ظهرت التأثيرات الإسلامية في الفكر القرائي في العبادات، وبخاصة الطهارة والصلاة، فقد اشترط عنان بن داود على من يريد تلاوة التوراة أو الصلاة أو دخول بيت الله أن يلتزم الطهارة ويخلع نعليه ويغسل يديه ووجهه وقدميه. وليس لهذه الشروط مرجع توراتي محدد، وإنما هي اجتهادات جاءت وَفق ما يسير عليه المسلمون. وفي ما يتعلق بالصلاة فقد أوجبها القرائيم على كل ذَكَر تجاوز العاشرة من عمره، ولم تذكر المصادر القرائية مصدر هذا التشريع ولعله تأثراً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" سنن أبو داود. كما فرض القرائيم الصلاة على النساء سواءً بسواء مع الرجال، في حين أعفى الربانيم النساء من العبادات المرتبطة بمواقيت محددة ومنها الصلاة لتعارضها مع واجباتها المنزلية. كما يرى القرائيم أيضاً إقامة صلاة الشكر لكل من حلت له نعمة، كمن فقد طريقه في الصحراء ثم تم إنقاذه، ومن كان على ظهر سفينة وأطاحت بها الرياح ثم نجا. وهذا انتحالاً لما كان قد ذهب إليه جمهور علماء المسلمين في القول باستحباب سجدة الشكر لمن تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة.(1)

جديرٌ بالذكر أنه لم يكن الربانيم في معزل عن التأثر بالدين الإسلامي في العبادات - كإخوانهم القرائيم - وعبَّر عن ذلك الباحث اليهودي نفتالي فيدر بقوله إن ظاهرة التأثير الإسلامي قد تغلغلت في قلب العمل الديني والعبادة الدينية، كما يظهر في شعائر الصلاة في الكنيس، والتطهر قبل صلاة الصبح بغسل اليدين والوجه والرجلين - بالرغم من أن التلمود ينص على غسل اليدين فحسب ولا توجد أدنى إشارة للوجه والرجلين - والذي جاء انتحالاً من فريضة الوضوء في الإسلام، والذي من الواضح أنه صادف هوىً وقبولاً عند اليهود، فنقلوا سائر سننه وأركانه وأدخلوه في شعائرهم كغسل الذراعين وما وراء الأذنين ومسح الرأس والاستنشاق. كما أدخلوا في شعائرهم اغتسال الجنابة، والذي لم يُشر إليه أدنى إشارة في التوراة أو التلمود، ولم ينتشر بين اليهود إلا في العصر الوسيط. ومن المثير للانتباه هنا أن الرابي موسى بن ميمون وبالرغم من إقراره بأن الاغتسال من الجنابة مجرد عادة اكتسبها اليهود من محيطهم الإسلامي وليس لها سند ديني يهودي فإنه يشدد على أنه يلتزم به باعتباره عادته وعادة آبائه. وبالمنهج نفسه أدخل موسى بن ميمون بنفسه تعديلاً بالغ الأهمية على نظام الصلاة التقليدية - متأثراً بالشريعة الإسلامية - حتى ألغى صلاة الهمس ، وبدلاً عنها قال بأن يصلي الجمهور والإمام صلاة واحدة سوياً، ودامت هذه العادة مدة 30 عاماً حتى صدور قرار رئيس الطائفة اليهودية حينها فأماط اللثام عن الدوافع الخارجية الكامنة وراء هذا التعديل، ثم ألغاه. ومن بعد موسى بن ميمون سار ابنه إبراهيم على نهج والده في إدخال مجموعة من الشعائر الإسلامية في سعي منه لتحسين شعائر الصلاة اليهودية، وبحسب وصف نفتالي فيدر فإن الأنظمة الحديثة التي أسسها الحَبر إبراهيم الميموني قد نقلت من المسجد إلى الكنيس، وأن فيها ما يعد تطاولاً جوهرياً على نظم الصلاة التقليدية وملاءمتها شعائر العبادة الإسلامية. وهذه الأنظمة هي: السجود، والجلوس على هيئة البارك، واستقبال القبلة وقت الجلوس، ووقوف المصلين في صفوف، وبسط اليدين.(2)

ومن جهة أخرى اشترط علماء القرائيم شروطاً للتوبة هي أقرب ما تكون لشروط التوبة التي حددها علماء المسلمين، مع محاولة تهوديها، والبحث في التوراة عن نصوص يمكن الاستناد عليها، حيث اشترطوا:

1 – أن لا يرجع الإنسان بعد التوبة لعمل ما يغضب الله، وذلك استناداً إلى ما جاء في (أشعياء 55: 7): "لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ".

2- أن يعاهد نفسه أمام الله بألا يعود إلى سيرته الماضية حتى يرضى الله عنه دنيا وآخرة، استناداً على ما جاء في (الأمثال 28: 13): "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ".

3- أن يندم على ما فعل ويلوم نفسه ويحاسب ضميره، كما ورد في (المزمور 32: 5): "أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي".

4- أن يطلب الغفران من الله تعالى مع الحسرة والندم والخشوع وطلب الرحمة والصفح من الله تعالى بإذلال النفس بالبكاء وهو صائم لما جاء في (هوشع 14: 3): "خُذُوا مَعَكُمْ كَلاَمًا وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: «ارْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَاقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا"، و (حزقيال 33: 11): " قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟".

5- أن يتوب عند مقدرته على عمل المعاصي لا عند عدم استطاعته الإتيان بها، أي أن يتوب برضائه وبمحض إرادته لا بعوامل تمنعه من أداء المعاصي.

والناظر إلى النصوص المستشهد بها في سياق الحديث عن شروط التوبة يجد أنها في كثير من الأحيان لا تعطي معنى الشرط تماماً، فالشرط إسلامي خالص، أما الدليل فهو محاولة لتهويد الشرط.

فالشرط الأول: لا يفيد نصه بعدم العودة وإنما يفيد ترك المعصية وحسب.

والشرط الثاني: لا يفيد نصه معاهدة الله على عدم العودة إلى الذنوب.

والشرط الثالث: ليس في نصه ما يشير إلى الندم ومحاسبة الضمير.

والشرط الرابع: ليس هناك ما يؤيده في سفري هوشع وحزقيال.

والشرط الخامس: قد جاء بلا دليل.(3)

----------------------

(1) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م، ص99 - 101.

(2) انظر: نفتالي فيدر، التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، ترجمة: د. محمد سالم الجرح، سلسلة فضل الإسلام على اليهود واليهودية، العدد1، 1422هـ - 2001م.

And: Adin Steinsaltz. AGuide to Jewish prayer, Israel institute for Talmudic publications, 2002.

(3) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 102 - 104.