تأليف: أ.د محمد أحمد مفتي و د. سامي صالح الوكيل

الطبعة: الثانية، 1436ه، 2015م

الناشر: مركز تكوين للدراسات والأبحاث

مع سيطرة المفاهيم الغربية على الواقع السياسي والاجتماعي اليوم، برزت أفكار ونظريات متعددة، وباتت فكرة حقوق الإنسان والدعوة إليها من القضايا الجوهرية في المجتمعات المعاصرة، وارتبط قيام مبادئها والدفاع عنها بالغرب، حيث أسهم الاستعمار الغربي ومن ثم فضاءات العولمة ومؤسسات النظام الدولي الجديد في تأطير النظرية الغربية للمفاهيم المكونة للحقوق الأساسية للإنسان؛ وأضحت المفاهيم والمبادئ الغربية المرجع الأساسي للقواعد الاجتماعية والحقوق الفردية للإنسان في العالم أجمع.

وتأتي هذه الدراسة لبيان الإطار المنظم للحقوق الشرعية في النظام السياسي الإسلامي، ولإبراز القواعد الفكرية التي تُبنى عليها الحقوق الإنسانية في الفكر الغربي، وبيان تناقضها مع التصور الإسلامي للحقوق الشرعية للإنسان؛ فقد سعى البحث ليوضح الفارق الكبير تجاه فكرة حقوق الإنسان على مستوى المنطلقات والتصور والتنظير، وعلى مستوى الممارسة والآثار، وعلى مستوى المصدر والمقصد.

وفي هذه الدراسة يؤكد الباحثان خصوصية الشريعة الإسلامية في تصورها لحقوق الإنسان، إذ الحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند على تكريم الله تعالى له، واستخلافه له في الأرض، ومنحه إياه ذلك، ويتساوى بهذا التكريم جميع البشر بصفتهم الإنسانية، مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم ومواطنهم وأنسابهم، إلا أن ميزان التكريم يعتمد على الارتباط العقائدي للإنسان، فبقدر سموه في عقيدته وتصرفاته يرتقي في حقوقه؛ وهذه الحقوق في النظام السياسي الإسلامي منوطة بالتحديد الشرعي لها، وليست خاضعة للعقول البشرية والأهواء الذاتية ولا للرغبات الفردية أو الشعبية، فمصدر الحقوق الشرعية هو الأوامر والنواهي، التي جاء بها الوحي من الله تعالى، والثابتة في الأدلة الشرعية، كما أن إقامة تلك الحقوق في واقع الحياة، وفي الممارسات، يتم عن طريق الالتزام الإيماني للفرد، استجابة لأمر الله ورسوله، ولو خالفت رغبته ومصلحته الفردية، وعن طريق السلطان الإسلامي المتمثل في الدولة الشرعية، المنوط بها إقامة العدل؛ فالغاية من هذه الحقوق في الفكر الإسلامي ونظامه السياسي تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى وحفظ مقاصد الشريعة في الوجود الإنساني.

أما الفكر الغربي فيستمد حقوق الإنسان من فكرة (الحق الطبيعي) أو ( القانون الطبيعي) الثابت الأزلي الذي لا يتغير، والذي يُتوصل إلى معرفته عن طريق العقل؛ وبمعنى أوضح، فإن الحق الطبيعي يَنسب للفرد حقوقا سابقة على وجود المجتمع، ملتصقة به منذ نشأته، وقبل أن يوجد في المجتمع، والفرد يحتفظ بهذه الحقوق بحيث لا تستطيع الدولة المساس بها، كما يجب عليها حمايتها.

ومع أن فكرة القوانين الطبيعية عند نشأتها لدى الأوائل تعود إلى وجود ذاتعليا تضع هذه القواعد القانونية، إلا أنه بعد الانفصال الذي ظهر منذ القرن السابع عشر بين الدين والدولة، ونشوء (العلمانية)، لم يعد للدين مجال في تفسير الظواهر المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي والسياسي، وجرى إغفال ذكر المصدر الإلهي لهذه القوانين، ولهذا عمد مفكرو الرأسمالية إلى استبعاد فكرة وجود قوانين إلهية تحدد حقوق الإنسان، وعملوا على أن يستبدلوا بالقانون الإلهي القانون الطبيعي المستند إلى العقل.

وبهذا يتبين لنا: استناد فكرة حقوق الإنسان في الفكر الغربي على (الحقالطبيعي) وعلى (العلمانية) ، ومن خلال هذا التزاوج بينهما وُلدت فكرة الحرية الفردية، التي جعلها الفكر الغربي الرأسمالي إحدى دعامات الحكم الديموقراطي، (فالمجتمع ينشأ، والدولة تقوم أساسا لصيانة وحماية الحقوق الفردية)، فالحقوق الطبيعية للأفراد سابقة للوجود السياسي، ولذلك تقع على الدولة مسؤولية احترام الحقوق والحريات الفردية، والامتناع عن المساس بها، فغاية الدولة حماية الحرية والمحافظة عليها من الطغيان والاستبداد، وصارت المواثيق والدساتير الوطنية تجعل الإنسان مصدرا للحقوق في المجتمع، وأصبح الإنسان غاية في حد ذاته.

ومن هذا الفارق الجوهري في النظر لفكرة حقوق الإنسان بين الفكرين الإسلامي والغربي تنطلق الدراسة بعد ذلك في مضمار التفصيل في الحقوق الشخصية والاجتماعية للأفراد ثم الحقوق السياسية ثم حقوق الإنسان التعبدية والاعتقادية، في أشواط ثلاثة متوالية، مبرزة التصور الإسلامي في كل نوع من هذه الحقوق، ومدى التصور الغربي قربا وبعدا عن التصور الشرعي الإسلامي، لتكتمل بعد ذلك خرزات الخيط الناظم لحقوق الإنسان في النظام السياسي المسلم، موازنا مع حقوق الإنسان في الفكر الغربي، ولتكون منطقة الخلاف ودائرة الافتراق بين التصورين الإسلامي والغربي تجاه فكرة حقوق الإنسان قد تكشفت وسَفَرت.