شكلت الظروف التاريخية وتطورات المحيط الاجتماعي الكثير من العقبات أمام أتباع الأديان السماوية، ولو عدنا بالتاريخ للوراء لوجدنا نماذج مختلفة مثل البلشفية الروسية والليبرالية الحداثية الأوروبية، والقومية العربية، وغيرها من الإسهامات الفكرية البشرية التي اعتدت على الأديان السماوية وأنكرت حاجة الناس للعقائد السماوية التي تنظم حياتهم. في كتابه "من سيحكم العالم؟" يقول المفكر الأمريكي نعومي تشومسكي: "إنَّ رصيد المرشح الجمهوري دونالد ترامب الانتخابي يتزايد بفعل التصريحات المتطرفة التي يلقيها، وتجد من يصغي إليها من المتخوفين على مستقبل أمريكا في ظل العداء الخارجي الشديد لها وفشلها في محاربة ظاهرة الإرهاب واستعدائها للعالم الإسلامي".

تلاشت الكثير من الظواهر الفكرية مثل الماركسية والقومية، وظهرت أخرى جديدة كلها وحدت هدفها لخوض غمار معركة عميقة مع الإسلام، وبذلك استوجب على الأمة الإسلامية على كافة الصعد - سواء كانت رسمية أم شعبية - أن تتحضر لما يسميه الدكتور حسن الأسمري معركة "الوعي الفكري". يقول الأكاديمي المتخصص في علم الأديان والعقائد، في جامعة الملك خالد: "يجب علينا أن نعيَ جيداً الانتماءات العقدية والفكرية والمتغيرات المصاحبة لها وقدرتها على التأثير في مجتمعاتنا، من أجل التعرف على سبل مواجهتها والتصدي لها".

لا يوجد مجال للشك في أن الوعي الفكري الذي أشار إليه الأسمري، هو قاعدة مهمة تحدد مصير المجتمع، لذلك يقول: "إن الوعي الفكري لدى الفرد يمكِّنه من رؤية طريقه بوضوح ويجعله يتمتع بالطمأنينة من القلق والقدرة على رؤية المشكلات وحلها". وخلال محاضرة أقامتها مجلة البيان بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين، أكد الأسمري أن الوعي يمكن تقسيمه إلى قسمين: هما الوعي الحقيقي والوعي الزائف، مشيراً إلى أن الوعيَ قد يكون مفتوحاً وقد يكون محدداً بمكان أو زمان.

إن أهم معارك الوعي الدائرة اليوم في عالمنا هي المعركة التي تتعلق بالعقائد والأديان، فهناك 5 مليارات نسمة يعيشون على كوكب الأرض يعتنقون أدياناً مختلفة، لذلك - والقول للأسمري - فإنه من المهم أن يكون لدى الإنسان المسلم وعي بالديانات والانتماءات العقدية لمن حوله وللمتفاعلين في دائرته، بالإضافة إلى الوعي بالفِرَق والأديان والمذاهب التي تعاديه. كذلك فإن الحداثة الاجتماعية والفكرية أظهرت نمطاً جديداً من العداء للإسلام والذي تمثل في المذاهب الفكرية المعاصرة مثل (العلمانية، الاشتراكية، اليسار...) وكل تلك المذاهب تجسدت على هيئة جيوش فكرية تحارب المنهجية الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية التي يسلكها الإسلام.

ويقسم الدكتور الأسمري الأديان إلى أديان مليارية وأديان غير مليارية، مشيراً بذلك إلى الفرق بين الإسلام كدين ملياري وإلى أديان مثل المورمونية النصرانية، كذلك هناك أديان مغلقة وأديان مفتوحة، فالأولى تفتح مجال الدعوة أمام معتنقيها وتتقبل الآخر بينما المغلقة منكفئة على نفسها، على سبيل المثال فإن النصرانية والإسلامية تقبلان المعتنقين الجدد بعكس اليهودية.

ويعتقد الأسمري أن أهم التحديات التي تواجه الإسلام اليوم تتمثل في ظاهرة الإلحاد والعلمانية والغلو في الدين والتمييع في الدين، ويشير إلى أنها جميعاً حالات يتم توجيهها واستثمارها في هدم المجتمعات الإسلامية من الداخل. ومن المعلومات الهامة التي ذكرها الدكتور الأسمري أن عامة الأديان ذات النزعة الصوفية تميل إلى عبادة وتمجيد الرموز، مثل الشيعة والبوذيين والنصارى، وبعض فرق المنضوية تحت عباءة أهل السنة.

وبالرغم من المحاولات التي بذلت من أجل تخفيف حدة الصراع بين الأديان بما فيها الديانات السماوية إلا أن تلك المحاولات فشلت لعدة أسباب أبرزها، أن تلك الديانات قدرها الصراع كما يرى الأسمري، فهناك مؤتمرات عقدت لدعم ما يسمى بــ "حوار الحضارات والأديان"، وهذا الأمر كان أحد أبرز بوابات التطبيع بين العالم الإسلامي والمجتمعات النصرانية، لكنه لا يختلف عن كونه أداة من أدوات الصراع مع النادي النصراني الغربي والأمة الإسلامية.

ويؤكد الأكاديمي السعودي أن أكثر ما يقلق ويخيف صانع القرار الغربي سواء كان ذلك على المستوى السياسي أو الديني، هو "الصحوة الإسلامية" التي يشهدها جيل الشباب، وتكمن الخطورة - على حد وصفه - كون هذه الصحوة تستغرق وقتاً طويلاً وتؤثر في مصير ومستقبل المجتمعات الإسلامية.

ولذلك ينبغي على الأمة أن يكون مشروعها الأهم في هذه المرحلة مشروع دعوة الأديان المخالفة لأنها تعرف أنها على حق ويجب أن يصل ما لديها لمن لا يعرفه، ويشير الباحث هنا إلى ظاهرة انتشرت بشكل كبير مؤخراً واختصرها بقوله: "الإسلام مفكَّر فيه"، أي إنه أضحى أحد الخيارات المطروحة أمام غير المسلمين  بفعل عملية التواصل التي أثْرَتها وسائل التقنية المعلوماتية والأحداث والتطورات السياسية الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، ويستشهد بإحصائية نشرها معهد بيو الأمريكي، ذكر فيها أنه في عام 2010 كان ترتيب الديانات على مستوى الولايات المتحدة، النصرانية (1) والإسلام (2) واللادينية (3)، مفيداً أنه في عام 2050 سيصبح الإسلام (1) والنصرانية (2) واللادينية (3).  ومن المهم التنويه بأزمة يعاني منها المقبلون على الإسلام والمجتمعات الإسلامية الجديدة عموماً، وتتمثل في عدم الوعي بنوعية الالتزام الديني، وكذلك عدم وجود وسائل وأدوات توجيه كافية ترشد المسلمين الجدد لما فيه مصلحة دينهم ودنياهم، وهذا الأمر يُلزمنا بالتغيير من أولوياتنا.

ويستشهد الدكتور الأسمري هنا بإحصائية تؤكد أنه عام 2010 كان هناك 20 موقعاً إلكترونياً تدعو إلى الإسلام، بينما في الوقت نفسه كان هناك 70 ألف موقع تدعو للنصرانية مضيفاً أنه بعد 3 سنوات نزل عدد المواقع الإسلامية إلى 17 بينما زادت المواقع النصرانية إلى 120 ألف موقع.

وأشار في ختام المحاضرة إلى تجربة المورمون في الولايات المتحدة في الدعوة، وذكر أنهم بعد ملاحقة واضطهاد ومحاولات لتصفيتهم استمرت 30 عاماً ويعتبَرون اليوم من أقوى الديانات في الولايات المتحدة ويبلغ عددهم 15 مليون نسمة، ولديهم أذرع دعوية تمتد حتى شرق أسيا. كما نبه الدكتور حسن الأسمري إلى أهمية الوعي الفكري بالفِرَق المحسوبة على الإسلام مثل الشيعة والصوفية والفرق الكلامية وغلاة الأسماء والأحكام، وأهمية فضح الشبهات التي تقع فيها، وتوضيح الموقف الشرعي منها، وإظهار أدوارها السلبية في التأثير على مصير الأمة الإسلامية والمجتمعات المسلمة.