الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

إذا كان العلماء قد حدثونا عن الإعجاز البلاغيّ والبيانيّ في القرآن الكريم فأسهبوا وأطنبوا، وإذا كان المفكرون قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه من اكتشافات لألوان من الإعجاز العلميّ في كتاب الله فأبدعوا ونوعوا، وإذا كان الكثيرون قد تطرقوا للحديث عن الإعجاز التشريعيّ فصرّفوا فيه القول وتفننوا؛ فإنّ ثمّ لوناً من ألوان الإعجاز القرآنيّ قلّ من تطرق إليه، والبعض القليل الذي عالجه لم يعره الاهتمام اللازم لاستكناه أسرار القرآن واستخلاص الحكم والغايات العظام من خلال هذا اللون من الإعجاز.

والإعجاز يتمثل في اشتمال القرآن على موضوعات متكاملة متماسكة تشكل بمجموعها منظومة معرفية مفاهيمية تنتظم فيها هداياته، ومكمن الإعجاز هنا في أنّ القرآن " نزل مفرقا منجماً ولكنه تم مترابطا محكماً، وتفرقت نجومه تفرق الأسباب ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب، ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عاما ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما ... يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت، بل يعجز الخلق طرا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} " مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزُّرْقاني - مطبعة عيسى البابي الحلبي – ط : الثالثة – 1/61-62

فلو تناول الباحث موضوعاً من موضوعات هدايات القرآن، وجمع فيه الآيات التي تفرق نزولها على مدى الثلاث وعشرين عاماً، والتي نزلت منجمة على الوقائع المختلفة، ومرتبطة بأسباب النزول المتباينة؛ لوجدها تشكل موضوعاً متكاملاً متماسكاً، فسكنت - عندئذ - خواطره، واستسلم فؤاده لحداء هذه الآية: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.

والفائدة من تناول هذه الموضوعات المختلفة في سياق التفسير الموضوعيّ للقرآن الكريم لا تقتصر فقط على إبراز هذا اللون من الإعجاز، وإنما تتعداه إلى ما هو أهم وأعمق أثراً وهو استكناه أسرار الكتاب العزيز، وتعظيم الاستفادة من هداياته، وحل المعضلات الفكرية والمنهجية، إضافة إلى أنّ هذا التناول يعتبر ضرباً من ضروب التعبد لله تعالى بتدبر القرآن وصورة من صور الاعتبار والتذكر {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}.

وموضوع التمكين من الموضوعات التي تتعلق بها قلوب العباد، وتتحرك نحوها للاستخبار والاستبصار؛ لكونهم يوقنون بوعد الله لهم بالتمكين، ويفتقدون في ذات الوقت الصورة الكاملة المحيطة بهذا الوعد، ولهذا سنأخذ موضوع التمكين مثالاً لما نحن بصدده، وإن تيسر سنكمل المسيرة بأمثلة أخرى لا تقل عن هذا المثال أهمية وتطبيقاً على النظرية.

ونبدأ بتقرير القرآن لحقيقة واقعية ملموسة، وهي أنّ الله تعالى أعطى - ويعطي - التمكين لأمم مسلمة ولأمم كافرة، فمن أمثلة التمكين الذي أعطاه الله تعالى للأمم المسلمة تمكين الله تعالى ليوسف وسليمان وذي القرنين ثم للأمة الإسلامية، فيوسف عليه السلام مكن الله له تمكينا بعد تمكين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وأخبر تعالى أنّه آتى سليمان من كل شيء، وهذا غاية التمكين: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} وقال عن ذي القرنين: {إنّا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً} وعن هذه الأمة قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

أمّا ما اعطاه الله تعالى من التمكين للأمم الكافرة فكثير ذكره في القرآن، قال تعالى مستنكراً على عاد قوم هود انحرافهم بما مكن الله لهم عن الجادّة ومعددا مظاهر التمكين الذي وهبه لهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ونفس الطريقة مع ثمود قوم صالح: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} وفي سورة الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} وقال تعالى في آية جامعة من سورة الأنعام: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} ومثلها في سورة الأحقاف: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

وإذا كان هذا الذي قرره القرآن واقعاً بشرياً؛ فإنّ القرآن لا يكتفي بتقرير هذا الواقع حتى يأتي بتفسيره تفسيراً محكماً، يسكن إليه العقل، وتأوي إليه الفطرة، وتذوب به العقد الفكرية المستعصية؛ فها هو القرآن الكريم يبين السنن التي يمضي عليها التمكين، فيتنوع بتنوعها، فهناك تمكين يمضي على سنة الإمهال والإملاء، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فهؤلاء فتح الله عليهم أبواب كل شيء من أدوات التمكين الاقتصادي والعسكري والمعماري وغير ذلك ليمهلهم ويملي لهم. وقال تعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة والصحة " حتى عَفَواْ " أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم. (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) للنسفي - دار الكلم الطيب، بيروت - ط الأولى، 1/588

وهناك تمكين آخر يمضي على سنة الاختبار والامتحان والابتلاء والفتنة، من ذلك ما أعطاه الله تعالى لسليمان عليه السلام فاجتاز الابتلاء ونجح في الاختبار، فها هو في ذروة التمكين يتذكر الحقيقة التي بها نال التمكين: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} ومن ذلك ما أعطاه الله بني إسرائيل فسقطوا في التبديل فنزع الله منهم وأدال عليهم، قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي اختبرناهم بالنعم والنقم (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للبيضاوي - دار إحياء التراث العربي – بيروت ط الأولى 3/40 فالحسنات هي النعم التي إن أعطيت لأمة كانت مظهراً من مظاهر التمكين وثمرةً من ثمراته، ومنه ما أشار إليه قول الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى }.

وهناك تمكين يمضي على سنة الجزاء والمكافأة ومقابلة الإحسان بالإحسان، وهذا هو عين ما أعطاه الله تعالى ليوسف عليه السلام: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} فأجر الإحسان جاء منه جزء معجل في صورة التمكين، لذلك أكمل بعدعا: " ولأجر الآخرة خير " ونلاحظ هنا أن التمكين الذي أعطاه الله تعالى ليوسف نوع غير التمكين الذي أعطاه الله لسليمان - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام – لأنّ يوسف وعد التمكين ولم يطلبه، قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أمّا سليمان فطلب التمكين، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}

فأعطى الله التمكين ليوسف بعد أن اجتاز الابتلاء جزاء لإحسانه، وأعطى سليمان التمكين ابتلاءً فاجتاز الابتلاء.

وبمجرد أن تتقرر في الذهن هذه الحقائق يكون السؤال المرشح للوثوب على المشهد هو السؤال العمليّ: وما هو سبيل التمكين لهذه الأمة ؟

والإجابة على هذا السؤال وردت في قصة يوسف عليه السلام، فسورة يوسف نزلت ضمن مجموعة من السور التي تهيء الأمة الإسلامية للتحول الكبير من الاستضعاف إلى التمكين، ومثلها سورة القصص التي هبت منها نسائم البشرى: {ونريد أنّ نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض}.

والحكمة الجامعة لكل الدروس المستفادة من قصة يوسف عليه السلام هي أنّ طريق التمكين يكون بالاستعلاء على الفتنة، أجل: الاستعلاء على الفتنة، فلقد تعرض يوسف عليه السلام لصنوف المحن وصروف الفتن؛ فاستعلى عليها جميعاً، وأيّ تعبير عن وضع يوسف معها بغير تعبير الاستعلاء لا يوفيه حقه، ولا يصور المنهج تصويراً دقيقاً، والفتن التي تعرض لها يوسف عليه السلام متعددة ومتنوعة، فمن فتنة الاضطهاد والإبعاد والتغريب إلى فتنة النساء والشهوات، ومن فتنة السراء والدعة إلى فتنة الضراء والسجن والتضييق، ومن فتنة العبودية ووالرق بثقلها إلى فتنة السلطة والتغلب والظفر بالخصوم، وهكذا تقلب في ألوان الفتن، فلم يبد منه تجاهها إلا الاستعلاء.

فليتأمل من كان له قلب يعي؛ كيف استعلى يوسف على فتنة امراة العزيز ثم على فتنة النسوة اللائي اجتمعن عليه في الإغراء والتهديد ؟! وليستشعر من كان له شعور ينبض ذلك الموقف الذي يموج بالفتنة العارمة، امراة ذات منصب وجمال تراوده وقد غلقت الأبواب وهيأت الأجواء، وأقبلت عليه بشبق عارم: {هيت لك} وهو شاب ممتليء حيوية ونضارة، في عنفوان الشباب وذروة الفتوة، وليس وراء جدران السجن من يكترث بالرذيلة أو يلقي لها بالاً، كيف استعلى وطار على متن هذا الشعار الصاعد في درج الشرف والنبل: {معاذ الله} ثمّ لمّا صارت المرأة جماعة من النسوة وصارت الفتنة جملة من الفتن واجتمع مع الإغراء تهديد وتبجح؛ لم يزده ذلك إلا تحصناً يعاند الفتنة ويراغمها: {رب السجن أحب إليّ}.

وكان السجن بفتنته وضغطه، وبما يملأ جوانبه مما لا تتسع إلا له من ظلمة وكآبة وهمّ وغمّ وإياس وإبلاس، فلم يكن منه تجاه ذلك كله - وفوقه الشعور بالقهر والظلم - إلا الاستعلاء، انظر إليه وهو ينغمس فيما لا ينغمس فيه إلا صاحب قلب سالم من الأحزان خال من الهواجس والوساوس: {ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير من الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . إن الحكم إلا لله إمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ من أنفة الإيمان واستعلائه حتى يتجاوزه صاعداً في درج العزة الإيمانية؛ فها هو يأتيه فرج لم يتكلفه ولم يسع إليه: {وقال الملك ائتوني به} إلا أنّه لا يبدو متهافتاً على الخلاص من السجن، بل يرى أنّ براءة ساحته مما علق بها من تهم مزيفة أولى من فكاكه من السجن: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إنّ ربي بكيدهنّ عليم}.

ثم جاءت فتنة من نوع جديد، حيث تمكن يوسف ممن أساءوا إليه، واستكانوا له، ولم يصدر منه إلى فيض الرحمة والعفو والسماحة: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} وبلغ الأمر إلى حدّ أن يشفع لهم لدى أبيهم، ويعتذر عنهم بهذا التبرير الذي يرفع الحرج عنهم بأسلوب مترع بالكرم والنبل: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} ثم تأتي فتنة تمام الملك والعزّ والتغلب بتحقق الرؤيا وسجود الجميع له؛ فإذا به يخر من داخله ساجداً لمولاه: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث، فاطر السماوات والارض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}.

هكذا كان يوسف عليه السلام في كل مرحلة من مراحل سيرته مستعلياً على الفتنة بكل صنوفها وصروفها؛ فكان التمكين الذي صعد معه من درج إلى درج، وارتفع معه من أفق إلى أفق حتى بلغ منتهاه المقدر له من اللحظة الأولى: {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تاويل الأحاديث ويتم نعمته عليك}.

ومن الصعب أن يرتقي المؤمنون إلى مستوى الاستعلاء على الفتنة ليبلغوا به التمكين إلا إذا استكملوا شرط التمكين للأمة المسلمة، الذي يرفعهم إلى هذا الأفق السامق: وهو شرط واضح غاية الوضوح: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} فهو الإيمان والعمل الصالح وعبادة الله الخالصة من الشرك والسلامة من كل انواع الكفر والفسق.

وليس وراء ذلك إلا سؤال واحد، التصور المحيط بأطراف الموضوع يحتمه، ويقضي بأنّه ختام الأسئلة: ما هي الواجبات المترتبة على حصول التمكين للأمة المسلمة ؟ والجواب على هذا السؤال يأتي شافياً وافياً وإن كان مجملاً موجزاً، وذلك في سورة إبراهيم: {الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}.

هكذا جاء موضوع التمكين وافياً شافياً، يجيب على كل الأسئلة، ويحل كل العقد الفكرية، هذا برغم أنّ الآيات التي عالجت الموضوع وردت في القرآن مفرقة في أنحائه موزعة في أقطاره، منجمة على وقائع وأحداث تفرقت في الأعوام والشهور وتقلبت في مختلف الأحوال والظروف، وهذا إن تكرر في أغلب ما تعالجه من موضوعات فلا شك أنّه لون من ألوان الإعجاز فريد، يضاف لذلك أنّ الوصول إلى الموضوعات الكاملة يبني منظومة مفاهمية غاية في الإحكام.

لكن هل يجوز الاستعانة بالسنة في ذلك أم لا ؟ هذا هو موضع الاجتهاد.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل..