كانت طبيعة حياة اليهود اليمنيين غريبة كلياً عن حياة الكيان الصهيوني المشبع بالنمط الغربي الإشكنازي، كما لم تجد حِرَفهم القائمة على طرق بدائية كالحدادة وزخرفة النحاس وصناعة الأحذية والجلود أيَّ رواج داخل المجتمع الإسرائيلي. ولكن الصهاينة الذين أخذوا في ما بعد يتطلعون لاصطناع "تراث إسرائيلي خاص" بدؤوا في الاهتمام بالتقاليد اليمنية الخاصة في اللباس والغناء والألحان الجماعية لتوظيفها في الحديث عن "الفلكلور الإسرائيلي" المزعوم.(1)

ومنذ أواسط الستينات وبتأثير من الانتشار النسبي للتعليم في أوساط اليهود اليمنيين، صار هناك المئات منهم ممن تمكنوا من الالتحاق بالجامعات الإسرائيلية، كما نجح العديد من اليهود اليمنيون في العمل في مجال التجارة، وعلى الرغم من ذلك فقد ظل معظمهم متمسكين بنمط معيشتهم، وظلوا يعيشون في تجمعات خاصة في ضواحي المدن وفي مدن التطوير والمستوطنات الخاصة بهم. وتحت ضغط عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية أرسل اليهود اليمنيون أبناءهم إلى المدارس الدينية، وهو الأمر الذي كان له أثر بارز في ميل اليهود اليمنيين إلى تأييد الأحزاب الصهيونية اليمينية.(2)

فمن الشائع في إسرائيل توجه اليهود السفارديم بشكلٍ عام من ذوي الدخل والثقافة المحدودين لتبني الخطاب السياسي اليميني. كما أن درجة التدين تلعب دوراً حاسماً في التأثير على مواقف الإسرائيليين من قضايا عملية السلام، فكلما ازداد التدين ازداد معه التشدد، وكلما نقص التدين ازداد الاعتدال.(3)

وتجدر الإشارة إلى أن اليهود الإشكنازيم كانوا قد تبنَّوا في سبيل سعيهم لتحقيق الهدف الصهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود استراتيجية "حتمية الحرب"، حيث اتخذوا من العنف والحرب مبدأً أساسياً لتحقيق هذا الهدف، وتشهد على ذلك سلسلة الحروب الطويلة التي خاضتها إسرائيل منذ قيامها في عام 1948م، أما دور السفارديم في استراتيجية "حتمية الحروب" فهو تابع لدور الإشكنازيم وغير مستقل عنه بسبب تأخر ظهور السفارديم على مسرح الحياة الإسرائيلية وعدم اشتراكهم أصلاً في وضع الاستراتيجيات الصهيونية، فبعد هجرتهم إلى إسرائيل انشغلوا بمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية وقضايا التكيف مع المجتمع الإشكنازي، أما الأمور العسكرية والحربية فدورهم في وضعها وتشكيلها ضعيف، وهم منفذون لما تمليه عليهم سياسة القوة الإشكنازية الحاكمة، ولا شك في أنهم قد تشبعوا بروح العدوانية والعنف السائدة لدى الإشكنازيم، والتي تولدت لديهم نتيجة تجاربهم التي خاضوها مع الاضطهاد النازي، وهي تجارب لم يمر بها السفارديم إلا أنهم وقعوا تحت تأثيرها من خلال عدوانية الإشكنازيم وسياسة حتمية الحروب التي وضعوها.(4)

وفي ظل نجاح البعض في الاندماج في الكيان الصهيوني، نجد البعض الآخر من اليهود اليمنيين لجؤوا إلى الهجرة العكسية من إسرائيل، في اتجاه الولايات المتحدة وأوروبا. وكانت فكرة "نزوح العودة" أو الهجرة العكسية قد ولدت مع الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، وصدمة اليهود من ذوي الأصول الشرقية بالوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وعدم قدرتهم على مواجهة الصعوبات التي عاينوها وعانوا منها، وتطورت فكرة "نزوح العودة" في سبعينات القرن الماضي، في ظل الأجواء التي أعقبت حرب أكتوبر 1973م، ودعوة بعض الدول العربية اليهود مواطنيها إلى العودة إلى بلدانهم. وفي هذا السياق أصدرت وزارة الخارجية اليمنية في عام 1976م بياناً جاء فيه: (انطلاقاً من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وتمسك اليمن بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتمشياً مع السياسة العامة لجامعة الدول العربية، وإدراكاً لطبيعة الصهيونية العالمية التي غررت باليهود الشرقيين والغربيين، مزينة لهم أنهم سيعيشون في ظل الحكم الصهيوني بسلام وعدل على حساب الشعب الفلسطيني وفي أرضه ووطنه، ما لبث أن تكشفت نواياها وحقيقتها الاستغلالية والاستعمارية، فإن حكومة الجمهورية العربية اليمنية تدعوا اليهود اليمنيين الذين هاجروا من اليمن إلى فلسطين المحتلة للعودة ثانية للعيش بطمأنينة وسلام في ربوع اليمن، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي يتمتع بها المواطنون اليمنيون وفقاً لنصوص الدستور مؤكدةً بأنه سوف تنظر بجدية وعناية لأية طلبات تصلها بهذا الشأن). وفي السياق نفسه حاولت مجموعة من الإسرائيليين من ذوي الأصول اليمنية زيارة اليهود في اليمن من أجل تحذيرهم من مغبة الهجرة إلى إسرائيل، وجاء في صحيفة "دافار" الإسرائيلية في تاريخ 13 ديسمبر 1984م نقلاً عن مجلة (تمورا) الناطقة باسم حزب "أجودات يسرائيل" أن أعضاء المجموعة توجهوا إلى السفارة المصرية في إسرائيل بطلب لترتيب أمر حصولهم على تأشيرات دخول إلى اليمن. واعترفت الصحيفة أن هذه المجموعة وجدت صعوبات من جانب السلطات الإسرائيلية تعيق إنجاز هذه المهمة.(5)

وفي لقاء أجرته صحيفة المستقبل الأسبوعية في عددها 46 بتاريخ 26 مايو 1991م والصادرة في صنعاء مع أحد يهود منطقة ريدة بمحافظة عمران ويدعى يهوذا بن يحيى حبيب، أجاب على سؤال: لماذا لم تهاجر إلى إسرائيل؟ قائلاً: "ليش..؟! كيف نسافر ونسيب بلدنا اللي ولدنا فيها وعشنا بيها من أيام سبأ وحمير". وحول وجود أية مضايقات يتعرض لها اليهود حينها، أجاب قائلاً: "أحنا اليهود والقبايل أخوة لا نغثي (نخاصم) أحد ولا أحد يغثينا". واعترف يهوذا في المقابلة بوجود أقارب له في إسرائيل لكنه ببساطة اليمني المعهودة قال: "إنهم سوف يرسلوا إلينا كي نلحق بهم وللآن ما أجانا علوم، وهذا يدل أنهم غير مرتاحين".(6)

ولم يتغير الوضع كثيراً، ففي لقاء آخر نشرته صحيفة يمن برس في 9 أغسطس 2013م، مع يهودية يمنية تدعى نجاة النهاري هاجرت إلى إسرائيل مع عائلتها عام 1993م، عبرت فيه نجاة النهاري عن مدى المعاناة التي عاشها اليهود اليمنيون في إسرائيل، ومدى الشوق والحنين الذي يعتريهم تجاه موطنهم الأول، كما أشارت إلى عدم عودة اليهود اليمنيين إلى وطنهم بقولها: (عادة ما تتم هجرات اليهود من بلدانهم عبر وكالات أو جمعيات يهودية تتبنى ترتيب كل شيء لهم من وثائق ونفقات. وبالمقابل تقوم هذه الجهات بتجريد المهاجرين من جميع الوثائق التي يحملونها والصادرة من بلدانهم الأصلية. وبناء عليه يعجز المهاجر إثبات جنسيته الأصلية أمام الجهات الرسمية لبلده الذي يعتزم العودة إليه. بالإضافة إلى أنه عندما يصل المهاجرون اليهود إلى إسرائيل أو أمريكا لا يحصلون على المساعدات المالية ما لم يدَّعِ المهاجر أمام اللجنة أنه كان يتعرض للاضطهاد والتمييز وكل المعاملات السيئة من قبل حكومة البلد الذي قدم منه ومن المسلمين أبناء البلد ويتم تثبيت ذلك بمحضر وتوقيعه عليه، كإجراء احتياطي قانوني تدحض به إسرائيل مستقبلاً أي ادعاء بأن هؤلاء تم تهجيرهم قسرياً، وأنهم قدموا فارين بحثاً عن العدالة الإسرائيلية وإنسانيتها. والحقيقة الأهم هي أن عودة اليهودي المهاجر إلى وطنه الأم لها بُعد سياسي يعارض الإستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إنشاء دولة من تجميع يهود العالم في فلسطين وتسهيل العودة يعني تفكيك أسس الدولة).(7)

___________________________

(1) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط. الخروج الأخير من الجيتو الجديد، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية، 1996م، ص143.

(2) المصدر نفسه، ص 144.

(3) خليل الشقاقي (د)، مسيرة مترددة نحو الاعتدال. مواقف الرأي العام اليهودي في إسرائيل من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية 1980 - 2001، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2002م، ص19 .

(4) محمد خليفة حسن (د)، الشخصية الإسرائيلية. دراسة في توجهات المجتمع الإسرائيلي نحو السلام، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، العدد 2، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، ص. ص 45 - 46.

(5) كاميليا أبو جبل (د)، يهود اليمن. دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999م، ص 208.

(6) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

(7) لمطالعة اللقاء كاملاً ، انظر:

يهود اليمن في إسرائيل.. حنين العودة للفردوس المفقود، يمن برس، الجمعة 9 أغسطس2013م.

http://yemen-press.com/news21559.html