" بمناسبة صوم الرسل كنت في الإسكندرية يوم الأحد الماضي 30 مايو 2010 وتكلمت عن الآباء الرسل بصفة عامة. أريد اليوم أن أكلمكم عن واحد من هؤلاء الآباء الرسل أحبه جدًا وهو في نظري من أعظم الآباء الرسل بلا قياس. وهو بولس الرسول. أريد أن أكلمكم اليوم عن بولس الرسول. إن غالبية الرسل كانوا أشخاص غير مثقفين، قال عنهم بولس نفسه "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ". (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 27 ) وكانوا غالبيتهم من الصيادين. وعندما عمل بطرس ويوحنا بالكرازة في أول العصر الرسولي وقبض عليهم يقول الإنجيل "وجدوا أنهما إنسانان عاميان": "فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ" (سفر أعمال الرسل 4: 13) أي غير مثقفين. أما بولس فكان رجلًا مثقفًا إلى أبعد الحدود. فمن الناحية العلمانية درس في جامعة طرسوس. وكان اسمه شاول الطرسوسي. ومن الناحية الدينية تتلمذ عند قدمي غمالائيل أعظم أساتذة الناموس في عهده. ففي الماضي كان الأساتذة أو المعلمين يجلسون على كراسي والتلاميذ يجلسون على الأرض عند قدميهم. لذلك يقول الإنجيل عن بولس الرسول أنه تتلمذ عند قدمي غمالائيل. وأيضًا كان من الناحية الدينية من المدققين جدًا في الشريعة ولذلك قال عن نفسه "كنت فريسيًا ابن فريسي" (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ) (سفر أعمال الرسل 23: 6)، والفريسيين كانوا أكثر الناس مدققين -ولو نظريًا- في مسألة العقيدة". (1) (شنودة الثالث)

ترك بولس دمشق وانطلق لينعزل في العربية، تلك العزلة التي لم يُسجل عن تفاصيلها شيء، والتي يرى القمص متى المسكين_ بدون أن يقدم دليل_ أنها كانت فترة مراجعة وتوبة ودراسة على يد الروح القدس، وانفتاح وعي الإيمان على أعلى وأعمق إمكانياته (2)، خلافاً لإشارة لوقا في سفر أعمال إلى أن بولس قد بدأ نشر دعوته فور إفاقته من أثر الحادثة التي تعرض لها قبيل دخوله دمشق: " وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ». (أع 9: 20) ، فهل نشر الدعوة يسبق التوبة والدراسة والمراجعة!!!. بيد أننا لا يمكن أن ننكر أن تلك السنوات الثلاث وبالرغم من الستار من الدخان الذي ضرب حولها وحول الأحداث والتطورات التي وقعت فيها، فإنها كانت فترة دراسة ومراجعة لكثيرٍ من الأفكار التي أُعلنت في الفترة اللاحقة، وشكلت الديانة الأبرز انتشاراً في وقتنا الحالي.

جديرٌ بالذكر فإن بولس الرسول برر خروجه أو هروبه من دمشق إلى العربية، بأنه تعرض لمكيدة مدبرة لقتله، وفيما يؤكد لوقا على أن المكيدة كانت من اليهود: " 22 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ». 23 وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، 24 فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضًا نَهَارًا وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. 25 فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ." (أع 9: 22_25). نرى بولس يخبرنا بأن المكيدة كانت من صنع والي المدينة: " 32 فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، 33 فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ." (2كو 11: 32_33).

غير أننا نفاجئ بعودته مرة أخرى لدمشق ثم ذهابه إلى أورشليم، دون أن يُكشف عن ما يوحي بتغير الأوضاع التي دفعته للهروب من دمشق، أو تبدل موقف اليهود أو موقف والي المدينة تجاهه: " لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ 16 أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا 17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا." (غل1: 15_ 18) .

وقبل أن نتحدث عن علاقة بولس بالحواريين (تلاميذ المسيح)، أحب أن نلقي الضوء قليلاً على الخلفية الدينية لبولس، فقد دأب بولس على الإشارة إلى ماضيه باعتباره يهودياً من أسرة يهودية عريقة،فريسية متمسكة بعقيدتها، رابضة على يهوديتها، فيفتخر بأصل جنسه اليهودي وسبطه وتلقيه الشريعة اليهودية عند رجلي عالمها الأجل في زمانه غمالائيل، ومن ذلك قوله:

- «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا للهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ." ( أع 22 : 3 )

- " مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ." (فيلبي 3: 5) .

- " «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ." (أع23 : 6 )

- "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ" (2 تي 1 : 3)

- " فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لِأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ." (الرسالة إلى أهل روما 11: 1)

- كما يظهر تأثر بولس بالتوراة حيث اقتبس حوالي 180 آية من التوراة ووضعها بين ثنايا رسائله.

بيد أن هناك بعض الدلالات التي تؤكد لنا أن يهودية بولس لم تكن يهودية خالصة، بل خُلطت بكثيرٍ من العقائد الوثنية التي كانت تنتشر في موطنه ومسقط رأسه، مما يوحي بأن بولس لم يكن يهودياً بالولادة، بل نشأ وترعرع مشبعاً بعقائد وثنية، وفي مرحلة ما من حياته اعتنق اليهودية، سواء أكان هذا في مسقط رأسه أو بعد انتقاله إلى أورشليم. فكانت اليهودية إحدى الروافد الفكرية التي استقى منها عقائده وأفكاره ولكنها لم تكن الرافد الوحيد كما لم تكن الرافد الرئيسي. وربما هذه الفرضية (فرضية تهود بولس) تفسر لنا أسباب العداء المفرط الذي أبداه بولس تجاه النصارى الأوائل فربما لجأ لهذا السلوك كطريق لإثبات قوة وصدق إيمانه وعمق إخلاصه لدينه الجديد أمام محيطه اليهودي، وذلك بدافع نفساني أو دافع مادي. كما تفسر لنا توجهاته العقائدية التي سنتحدث عنها تباعاً فيما بعد بإذن الله تعالى، وفي إطار البحث في تلك الفرضية، سنلجأ إلى تناول عدة قضايا رئيسية ونقارن بين الرؤية اليهودية لها وبين رؤية بولس.

-ولتكن البداية بقضية التوحيد، حيث تشير نصوص التوراة إلى وحدانية الله، ومن ذلك: "«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." ( تثنية 6: 4 ) وكانت أولى الوصايا العشر: " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي." (خروج 20: 3). ويؤكد إرميا على أن الله إله حق، حي وأبدي: "أَمَّا الرَّبُّ الإِلهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ."( إرميا 10: 10) . ونفس المعنى يؤكده حزقيال: " حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، " (حزقيال 18: 3) .

بينما نصوص بولس تذهب في اتجاه آخر: " وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ،". (عبرانيين 13: 20 ).

-وبخصوص قضية المسيح المخلص " משיח "، نرى أن المسيح المخلص في اليهودية، هو الذي سوف يخلصهم ويبدأ عهداً جديداً وهو " أيام المسيح ", حيث يعيش البشر حياة سعيدة صالحة قائمة على السلام والعدل, وقد أدى هذا الأمل في مجئ " المسيح المخلص " إلى ظهور عدة حركات مسيحانية في التاريخ اليهودي تتعجل النهاية. وقد ظهرت عدة أساطير متعارضة في فترة الشتات الطويلة بشأن مجئ المسيح، إلا أن النبوءة المسيحانية حسبما ترد في التلمود والمدراشيم تؤكد موضوع الخلاص السياسي, حيث ينقذ المسيح ابن داوود اليهود من ضائقتهم ويحقق نبؤة الدولة اليهودية الكاملة المؤسسة بأحكام التوراة, وتتمركز في وسطها ( القدس ) المشيدة وفيها الهيكل, ويتجمع شتات اليهود مع مجئ " المسيح المخلص ", ويسبق مجيئه فترة من المظالم والاضطرابات الشديدة أو ما يسمى ( الآم مجئ المخلص ) " חבלי משיח ". (3)

أما بولس فكان أول ما بدأ دعوته في دمشق كان : "وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»." (أع 9: 20).

_______________________

(1) جزء من عظة مكتوبة للبابا شنودة الثالث (بطريرك الأقباط الأرثوذكس السابق) تحت عنوان القديس بولس الرسول، لمطالعة العظة كاملة، انظر:

http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/55-Written-Sermons/2010-06-02__Wednesday_Saint-Paul-the-Apostle.html

(2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 77.

(3) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 199 .