هآرتس/ تسفي برئيل

في ظاهر الصراع العالمي الموجود حالياً سنلاحظ قائمة من المعارضين لحالة "الصواب السياسي المنافق" الذي اختار أن يعلن أن الدين الإسلامي هو دين "قاتل". مع جنوح الغرب نحو الخطاب المتطرف الذي يكرره المرشح الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب سنجد أشخاصاً يقولون دائماً يجب مناداة المولود باسمه؛ الإرهاب الإسلامي هو إرهاب إسلامي، ولا داعي لتجميله أو الالتفاف عليه أو التملق.

يدَّعي الكثيرون من هذا التيار أن الإسلام أعلن الحرب على الغرب، لكن في صميم أنفسهم يرون أن الحرب الحقيقية تدور حول القيم الليبرالية في هذا العالم. ملخص ما يمكن أن نصل إليه أنه لا يمكن لقيم ثقافية أن تستوعب قيماً أخرى؛ فالهوية العلمانية التي صنعها الغرب ويحاول الحفاظ عليها منذ قرون تعيش معركة صعبة في الصراع مع القيم الإسلامية التي تنتشر بفعل انتشار المسلمين في المجتمعات الغربية. لا يمكن في هذا المقام إخفاء الحقيقة المطلقة، فهذا الأمر لا يمكن التعامل معه بطريقة نسبية، بعد هجوم أورلاندو الذي استهدف تجمعاً للمثليين، كتب غيدي طاوب ساخراً: "يبدو أن هجوم ما بعد الحداثة على طموح الليبرالية إلى العالمية، سيحولنا إلى ليبراليين أكثر، نحن سنوسع المساواة من البشر إلى مساواة بين القيم. هكذا سنكون حساسين ليس فقط للحقوق القانونية للآخر، وإنما أيضا لثقافته وتفضيلاته"، بمعنى أن حقيقة وجود فوارق عميقة بين القيم والمجتمعات لا يمكنها التغلب على قيمة المساواة، التي يجب أن تسود بين البشر كلهم.

لكن تمييز طاوب بين المساواة الحتمية بين البشر وعدم المساواة بين القيم والثقافات تقود الى كمين ذاتي. حسب هذا المفهوم، فإن البشر هم مخلوقات تفتقد إلى السياق والثقافة أو القيم، مهما كانوا كريهين أو أنقياء. هذا تمييز مستهجن يدعي، ضمن أمور أخرى، أن المسلمين قد يكونون أناساً أخياراً كأفراد، لكن ثقافتهم وديانتهم قاتلة، ولذلك فإنهم قتلة، لأنه لا يمكن حقاً الفصل بين الإنسان وثقافته.

لكن الخلاف - ومن المهم ملاحظة ذلك - ليس بين جهات ما بعد الحداثة الساخرة، التي تخفي "الحقيقة"، كما يدَّعي طاوب، وبين جهات الحداثة التي تسعى إلى الحقيقة، وإنما بين من يشير بارتياح سياسي إلى الإسلام كعدو جماعي يدفع خصمه الغربي إلى مخبأ الضحية، وبين من يتجرأ على البحث عن دوافع أكثر دنيوية، كتلك التي تجعل الإنسان يقتل، كالكراهية للمثليين أو الغضب القومي.

هذا الخلاف متأصل بين من يدَّعي اعتبار الإسلام كياناً إرهابياً، وبين من يميز بين الإسلام وبين الإرهاب الذي يتم باسمه. من المهم الانتباه إلى أن عدم الصواب السياسي هذا، يثور فقط عندما يقوم إرهابيون مسلمون بالمس بمواطنين أو بأهداف في الغرب. هذا التقدير الشائع يدَّعي أنه في سورية تم قتل ما لا يقل عن 270 ألف إنسان، غالبيتهم على أيدي مسلمين آخرين. وأن حوالي سبعة ملايين سوري، مسلم ونصراني، تحولوا إلى لاجئين بسبب الإسلام. في سنوات التسعينيات، قُتل في الجزائر عدة آلاف من المسلمين على أيدي أبناء دينهم. المسلمون يقتلون المسلمين، وبدأوا بذلك قبل زمن طويل من تحول داعش إلى الرمز التجاري للإسلام، وقبل القاعدة. ولكن عندما يقتل المسلمون إخوتهم لا يرى الغرب بذلك أي مس بالقيم الغربية. فجأة لا يصبح أي معني لقيمة المساواة بين البشر والحق العالمي بالحياة!

غياب الصواب السياسي "المستنير"، المناصر "للحقيقة" الصرفة، يحتفل الآن حين ينعت القاتل من أورلاندو بأنه إسلامي. كما لو أن عمر ماتين الأمريكي، إضافة إلى كونه قاتلاً شريراً، حرر أخيراً الولايات المتحدة، وليس هي فقط، من قيود الآداب السياسية.

أخيراً يمكن القول علانية: "يوجد إرهاب إسلامي متطرف"، ككلمات التوبيخ التي قالها دونالد ترامب لهيلاري كلينتون، لكن ترامب نفسه يزور عدم الصواب السياسي لديه شخصياً. فهو لا يقصد الإسلام المتطرف فقط وإنما الإسلام كله، لأنه لا يمكن أن يكون هناك إسلام متطرف بدون الإسلام. ويدعو قائلاً "يجب فحص الجالية الإسلامية كلها"، ويقترح عدم السماح للمسلمين الذين ولدوا خارج الولايات المتحدة بدخولها. ومن سيتجرأ الآن على عدم الموافقة مع فارس قيم الغرب هذا؟