يعتبر عيد الميلاد ثاني أهم الأعياد الدينية النصرانية المسيحية، بعد عيد القيامة. يحتفل فيه النصارى المسيحيون بذكرى مولد النبي عيسى عليه السلام (السيد يسوع المسيح)، يوم الخامس والعشرين من ديسمبر، بجميع الكنائس المسيحية، باحتفالات دينية وصلوات خاصة وفق التقليد الكنسي، واجتماعات عائلية، وتبادل الهدايا، واستقبال بابانويل، وتناول عشاء الميلاد. وهي فرصة أيضا للكنائس تستذكر فيه الأحداث التي واكبت وزامنت حدث الميلاد، وكذا الأحداث السابقة واللاحقة، من قبيل بشارة مريم عليها السلام، وميلاد النبي يحيى عليه السلام (يوحنا المعمدان)، وختان النبي عيسى عليه السلام، وغيرها من الأحداث التي يرويها العهد الجديد من الكتاب المقدس.

تحديد واختيار هذا اليوم للاحتفال كان منذ القرن الرابع الميلادي، وبالضبط منذ مجمع نيقية سنة 325 للميلاد، بعد أن قرر آباء الكنيسة على ضرورة تحديد يوما خاصا للاحتفال بحدث ميلاد السيد المسيح عليه السلام، بالرغم أن الكتاب المقدس لم يذكر تاريخ أو موعد الميلاد، وبالرغم أيضا أن المسيحية المبكرة لم تعرف هذا الاحتفال.

اختيار هذا التقويم لتحديد ميلاد السيد المسيح، وتحديد يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر عيدا، من قبل الكنائس المسيحية، لم يسلم من النقد من طرف العلماء والباحثين في علم الأديان وتاريخها، استنادا على الأدلة التاريخية، والحفريات، وكذا بناء على تحليلاتهم النقدية لنصوص الأناجيل.

نحن من خلال هذا البحث القصير نسعى إلى دراسة هذا الموضوع بشكل مقتضب، من خلال نقطتين أساسيتين؛ تفيد النقطة الأولى تناقض أسفار العهد الجديد (الأناجيل) وتهافتها في تحديد تاريخ وسنة ميلاد النبي عيسى عليه السلام، وتوضيح حقيقة هذا التقويم، وتفيد النقطة الثانية وثنية احتفال بعيد الميلاد، شأنه شأن باقي الأعياد الدينية الوثنية التي انتقلت إلى الديانة المسيحية النصرانية بعد تحريفها.

الأناجيل وتحديد سنة الميلاد:

كما أشرنا أن الكتاب المقدس لم يذكر تاريخ ميلاد النبي عيسى عليه السلام، إلا إذا استثنينا سفري "متى" و"لوقا" من العهد الجديد، حيث انفردا عن بقية أسفار العهد الجديد بذكر قصة الميلاد، فهما حسب الباحثين المصدر الوحيد الذي حدد تاريخ الميلاد بالأحداث والوقائع التي زامنت الحدث؛ فقد اتفقا الكاتبان في رواية بعض الأحداث، وانفرد "لوقا" عن "متى" برواية أكثر تفصيلا للحدث، والتي يمكن إجمالها في النقط التالية:

أولا: فقد حدد "متى" و"لوقا" ميلاد السيد المسيح بالأيام التي كان "هيرودس" فيها ملكا على بلاد اليهود، وبالأخص أيامه الأخيرة من الحكم، وهيرودس هذا قد توفي في العام الرابع قبل الميلاد حسب التقويم الروماني، يعني ذلك أن ميلاد عيسى عليه السلام قد حدث قبل هذا التاريخ"[1]؛ أي تقريبا في أواخر العام الخامس أو في أوائل العام الرابع قبل الميلاد"[2].

ثانيا: كاتب الإنجيل الثالث ينفرد ويقدم الرواية أكثر تفصيلا، من خلالها يمكن للباحث والقارئ استنتاج تاريخ الميلاد، إذ يقول: "«وفي السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس، حين كان بيلاطس البنطي حاكما على اليهودية، وهيرودس واليا على الجليل، وأخوه فيلبس واليا على إيطورية وتراخونيتس، وليسانيوس واليا على إبيلينة، وحنان وقيافا رئيسين للكهنة، كان كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية، فجاء إلى جميع نواحي الأردن، يدعو الناس إلى معمودية التوبة لتغفر لهم خطاياهم[3](...) ولما تعمد الشعب كله، تعمد يسوع أيضا »[4]، أي أن السيد المسيح عيسى عليه السلام حينما كان ينهار من العمر ثلاثين سنة قد عمَّده النبي يحيى عليه السلام ( يوحنا المعمدان حسب تعبير القوم)، وذلك سنة 15 من حكم الإمبراطور "طيبريوس"، حوالي سنة 26 أو 27 من التقويم الميلادي. أي أن ميلاده عليه السلام يوافق السنة السادسة أو الرابعة قبل الميلاد[5].

ثالثا: ربط الكاتب الإنجيل الثالث أيضا تاريخ ميلاد السيد المسيح بالإحصاء الذي أمر به حاكم سورية "كيرينيوس QUIRINIUS" بأمر من القيصر أغسطس، حيث يقول: «وفي تلك الأيام أمر القيصر أوغسطس بإحصاء سكان الامبراطورية. وجرى هذا الإحصاء الأول عندما كان كيرينوس حاكما على سورية. فذهب كل واحد إلى مدينته ليكتتب فيها. وصعد يوسف من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى بيت لحم مدينة داود، لأنه كان من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم خطيبته، وكانت حبلى. وبينما هما في بيت لحم، جاء وقتها لتلد. فولدت ابنا البكر وقمطته وأضجعته في مذود، لأنه كان لا محل لهما في الفندق"[6] .

والثابت تاريخيا عند المؤرخين أن "كيرينيوس" هذا كان حاكما لسوريا مابين عامي 6 و12 للميلاد، والإحصاء الذي أمر به في بلاد اليهودية كان في سنة 6 أو 7 للميلاد"[7] حسب ما يذكره "يوسيفوس".

لكن "ترتليان" يذكر أن الإحصاء الذي أجري في بلاد اليهود قد قام به "سترنسيس" حاكم سوريه في عام 7 أو 8 قبل الميلاد.

يعني إذا كان هذا الإحصاء هو الذي أشار إليه لوقا في إنجيله فإن ولادة عيسى عليه السلام ستكون قد تمت في حوالي العام السادس قبل الميلاد"[8].

الحفريات:

بناء على نتائج الحفريات التي أجريت ببعض المناطق المصرية فقد وافقت وأكدت مقولة صاحب الإنجيل الثالث، حيث عثر العلماء على أوراق البردي تحوي وثائق تاريخية تذكر أمر الإحصاء في بلاد مصر وبلاد الغال وسوريا. وعليه يمكن القول بأن أمر الإحصاء قد تم كذلك في فلسطين.

فقد كانت هذه العملية الإحصائية كما تصفها الأوراق البردية تجرى كل أربعة عشر سنة منذ سنة 20 قبل الميلاد حتى سنة 240 بعد الميلاد. فإذا كان الإحصاء الأول تم في سنة 20 قبل الميلاد فالإحصاء الثاني قد تم إذا في سنة 6 قبل الميلاد ويحتمل أن يكون في آخر السنة، ومن ثم يكون ميلاد المسيح بين سنة 6 و4 قبل الميلاد[9].

وقد عثر كذلك على مصنف صيني قديم يتحدث عن وصول الإنجيل للصين سنة 25 أو 28 ميلادية، ورد فيه أن ميلاد النبي عيسى عليه السلام قد تم في عام الثامن قبل الميلاد[10].

خطأ في التقويم:

يعتقد النصارى المسيحيون اليوم أن التقويم الميلادي المعتمد حاليا مدنيا في كثير من دول العالم يحدد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، فحسب العرف والتقليد أنه عليه السلام ولد ببيت لحم مدينة النبي داود منذ هذه السنة الميلادية التي نحياها.

والحقيقة حسب المختصين أن هذا التقويم الميلادي لا يدل قطعا على الميلاد، فقد أجمع علماء الفلك والمؤرخون على أن هذا التقويم ليس هو التاريخ الحقيقي لميلاد السيد المسيح عليه السلام. وقد حملوا مسؤولية خطأ التقدير والتدوين للراهب الأرمني «ديونيسيوس الصغير» الذي ارتكب أخطاءً عديدة في حساباته، حينما دعا إلى وجوب اتخاذ ميلاد المسيح هو بداية التقويم، بدل التقويم اليولياني، المبني على التقويم الروماني القديم الذي يعتبر إنشاء مدينة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية بداية للتاريخ وهو سنة 753 قبل الميلاد. ففي منتصف القرن السادس الميلادي، أي في سنة 532 للميلاد، قام الراهب الأرمني، بعد أن نجح في دعوته، بتحديد العهد الجديد، لكنه أخفق في ذلك حينما نسي في حسابه سنة الصفر الواقعة بين سنة 1 قبل الميلاد وسنة 2 بعد الميلاد التي كان يجب إدخالها في تقديره، كما أنه أغفل الأربع سنوات التي حكم فيها الإمبراطور «أغسطس» باسمه القديم «أكتافيوس»، حيث حينما غير اسمه أضاف الشهر الثامن "أغسطس"، كما فعل القيصر يوليوس، حيث أضاف الشهر السابع وسماه باسمه "يوليو"، بعد أن كان التقويم الروماني يتألف من عشرة أشهر فقط.[11]

حقيقة يوم 25 ديسمبر:

منذ القرن الأول الميلادي وقع خلاف وجدال محتدم بين مختلف الكنائس المسيحية حول اليوم الذي ولد فيه السيد المسيح. وقد نقل "كلمنت الإسكندري" المتوفى نهاية القرن الأول الآراء المختلفة حول هذا الموضوع، التي كانت منتشرة في زمانه، حيث قال: «إن بعض المؤرخين حدده باليوم التاسع عشر من أبريل، وبعضهم بالعاشر من ماي، وبعضهم بالسابع عشر من نوفمبر من العام الثالث قبل الميلاد. والمسيحيون الشرقيون يحتفلون بمولد المسيح في السادس من شهر يناير منذ القرن الثاني بعد الميلاد. وفي سنة 354 ميلادية احتفلت بعض الكنائس الغربية ــــــ ومنها كنيسة روما ـــــ بذكرى مولد المسيح في اليوم الخامس والعشرين من ديسمبر"[12].

وكان هذا التاريخ قد عد خطأ يوم الانقلاب الشتوي الذي تبدأ الأيام بعده تطول. وكان قبل هذا يحتفل فيه بعيد الشمس التي لا تقهر، في جميع أنحاء الدولة الرومانية، واستمسكت الكنائس الشرقية وقتها باليوم السادس من يناير، واتهمت أخواتها الغربية بالوثنية وبعبادة الشمس؛ ولكن لم يكد ينتهي القرن الرابع حتى اتخذ اليوم الخامس والعشرون من ديسمبر عيدا للميلاد في الشرق أيضا[13].

وقد كان "عيد الشمس التي لا تقهر"باللاتينية Dies Natalis Solis Invictiيحتفل به الرومان الوثنيون يوم 25 ديمسبر، تزامنا مع الموعد القديم للانقلاب الشتوي. كما كان عيدا ومهرجانا شعبيا لكثير من الشعوب والثقافات، سيما الزراعية منها.

ولعل خير دليل على أن هذا العيد (عيد ميلاد المسيح) والأعياد الأخرى المسيحية الدينية تعود في أصلها إلى الأديان الوثنية، هو أن عطلة الأحد، أو عطلة نهاية الأسبوع، عطلة وثنية، لأن الاسم الوثني لا يزال يطلق عليها حتى يومنا هذا في العالم الغربي (Sunday) أي يوم الشمس، مع أن الناموس الموسوي الذي جاء السيد المسيح عليه السلام لإكماله جعل عطلة الأسبوع يوم السبت، وعليه يجب أن يكون يوم العطلة الأسبوعية متحدا بين اليهود والمسيحيين[14].

ومهما كان الأمر فإن دعوى القوم على مر تاريخهم بتخصيص شهر ديسمبر شهر ميلاد السيد المسيح عليه السلام، دعوى غير صحيحة، يفندها كاتب إنجيلهم الثالث (إنجيل لوقا) فقد قدم وصفا للحالة الطقسية التي زامنت ميلاد السيد المسيح، حيث يقول: «وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية، يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم، فظهر ملاك الرب لهم، وأضاء مجد الرب حولهم فخافوا خوفا شديدا فقال لهم الملاك:" ولا تخافوا ها أنا أبشركم بخبر عظيم يفرح له جميع الشعب: ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب» (لوقا: 2: 8-11). أي أن الميلاد وقع في الوقت الذي يكون الرعي فيه ممكنا في الحقول القريبة من بيت لحم التي ولد فيها السيد المسيح عليه السلام ــــ حسب زعمهم، وهذا الوقت يستحيل أن يكون في فصل الشتاء، لأنه فصل يكثر فيه نزول المطر وتنخفض فيه درجة الحرارة إلى أدنى مستوياتها، خاصة بالليل، بل وتغطي الثلوج تلال أرض فلسطين، فلا يتصور في ظل هذه الأجواء وجود الأغنام ورعاتها خارج البنيان.

في هذا الصدد يقول يقول "الأسقف بارنز": «غالبا لا يوجد أساس للعقيدة القائلة بأن يوم 25 ديسمبر كان بالفعل يوم ميلاد المسيح، وإذا ما كان في مقدورنا أن نضع موضع الإيمان قصة لوقا عن الميلاد مع ترقب الرعاة بالليل في الحقول، قريبا من بيت لحم، فإن ميلاد المسيح لم يكن ليحدث في فصل الشتاء حينما تنخفض درجة الحرارة ليلا، وتغطي الثلوج تلال أرض اليهودية، ويبدو أن عيد ميلادنا قد اتفق عليه بعد جدل كثير ومناقشات طويلة حوالي عام 300 بعد الميلاد».

ويضيف الدكتور "بيك" (من علماء تفسير الكتاب المقدس) قائلا:« لم يكن ميقات ولادة المسيح شهر ديسمبر على الإطلاق، فعيد ميلادنا قد بدأ التعارف عليه أخيرا في الغرب»[15].

خاتمة:

إن تاريخ ميلاد النبي عيسى عليه السلام من وجهة نظر الديانة النصرانية المسيحية، سيظل ولا محالة تاريخا غير صحيح، وتأريخا ظنيا تخمينيا ليس إلا، لأنه وبحسب المؤرخين تأريخ لا يستند إلى وثيقة مشهود لها بالصحة واليقين.

وإن الاحتفال بعيد الميلاد يوم 25 ديسمبر ، لم يذكره الكتاب المقدس، ولم يشر إليه، ولم يتم الاحتفال به في النصرانية المسيحية المبكرة، وإنما اختير من قبل آباء الكنيسة، مع علمهم أنه عيدا وثنيا لتكريم الشمس، رمزا لكون السيد المسيح شمس العهد الجديد.

وإن المبشرين الأوائل كذلك كانوا يستعينون ببعض الرموز الوثنية لنشر الديانة المسيحية (بعد التحريف) في المنطقة، وأهمها الأعياد والاحتفالات الدينية.

هذا والله أعلم.



[1] "موسوعة تاريخ الأديان"، فراس السواح، تحرير عبد الرزاق العلي ـ محمود منقذ الهاشمي، منشورات دار علاء الدين دمشق ـ سورية، الطبعة الثانية 2010،الكتاب الخامس، ص: 219.

[2] "دراسات في اليهودية والنصرانية وأديان الهند"، الدكتور محمد ضياء الرحمان الأعظمي، مكتبة الرشد ناشرون المملكة العربية السعودية ـ الرياض ـ الطبعة الثانية 1424هـ / 2003م، ص: 274.

[3] لوقا 3: 1 ـ 3.

[4] لوقا 3: 21.

[5]"موسوعة تاريخ الأديان"، تحرير: فراس السواح، الكتاب الخامس، ص: 219

[6] لوقا 2: 1 ـ 7

[7] "قصة الحضارة [ قيصر والمسيح أو الحضارة الرومانية ]"، ول وايريل ديورانت، ترجمة محمد يدران، دار الجيل 1408هـ/ 1988م، مج 11، ص: 212

[8] مصدر سابق، مج 11، ص: 212

[9] "العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل"،حسن الباش، دار قتيبة للنش والتوزيع، دمشق-بيروت، الطبعة الأولى، 2001م، الجزء الأول، ص: 62

[10] " النصرانية والإسلام"، المستشار عزت الطهطاوي، تاريخ الإذن بالنشر من قبل إدارة البحوث والنشر للأزهر 4/6/1977، ص: 243.

[11] "لمحات في تاريخ الإنجيل"، حبيب سعيد، ص: 32، نقلا عن"دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند الكبرى"، د محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص: 275 ـ 276

[12] "قصة الحضارة"، ول ديورانت ، مج 11، ص: 212

[13] "قصة الحضارة"، ول ديورانت ، مج 11، ص: 213

[14] "الكتاب المقدس في الميزان"، الشيخ محمد علي برو العاملي، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، 1413هـ/ 1993م، ص: 388

[15] " النصرانية والإسلام"، المستشار عزت الطهطاوي، ص: 242.