «كلمة أخيرة حول سيد قطب».

والواقع أن هذين الانتقادين اللذين وُجِّها لكتاب «معالم في الطريق» تعطيل الفقه الإسلامي، وتكفير المجتمع المسلم= كانت قد ناقشتهما مناقشة تفصيلية رسالة علمية للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي قُدّمت لجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض سنة 1984م بعنوان «في ظلال القرآن: دراسة وتقويم»[27].

وكتب أحد الإخوان المصريين وهو سالم البهنساوي كتابًا في التعليق على «معالم في الطريق» أراد فيه شرح بعض ألفاظ الكتاب بحيث لا تعطي معاني دالة على الغلو في التكفير. وهو بعنوان «أضواء على معالم في الطريق»، طبع عن دار البحوث العلميّة بالكويت سنة 1985م.

ثمة انتقاد آخر وَجَّهه القرضاوي لسيد قطب، في مقاله آنف الذكر، وهو انتقاد نابع من رأي المدرسة التي تسمى مدرسة التنوير الإسلامي في غايات الجهاد في دين الله تعالى، وكرر هذا الانتقاد في كتابه «فقه الجهاد»الذي صدرت طبعته الأولى سنة 2009م، حيث أورد كلام سيد قطب من «الظلال» وهو نفسه فصل الجهاد الذي ذكره سيد في «المعالم»، وسجل عليه ستّ ملاحظات[28].

ومن أهم الانتقادات وأعمقها لكتاب «المعالم» ولفكر سيّد قطب إجمالًا - وإن لم يحظَ بالشهرة اللائقة به بين الحركات الإسلامية– = ما كتبه الأستاذ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في كتابه «التفسير السياسي للإسلام في مرآة كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب» الذي صدرت طبعته العربية الأولى سنة 1979م حيث ذكر أن سيدًا لا يفهم من (لا إله إلا الله) إلا رد الحاكمية في كل الأمور إلى الله وإفراده بها، وأنه يعدها من أخص خصائص الألوهية[29]، وقال في ضمن نقده لهذه الفكرة: (والذين حصروا صفات الله وحقوقه في حق الحاكمية والسلطة العليا، ورأوه أصل الحقوق الإلهية، وأول المطالب الربانية= أخاف أن يكون قد صدق عليهم قول الربّ تبارك وتعالى : وما قدروا الله حق قدره)[30].

ثمة نقاش حصل أيضًا حول دعوة سيد قطب في كتابه إلى البدء بقضية العقيدة في مواجهة الجاهليّة، وهو ما ذكره في الفصل الثاني في الكتاب (طبيعة المنهج القرآني)، ففي سنة 1971م كتب بدمشق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مقدمةً لاختصاره لكتاب «العلوّ للعلي العظيم» للإمام الذهبي، بيّن فيها أهمية الاهتمام بالدعوة لتصحيح عقائد الناس، وأن كثيرًا من الدعاة يغفلون عن ذلك، ثم ذكر انتباه (الأستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى) لهذه النقطة، ونقل كلامًا له من كتاب «المعالم» ثم علق عليه بقوله: (من أجل ذلك كان لا بُدَّ للعاملين من أجل الدعوة الإسلامية أن يتعاوَنُوا جميعًا على الخلاص من كل ما هو جاهلي مخالف للإسلام, ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة, كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي, ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)، فإذا هم فعلوا ذلك فقد وضعوا الأساس لقيام المجتمع الإسلامي وبدونه لا يمكن أن تكون لهم قائمة, أو تنشأ لهم دولة مسلحة)[31].

وهنا يُلاحظ أن الألباني يثني على كتاب «المعالم»، وينقل كلامًا منه محتفيًا به[32]، لكنه يطوّر مفهوم مواجهة الجاهلية الذي هو المقصد الأساسي لكتاب «المعالم» ويعدّله على نحوٍ يراعي مقاصد الدعوة السلفية.

ثم إن الألباني نقل بعد ذلك كلامًا لمحمد سعيد رمضان البوطي من رسالته «باطن الإثم الخطر الأكبر في حياة المسلمين» يومىء فيه البوطي إلى نقد اهتمام سيد قطب بشرح المجتمع الجاهلي، وأن مشكلة المسلمين متعلقة بالأخلاق وليست بالقناعة والفكر، ثم ناقشه الألباني في فكرته هذه مناقشة مختصرة، بين فيها أولوية الدعوة لتصحيح العقائد[33].

آراء متعددة في الكتاب أبداها سيد قطب وتركها لتثير الجدل بعده إذًا؛ العلة في انفراد جيل الصحابة، والقول بانقطاع وجود الأمة الإسلامية، ومفهوم الاستعلاء بالإيمان، والمقصود من وصف المجتمعات المعاصرة بالجاهلية، والموقف من الفقه الإسلامي، والموقف من جهاد الطلب، والتفسير السياسي للإسلام، والقول بأولوية تصحيح العقائد، بالإضافة إلى الجدل الإخواني الداخلي حول إخوانية أفكار سيد قطب وعلاقتها بأفكار حسن البنا.

وبذا نكون قد رصدنا الأثر الجدليّ للكتاب، وهو آخر ما قصدناه في هذه المقالة.


([1]) الطبعة المعتمدة في العزو هي الطبعة التاسعة عن دار الشروق سنة 1982م.

([2]) «مذكرات سائح في الشرق العربي» (ص189).

([3]) «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» للدكتور صلاح الخالدي (ص265-266 ،323).

([4]) مقال «وقفة مع سيد قطب» منشور في موقع القرضاوي ضمن مذكراته. والقرضاوي يقصد أن سيدًا بدأ يفكر في أن المجتمع غير مسلم، والناس غير مسلمين. كما في كلامه في «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص58).

([5]) من مقال منشور في موقع إسلام أون لاين، وهو في كتاب «سيد قطب بعد 43 عامًا من استشهاده» (ص80).

([6]) «أيام من حياتي» لزينب الغزالي (ص394-395).

([7]) انظر: «ذكريات لا مذكرات» لعمر التلمساني (ص280-281)، و«الإخوان المسلمون الحركة الأم دراسة نقدية» لعبد الله أبو عزة (ص190)، ومناقشة محمد سليم العوا لبحث «قضية المنهج عند سيد قطب» ضمن كتاب «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص551)، والشريط الحادي والعشرين من سلسلة «قضايا الإيمان والكفر» لمحمد إسماعيل المقدم، وهو متوفر مفرغًا في الشبكة.

([8]النبي وفرعون» لجيلز كيبيل (ص27).

([9]) «النبي وفرعون» لجيلز كيبيل (ص27).

([10]قضية المنهج عند سيد قطب» ضمن كتاب «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص536).

([11]) «التفسير السياسي للإسلام» لأبي الحسن الندوي (ص255).

([12]) نقله عنه عبد الله العقيل في «أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة» (ص48).

([13]) انظر «فقه الجهاد» للقرضاوي (1/424).

([14]) كرر وصفهم بهذا الوصف في سبعة مواضع من هذا الفصل(ص66، 72، 73، 74، 75، 81، 90).

([15]) المقصود من هذا التنبيه هو لفت الانتباه إلى منهجية المؤلف في كتابه هذا. أما الانتقاد والتفصيل فله موضعه.

([16]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص532).

([17]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص534-535).

([18]) وهذا ما يعتمد عليه من ينصر القول بإخوانية أفكار سيد قطب، إذ اعتمد عليه صاحبه أحمد عبد المجيد في لقائه مع ضياء رشوان على قناة الفراعيين، واعتمد عليه الدكتور صلاح الخالدي في كتابه «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» (ص555)، ونشر الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس سنة 1999م كتابًا بعنوان «منهج التغيير عند الشهيدين حسن البنا وسيد قطب» لقصد بيان المطابقة بين أفكاريهما. وينتصر القرضاوي في مقاله «كلمة أخيرة حول سيد قطب» للقول بالمغايرة بين فكريهما، ويستشهد فيه بكلام لطارق البشري، وهو في «الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي» (ص32-33).

([19]الإخوان المسلمون الحركة الأم: دراسة نقدية» (ص211-212).

([20]) أوراق الندوة مطبوعة في مجلد كبير، والورقة المشار إليها والتعقيبات عليها هي فيه (ص530-565).

([21]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص549).

([22]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص554). وكان الزحيلي قد كتب مقالًا في مجلة الوعي الكويتية بعنوان «المعتدون على الفقه الإسلامي» انتقد فيه سيدًا في هذه القضية.

([23]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص559).

([24]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص560-561).

([25]) «ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر» (ص557-559).

([26]) وقد تكرر الجدل أيضًا سنة 2009 بعد أن ذكر القرضاوي تصريحات مماثلة في لقائه مع ضياء رشوان في قناة الفراعين. وجُمِع بعض ما كتب في الدفاع عن سيد قطب في كتاب «سيد قطب بعد 43 عامًا من استشهاده» وهو بتقديم الدكتور صلاح الخالدي، وهناك مجموع آخر حرره معتز الخطيب بعنوان «سيد قطب والتكفير: أزمة أفكار أم مشكلة قراءة؟».

([27]) وقد طبعها المؤلف في ثلاثة أجزاء، والمناقشة في الجزء الثالث الذي سمّاه «في ظلال القرآن في الميزان» (ص205-271) من الطبعة الثانية سنة 2000م.

([28]) (1/415-424).

([29]) «التفسير السياسي للإسلام» (ص256-257).

([30]) «التفسير السياسي للإسلام» (ص264).

([31]) «مختصر العلو للعلي الغفار» (ص62-63).

([32]) يقول الدكتور عبد الله عزام في «عملاق الفكر الإسلامي» : (ومن المعلوم كما بلغني من الثقات أن الشيخ الألباني كان يقول: إن خير من كتب عن التوحيد في هذا العصر هو سيد قطب ، وكان ينصح بقراءة «معالم في الطريق» لأنه يرى أن الكتاب وضح التوحيد).

([33]) «مختصر العلو للعلي الغفار» (ص63-67).