من التقرير الاستراتيجي العاشر:

مع تقلب الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط تبرز أهمية الإسلام السياسي في لعب دور للتأثير في مجريات الأحداث في المنطقة، لاسيما وأنه يمثل حراك حزبي وفكري كبير يعبر عن تطلعات شعوب المنطقة العربية والإسلامية. وفي ظل تجارب غير مستقرة ويتم إفشالها من قبل القوى الإقليمية والدولية بسبب معارضتها لأجندتها في منطقة الشرق الأوسط، يطرح الباحث أحمد عمروفي دراسة نشرت ضمن التقرير الإستراتيجي العاشر أهمية أن يقيم الإسلام السياسي بكافة أطيافه وجماعاته في المنطقة أدوات التأثير التي يستخدمها لفرض أجندته السياسية على المشهد الإسلامي الحالي.

ويقول الباحث:"مع انفتاح أبواب السياسة بكافة آلياتها وأدواتها، صار من الواجب على الإسلاميين الذين دخلوا حلبة السياسة أن يقفوا على معايير وأدوات الجماعات الضاغطة ودورها في الممارسة والتأثير السياسي، وإلا تقتصر ممارستهم السياسية على صورتها الحزبية".

يعرف جيمس برايس جماعات الضغط السياسي على أنها "إغراء البرلمان للتصويت مع أوضد مشروع قانون ما"، أما أدكار لاني فيقول:" هم أفراد يعملون في سبيل التأثير على قرارات الحكومة".

ومع وجود تعدد في التعريفات لجماعات الضغط إلا أنها جميعا تصب باتجاه أن تلك الجماعات غايتها الدفاع عن مبادئ مشتركة بالوسائل المتاحة والتأثير على قرارات السلطة التنفيذية والتشريعية في البلاد لحماية تلك المبادئ والدفاع عنها.

وتتلخص وظيفة جماعات الضغط السياسي بحسب الباحث في القيام بالدور الوظيفي الذي يسمح بنجاح أحزاب داعمة لها في تمرير سياساتها ومشاريعها داخل أروقة الدولة التشريعية والتنفيذية. كما أنها تقوم بتحضير قطاعات الشعب صاحبة المصلحة ودفعها باتجاه الضغط على أصحاب القرار للموافقة على مطالبها. كما تقوم بدور بارز في دعم قيادات سياسية وحزبية وإيصالها للسلطة لصالح تنفيذ أجندتها.

وتتنوع جماعات الضغط في المجتمعات باختلاف اهدافها، فهناك جماعات الضغط التي تستند إلى آراء ومشاريع حزبية أودينية مثل منظمة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية "آيباك" وهي دائما تضغط باتجاه إلتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن المشروع اليهودي، وتقوم بدور كبير في الضغط على أعضاء الكونغرس الأمريكي لتمرير الموازنات المالية الخاصة بدعم الكيان الصهيوني.

بالإضافة إلى جماعات المصالح السياسية الداخلية مثل الصراعات بين الأحزاب المختلفة في الدولة، مثل حزبي العمال والمحافظين في بريطانيا، كما أن هناك تصنيف آخر لجماعات الضغط يتمثل في الصراع بين أجهزة الدولة الداخلية مثل الصراع على سبيل المثال بين رئاسة الأركان في الجيش الإسرائيلي وبين وزارة المالية والخلافات المتواصلة على موازنة الجيش. ويمكن كذلك تصنيف الجماعات الضاغطة على أساس الوسائل والأدوات التي يتم استخدامها لتحقيق أهدافها وممارسة دورها.

تستخدم جماعات الضغط عدة وسائل لممارسة الضغط على الجهات الرسمية في الدولة ومن تلك الوسائل الاتصال المباشر مع الحكومة من خلال شبكة علاقات دائمة، تعقد لقاءات متواصلة مع الممثلين عن مؤسسات الدولة. وكما تفعل العديد من المنظمات الحزبية فإن التواصل مع النواب في البرلمان من أبرز وأهم الوسائل المعمول بها للتأثير على سياسات الدولة وهذا الأمر يتعلق بالجانب التشريعي في غالب الأحيان.

كما تلجئ جماعات الضغط للمفاوضات ويصل الأمر في بعض الأحيان للتهديد والإبتزاز للتأثير على سياسات الدولة، وهذا ما فعلته قوى اليمين الإسرائيلي مع رئيس الحكومة الحالية بنيامين نتنياهوحيث هددته دائما بالإنسحاب من الحكومة وحجب الثقة عنها في حال تم تجميد الأستيطان في الضفة المحتلة.

في ظل الواقع السياسي الحالي، لم يظهر لدينا جماعات ضغط سياسي تدافع عن تطلعات الإسلاميين وربما نلاحظ أن بعض الدول صاغت قوانين لتحجيم دور الإسلاميين في هذا المجال، سواء من خلال منع التجمعات في المساجد أوالإعتقالات التعسفية للمتظاهرين أوغيرها من تلك الإجراءات التي تهدف لإضعاف قوة الإسلام السياسي في الشارع، وفي الحالة المصرية برز دور الهيئة الشرعية كنموذج لجماعات الضغط، وكذلك الجبهة السلفية وغيرها من التجمعات الإسلامية، وإذا أردنا تقييم تجربة الهيئة الشرعية في هذا الصدد فإننا سنلحظ أن الهيئة التي تعرف نفسها على أنها هيئة علمية إسلامية وسطية مستقلة قد حصرت نفسها في إطار النهج العلمي كمرجعية لإحياء دور العلماء في التأثير على القضايا المعاصرة على الساحة المصرية. وحصرت وسائل ضغطها في الجانب الإعلامي والعلمي وبذلك هي كانت قريبة من النخب الفكرية ولم تصل إلى مستوى التأثير الأبرز وهوالشارع الذي يمكن استخدامه كأهم أدوات الضغط.

وبالرغم من أن أمين عام الهيئة الدكتور محمد يسري قد أكد لصحيفة الأهرام أن الهيئة ليست حزبا سياسيا وإنما جماعة ضغط إسلامية. إلا أن حلقة الإتصال بين الهيئة وأعضاء البرلمان أوالحكومة كانت تتم بطريقة شخصية في غالب الأحيان وليس بصفة رسمية كونها ابتعدت عن الصراع السياسي ولعبت دور المصلح بين الأطراف. وعلى صعيد المشهد الجماهيري والتأثير في الشارع فإن الهيئة كان لها دور في إصدار بيانات وعقد مؤتمرات داعمة لعدد من التحركات الشعبية التي تدعم التوجه السياسي الإسلامي لا سيما المظاهرات الداعمة لتحكيم الشريعة في مصر إلا أن هذا الدور كان ضعيفا بسبب ضعف الإمكانات التي تمتلك الهيئة الشرعية للإصلاح.

واستندت الهيئة في دورها بالدرجة الأولى إلى الجماهيرية التي يتمتع بها أعضائها من علماء ومشايخ ودعاة بارزين في المجتمع المصري، لكنها لم تكن تملك تأثير مباشر على عناصر الحكومة أوالبرلمان.

من أهم المشاكل التي عانت منها الهيئة وكانت سبب هام في إضعاف دورها، هي إنقسام أعضائها وقيامهم بتبني آراء فردية بعيدة عن إجماع أعضاء الهيئة، بل وتعدى ذلك الأمر إلى قيام بعضهم بافتتاح مؤسسات تتبنى آرائهم وتدعمها.

من معايير نجاح تشكيل جماعات الضغط السياسي في العالم: حشد الرأي العام حول قضية معينة وإقناعه بتبنيها، وهذا ما نجح به اللوبي اليهودي في أمريكا، وترجم بعد ذلك إلى قرارات حكومية ومشروعات يدعمها الكونغرس الأمريكي. وكذلك إيجاد آليات وأساليب توحد أصحاب الرأي وتوجد نخب تقود الرأي العام وتوجهه بطريقة صحيحة لفرض آرائه على الدولة. ومن أهم الطرق لإنجاح جماعات الضغط الإسلامية التأكيد على هويتها الإسلامية والسعي لإحلال وتحكيم الشريعة والضغط باتجاه منع إصدار قوانين تخالف الشريعة الإسلامية.

طرق انجاح تشكيل جماعات الضغط:

· امتلاك القوة الإقتصادية التي يمكن من خلالها دعم المرشحين.

· إمتلاك أدوات إعلام قوية( فضائيات-مجلات).

· البعد عن المشاكل القانونية والخلافية التي يمكن أن تأثر في الرأي العام بشكل سلبي.

· تجنب محاولات الإجهاض المتعمدة نظرا للعداء الكبير للإسلام السياسي.

· التركيز على الأهداف الرئيسية والبعد عن الجزئيات التي يمكن أن تحرف سير المشروع الضاغط.

في الختام يوصي الباحث، بإيجاد خطة قصيرة المدة لمواجهة اللوبي العلماني، وذلك بتجميع القوى عن طريق تكوين لوبي إسلامي يمثل جماعات الضغط في الشارع السياسي. بالإضافة إلى تعديل مسار أدوات الإعلام وإعداد خطة واضحة لتوجيهها بالتوافق مع طبيعة المرحلة، والعناية بالمراكز البحثية التي يمكن أن تضع سياسات وأهداف الجماعات الضاغطة.