ظهر التأثير الإسلامي بشكلٍ جلي على القرائيم في قضايا الأحوال الشخصية، وما تتضمنه من أحكام الزواج والطلاق والتعدد والميراث وغيرها. ففي الزواج يرى القرائيم أن الزواج فرض ما دام مقدوراً عليه، وتركه معصية ومفسدة. ورأوا أن الارتباط بين الرجل والمرأة يتم بالمهر والوثيقة والقبول، وأضاف بعض فقهائهم شروطاً أخرى أبرزها الإشهاد على الزواج، وشرط الولي، وشرط رؤية الخاطب لخطيبته، وشرط الكفاءة، وشرط المهر (عاجله وآجله)، وأعطى القرائيم الحق للمرأة في تطليق نفسها من الرجل، وهو المعروف في الفقه الإسلامي باسم الخلع، كما حرَّم القرائيم الزواج المؤقت بأجل أو الطلاق المؤقت بأجل، وحرموا الزواج بزوجة الأب، واشترطوا العدة على المرأة وحددوها بمدة ثلاثة أشهر هلالية، وحرموا التزوج بالحامل حتى تضع ما لم يكن الحمل من العاقد، وأوجبوا الحضانة للأم إذا كانت أهلاً لها. كما ذهب القرائيم مذهباً بعيداً في تأثرهم بالفقه الإسلامي في مجال الأحوال الشخصية، وذلك حين أخذوا بالملاعنة - ويسمونها يمين اللعنة - في حال ارتياب الرجل في امرأته دون إقرار منها أو شهود عليها. وهي كلها أمور ليس لها أي أصل في التوراة.(1)

وكذلك من المسائل التي خالف فيها اليهود القرائيم إخوانهم من اليهود الربانيم نتيجة تأثرهم بالشريعة الإسلامية - مع عدم وجود ما يناقضه في التوراة - قضية التعدد، فتعدد الزوجات موجود في التوراة، ومارسه إبراهيم - عليه السلام - فقد جاء في سفر التكوين ما نصه: "وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ " (تكوين 11: 29)، "فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا" (تكوين 16: 3)، "وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ" (تكوين 25، 1)، وكذلك عيسو بن إسحق "وَلَمَّا كَانَ عِيسُو ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ زَوْجَةً: يَهُودِيتَ ابْنَةَ بِيرِي الْحِثِّيِّ، وَبَسْمَةَ ابْنَةَ إِيلُونَ الْحِثِّيِّ" (تكوين 26- 34)، "فَذَهَبَ عِيسُو إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَأَخَذَ مَحْلَةَ بِنْتَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أُخْتَ نَبَايُوتَ، زَوْجَةً لَهُ عَلَى نِسَائِهِ" (تكوين 28: 9)، ويعقوب - عليه السلام - "فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: «هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ!».2 فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: «أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟».3 فَقَالَتْ: «هُوَذَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضًا مِنْهَا بَنِينَ».4 فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ،5 فَحَبِلَتْ بِلْهَةُ وَوَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ ابْنًا " (تكوين 30: 1- 5)، وغيرهم، واستمر التعدد سارياً بين اليهود طوال تاريخهم حتى جاء الحاخام جرشوم بن يهوذا (960- 1040م) وحرمه، ويعد جرشوم بن يهوذا أول كبار حاخامات اليهودية الإشكنازية المشتغلين بالتوراة في العصر الوسيط، وقد اشتهر كمفسر للتلمود، وكان حاخامات في (إيطاليا) و (فرنسا) و (ألمانيا) يتوجهون إليه بتساؤلاتهم في أمور الدين والقضاء، بينما كانوا يتجهون قبل ذلك إلى علماء (بابل)، ومن هنا كان لقبه (سراج المنفى) "מאורהגולה". وتنسب إليه شروح على أبواب متفرقة من المشنا، كما اشتهر بكونه ناظماً للتراتيل الدينية، وقد أدخل تعديلات تشريعية هامة عُرفت باسم (محرمات الحاخام جرشوم) "חרם דרבנו גרשום" نظراً لتوقيع عقوبة المقاطعة على كل من يتجاوزها، وقد أصبحت هذه التعديلات قانوناً وقضاءً يطبق حتى يومنا هذا بالرغم من معارضة بعضها لنصوص التوراة، وكانت إحدى هذه التعديلات التشريعية تحريم الزواج بأكثر من زوجة واحدة: "لا يجمع الزوج بين زوجتين".(2) وقد قبلت الجاليات الإشكنازية في أوروبا هذا التحريم، أما الجاليات السفاردية عموماً والجالية اليمنية خصوصاً فقد رفضتها، واعتاد الحاخامات السفارديم بالدول الإسلامية في ذلك الوقت على الزواج من عدة نساء وظلوا على هذا النحو حتى التاسع عشر.(3) جديرٌ بالذكر أنه ورد في كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين في "باب الزواج" المادة 54: لا ينبغي للرجل أن يكون له أكثر من زوجة، وعليه أن يحلف يميناً على هذا حين العقد، وإن كان لا حجر ولا حصر في متن التوراة. المادة 55: إذا كان الرجل في سعة من العيش ويقدر أن يعدل أو كان له مسوغ شرعي جاز له أن يتزوج بأخرى.(4) بينما جاء في شعار الخضر في الأحكام الشرعية للقرائيم: "تعدد الزوجات جائز بشرط عدم الإضرار بالإقبال على واحدة والإعراض عن الأخرى إحصانا بل العدل واجب بينهما كما يجب غير ذلك من نفقة وكسوة". وإن كان للإباحة أصل توراتي، فإن العدل أثر من أثار الإسلام الواضحة، استناداً إلى قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ" (النساء: 3).(5)

وإذا انتقلنا إلى جانب آخر من جوانب قضايا الأحوال الشخصية، وهو الميراث، نجد أن التوراة لم تسهب في الأحكام الخاصة بالميراث، فقد وردت أحكام الميراث متفرقة على صفحات التوراة، إلا أنه توجد حادثة وحيدة جمعت معظم أحكام الميراث الأساسية في التشريع اليهودي في فقرات معدودة، حيث جاء في سفر العدد 27: "1فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى، مِنْ عَشَائِرِ مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ. وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنَاتِهِ: مَحْلَةُ وَنُوعَةُ وَحُجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَتِرْصَةُ. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَأَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَكُلِّ الْجَمَاعَةِ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاَتٍ: 3«أَبُونَا مَاتَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ، بَلْ بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلْكًا بَيْنَ إِخْوةِ أَبِينَا». 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبّ ِ.6فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 7«بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. 8وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. 9وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. 11وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ». فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى." (العدد 27: 1 - 11). ويتضح من النص السابق أن للبنات حقاً في ميراث أبيهن، إلا أن التوراة لم تطلق هذا الحق، بل قيدته بشرطين مهمين، الأول: ألا يكون للأب أبناء ذكور، والثاني: هو عدم زواج البنات اللاتي حصلن على ميراثهن من خارج القبيلة اللاتي ينتمين إليها، كما ورد في (سفر العدد 36: 6 - 7)، والهدف من هذا التشريع هو الحفاظ على الأموال والممتلكات داخل القبيلة الواحدة. إلا أن هذا التشريع الأخير طرأ عليه تعديل على يد الحاخامات، حيث أجازوا للبنات اللاتي يرثن الزواج من أي قبيلة أخرى، وجديرٌ بالذكر أن من الإشارات القليلة الخاصة بميراث البنات ما ورد في سفر أيوب، حيث إنه قد أشركهن في الميراث، ولكنها حالة استثنائية ترجع في رأي (W . corswant - كورسوانت) إلى حالة الثراء التي كان عليها أيوب، ونص ما ورد في سفر أيوب 42: 15 ما يلي: "15وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ، وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ."(6)

ونجد أن القرائيم قد ذهبوا - دون سند توراتي - إلى تخصيص الثلث للبنات، وذلك انتحالاً واضحاً من الشرع الإسلامي، فليس هناك من دليل واحد على وجود ما يشابهها في الشرائع اليهودية، كما منع القرائيم الميراث في حالة ارتداد المرء عن الملة، ما لم يكن مرغماً ولم يجد سبيلاً للخلاص. وذهبوا إلى أنه إذا مات المورث من غير عقب ورثه أبوه وأمه سوية، وإذا كان أحدهما ميتاً قام مقامه المحق من ورثته، وإذا ماتا كلاهما فالميراث للإخوة الأشقاء فإذا لم يكن له أخوة فالميراث للأخوات، وإذا كان لا أخوات فللجدين والجدتين، وإلا فللأعمام والخالات، وإلا فالقريب الأقرب. مخالفين بذلك نص التوراة، (عدد 27: 8 - 11). والذي يحدد ورثة المرء كالآتي: الابن ثم البنت ثم الإخوة ثم إخوة الأب ثم النسيب الأقرب من العشيرة. كما حرم القرائيم تفضيل بعض الورثة على البعض، بالرغم من شيوع هذا الأمر في التوراة، ومن ذلك تفضيل اسحق ليعقوب على عيسو (تكوين 27). وفي أحوال الهبة والوقف ذهب القرائيم - دون أي دليل توراتي – إلى أنه ليس للموروث أن يتصرف في كل ماله منعاً من حرمانه، وقدروا حد التصرف بالثلث.(7)

----------------------------------

(1) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م، ص 109، ص 116، ص 120- ص 124، ص 134- ص 135.

(2) رشاد الشامي (د) موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2003م، ص 139 - 140.

(3) عبد الوهاب المسيري (د)، من هم اليهود ؟ وما هي اليهودية؟ أسئلة الهوية وأزمة الدولة اليهودية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السادسة، 2009م، ص 35.

(4) م. حاي بن شمعون، الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين، مطبعة كوهين وروزنتال، مصر، 1912 م، ص 17.

(5) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 115.

(6) مصطفى عبد المعبود سيد منصور (د)، توظيف الأحكام التشريعية في المشنا: أحكام ميراث الرجل أنموذجاً، في: نازك إبراهيم عبد الفتاح (د) وآخرون، المصطلح والنص في الدراسات العبرية، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006 م، ص 315 - 317.

(7) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 127- 133.