زكاة الفطر موسم سنوي مرتبط بانتهاء عبادة عظيمة هي الصوم شهر رمضان المبارك، فرضت لتطهير نفس من صام رمضان من اللغو وهو ما لا ينعقد عليه القلب من القول، ومن الرفث وهو الفحش من الكلام(1). والحكمة الأخرى توفير الطعام للمسكين في يوم العيد، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر تطهيراً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين"(2).

والخلاف في نوع المخرَج هل يشترط أن يكون قوتاً كما هو قول الجمهور أو يجوز إخراجها قيمة كما، ذهب إليه الحنفية وبعض العلماء مع اتفاق الطرفين على جواز إخراجها قوتاً. وكان الطرف المجيز دائماً يحتج في ما يحتج به بالنظر المقاصدي؛ فالحكمة من فرض زكاة الفطر هي إغناء الفقير عن ذل السؤال في هذا اليوم الذي هو يوم الفرح والسرور، والتمتع بأطايب الطعام وألوان الشراب ولبس أجمل الثياب وتبادل أغلى الهدايا؛ فكيف يكون حال من لا يملك شيئاً، وفوق هذا يبذل ماء وجهه في يوم الفرح والسرور ليتكفف الناس؟ مثل هذا سيمر عليه يوم العيد كباقي الأيام ولن يشعر بأن هناك عيداً أبداً، بل ستزداد كآبته وهو يرى الناس في فرح وهو لا يجد ما يفرح به أو يُفرح به أسرته! قالوا: وتختلف احتياجات الإنسان باختلاف الزمان والمكان؛ فما يحتاجه في زمن قد لا يحتاجه في زمن آخر؛ وكأنهم يلمِّحون إلى جمود القائلين بعدم جواز إخراج القيمة على النصوص، وأن قولهم يخلو من النظر المقاصدي!

وإذا تأملنا المسألة من جميع جوانبها وأمعنا النظر فيها نجد أن النظر المقاصدي في جانب القائلين بإخراجها قوتاً أقوى وأبعد نظراً.

فإذا نظرنا في الباعث الشرعي على إخراج الزكاة على وجه العموم وزكاة الفطر على وجه الخصوص،

ثم نظرنا في ما يحقق المصلحة على امتداد الزمان واختلاف المكان، ونظرنا في حال الفقير وما هو الأنفع له... كل هذه الجوانب مجتمعةً تفيدنا بأن إخراجها قوتاً هو ما يحقق المصلحة؛ فالباعث الشرعي والمقصد الواضح والحكمة المنشودة من الزكاة: سد حاجة المحتاج سواء كان فقيراً أو مسكيناً أو مسافراً... إلى آخر الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: }إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ [التوبة:60]

فبدأ بالفقراء وثنَّى بالمساكين، ولا نعرِّج على خلاف أهل العلم واللغة في التفريق بينهما ولكن كلا الصنفين تجمعهم الحاجة ونقص متطلبات الحياة، وإذا تأملنا احتياجات الإنسان ومتطلباته ورتبت حسب الأهمية نجد أن القوت في أعلى القائمة ثم تتبعه بقية الاحتياجات البشرية حسب أهميتها والاحتياج إليها.

ولذلك لمَّا امتن الله تعالى على قريش بموسمين تجاريين فلم يقعدوا عن التجارة صيفاً أو شتاء قال تعالى: }لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ {[قريش: 1 - 4]

قال ابن كثير: والمراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله فمن عرفهم احترمهم(3).

أمرهم بعبادته وحده لا شريك له إذ تفضل عليهم بركني الحياة وأساسها، وهما الإطعام والأمن. ومع أن التاجر عادة يجلب بالإضافة إلى الطعام اللباس والفراش والأواني وغيرها إلا أن المنة الكبرى كانت في الإطعام ويرافقه الأمن وكان الجوع والخوف ملازماً لأكثر سكان جزيرة العرب قبل الإسلام، فالقوت هو الأساس الذي تقوم عليه حياة البشر ولا تتقدمه حاجة دنيوية أخرى مهما بلغت، ومن يستقرئ التاريخ يجد أنه في فترات انتشار الجوع - والعياذ بالله - يبيع الناس أغلى ما عندهم من أجل ما يسدون به رمقهم، وربما مرو على أغلى الذهب والجواهر والتحف الغالية فلم يلتفتوا إليها، فهم في ذهول عنها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع"(4).

فالقوت يأتي في المرتبة الأولى من احتياجات البشر، ولا يبدؤون في البحث عن غيره إلا حين توفُّره وحصول الشبع، لذلك كان توفير القوت يأتي في المقدمة سواء على المستوى العام أو الخاص.

وقد درجت عادة الناس في ما مضى على استعمال وسائل ملائمة متعددة لحفظ القوت طوال العام وكيفية الاستفادة من المواسم التي يكثر فيها، ثم يكون هناك ترشيد في استهلاكه حتى لا ينفد، فتوفير القوت أهم من أي شيء آخر.

وفي زكاة الفطر إذا نظرنا في امتداد الزمان واختلاف المكان نجد أن المصلحة في تقديمها قوتاً يتناسب مع كل هذا التنوع؛ فالاختلاف حاصل والفارق موجود والاحتياجات مختلفة لكن لا يمكن أن يحصل خلاف على اعتبار القوت في المرتبة الأولى في الأهمية لدى جميعهم.

وأكثر ما تنتشر فتوى جواز إخراجه قيمة في البلاد الغنية، لذلك كانت فتوى الحنفية في العراق بإخراج القيمة لأنها كانت بلداً غنياً في زمانهم، وفي فترات الغنى يغفل الناس عن أهمية القوت وقد شغلوا عنه بالتفنن في المطاعم والمشارب والبحث عن الملذات، بل إنهم يستحدثون وسائل وطرقاً لتحبيب الطعام إلى أنفسهم سواء في الشكل أو المذاق، وهم في أكثر أحوالهم يأكلون تلذذاً لا حاجة، وينشط التجار في إدخال أمور كثيرة مما يسمى بالكماليات في حياتهم حتى تصبح جزءاً مهماً منها، وحتى يخيل إليهم أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها.

ومن الطبيعي ألا يكون المجتمع كله غنياً، ولكن تنتشر بينهم ثقافة وعادات الأغنياء؛ حتى إن متوسط الدخل يعاني جراء محاولته مجاراة الأغنياء؛ فكيف بحال الفقير؟

بينما في المجتمعات الفقيرة يعرفون أهمية القوت فلا يقدِّمون عليه شيئاً؛ ولذلك من الطبيعي عندهم أن يعمل الرجل أجيراً بقوت يومه، وربما رفض النقد وطلب مكانه طعاماً.

ولذلك من أكبر الكوارث على المجتمعات الغنية غفلتهم عن أهمية القوت؛ فلا يخطر على بالهم تخزين ما يكفيهم لأشهر ولا يلتفتون إليه، فإذا حدثت كارثة نفد ما لديهم سريعاً وعانوا من الجوع فيجرهم إلى مآسٍ أخرى والعياذ بالله.

لذلك كانت زكاة الفطر من الأهمية بمكان في توفير القوت في البلد الذي تصرف فيه، ولا يتحقق المقصد فيها إلا إذا صرفت في نفس البلد. فإذا افترضنا بلدة معينة زكاة الفطر فيها ألف طن من قوت ذلك البلد سواء قمحاً أو ذرة أو أرزاً فسوف يعتبره التجار والمزارعون موسماً لربحهم فسيعملون من أجله، وسيقومون على جلبه وتوفيره في ذلك البلد في المدة المحددة ليكون جاهزاً متوفراً وقت الطلب، ومن عادة التجار أن يزيدوا تحسباً للنقص وطمعاً في مزيد من الربح؛ فإذا كان احتياج المدينة ألف طن من القمح مثلاً فيسجلبون ثلاثة آلاف طن لذلك البلد أو أكثر، ووجود مثل هذه الكمية في ذلك البلد وتوفرها في غاية الأهمية؛ فأي مجاعة أو كارثة تحدث تجد البلدة تقاوم بما لديها من مدخرات من القوت بل إن وجود مثل هذه الكمية يحفظ توازن السعر طوال العام ويمنع الاحتكار.

وقل مثل هذا عن الأضحية؛ فالأضحى موسم كبير يُعِد له مربُّوا الماشية وتجارُها ويعملون على جلبها بكميات وفيرة، وهو ما يؤدي إلى توفُّر الماشية واللحوم وتضاف إلى ادخار القوت فتحتمي المجتمع بإذن الله تعالى من المجاعة طوال السنة لو حدثت أي كارثة، ولو لم تحدث فتكون متوفرة للناس باختلاف طبقاتهم.

ولو نظرنا إلى حال الفقير نجد أن بعض الفقراء سبب فقره عدم حسن تدبيره في المكسب، وسوء تصرفه في بعض الأمور الهامشية أو الترفيهية، وترك أسرته تتضور جوعاً. ولأهمية القوت في حياة البشر نجد أن الأحكام الشرعية أحاطته بسياج قوي متين منيع من الحماية؛ فحرم ربا الفضل في القوت حتى لا يتلاعب به التجار ويستغلون حاجة الناس وحتى يبقى للسلعة قليلةِ المستوى قيمة مقارنة بعالية الجودة، وربما اختفت من الأسواق بسبب هذا التعامل وانعدم قوت الفقراء القائم عليها، فإذا كان مد التمر الجيد بمدين من الرديء فسيؤدي هذا إلى إهمال زراعة الرديء ومن ثَم انعدامه؛ لذلك كان السبيل إلى استبدال تمر جيد بتمر رديء هو استعمال النقد، فيصبح لكلٍّ قيمة معروفة تحفظ وجوده لمن يطلبه من الفقراء فلا تفنى السلعة الرخيصة مقابل الغالية، وقل هذا في القمح والذرة وغيرها من أقوات الناس.

كذلك نجد الفقهاء لم يختلفوا في تحريم الاحتكار في القوت وإن حصل خلاف في غيره، كذلك عدم قطع يد سارق الطعام لسد جوعه في أزمنة المجاعة ولو استعرضنا سائر الأحكام لطال بنا المقام.

1- نيل الأوطار (4/255).

2- أخرجه أبو داود (1609)، وابن ماجة، والحاكم (1488) قال: صحيح على شرط البخاري

3- تفسير ابن كثير 8/3866.

4- أخرجه أبو داود (1547)، وابن ماجة (3354)، وصححه النووي في الأذكار (1171).