من: التقرير الاستراتيجي العاشر

تناولت الشريعة الإسلامية مفهوم الأمن الوطني والقومي والاجتماعي والإنساني، في الدولة الإسلامية شأنها سائر العلوم الأخرى منذ دولة النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي مكن لدولة الإسلام في القرون الأولى حتى أصبح هناك مجال واسع لتدوين العلوم وصياغة كتب الفقه والتوحيد والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالحديث عن وظائف الإمام.

يحاول الباحث المختص في السياسة الشرعية بهاء الدين الزهري من خلال الدراسة التي نشرها ضمن التقرير الإستراتيجي العاشر، البحث في مفهوم الأمن القومي في الإسلام، وعناصره ومعانيه ودلالاته، من خلال تناول علماء السلف لهذا الطرح في كتبهم ومراجعهم العلمية التوثيقية.ويستدل الباحث في إثباته لعظمة هذه القضية في الإسلام بالآية الكريمة: }الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ{.

ومن رؤية السلف لقضية الأمن القومي وتعمقهم في توضيح أهميتها للأمة، فإن التحديات الملقاة على عاتق المسلمين عسيرة وصعبة، في ظل الوقت الذي تمر به الأمة، خصوصا مع وجود تحديات خارجية وداخلية وضغوط تمارس من المحاور الإقليمية والعالمية على الشعوب الإسلامية. بالإضافة إلى جماعات الضغط الخارجي التي تجندت لمساندة أعداء هذه الأمة وعملت منذ عقود على شق صفوف المسلمين وإثارة النعرات والعصبيات بمختلف أنواعها في صفوفهم. ويعتقد الباحث أن الحاجة ملحة الآن لفقه جديد في السياسة الشرعية، لاسيما في العلاقات الدولية، و السياسة الخارجية.

ومن أبرز المصطلحات التي حاول التأكيد عليها الباحث في الدراسة هو: أن مفهوم الأمن في الإسلام مفهوم عام وشامل للمسلمين جميعا، ولا يعترف بمفهوم الوطن القومي، أو شعب معين، بل إن هذا المفهوم الذي دلت عليه آيات وأحاديث كثيرة في القرآن و السنة يؤكد على أن نعمة الأمن في الإسلام يجب أن تتوفر لجميع المسلمين في العالم، بالإضافة إلى أن الأمن في الإسلام مفهوم واسع بمعانيه وليس فقط مقتصرا على الأمن الشخصي بل يشمل الأمن الغذائي والاجتماعي وغيرها من احتياجات المسلمين.

ويقول الباحث بهاء الدين الزهري: " لا نستطيع إقامة الدين والعبادة على وجهها الكامل الأمثل إلا مع توافر الأمن، الذي يتحقق به إيلاف المسلمين و تستقيم حياة الناس، فإذا كان الدين والعبادة شرط التمكين، فهو كذلك سياج الأمن وسبيل حفظه واستمراره، فإن الدين قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، و أجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها".

ويستدل من أقوال السلف أيضا بحسب الدراسة، أن الأمن قيمة عليا في الدولة الإسلامية، وتحقيقه يقع على عاتق كل مسلم يعيش فيها، لا سيما أهل القدرة والإمكان، وصولا إلى الرئيس أو الإمام، حيث يصبح الأمر فرض كفاية في حقه، كصلاته، فكل دور حسب موقعه وهذا من مزايا الشريعة الحضارية. يتضح حين الاستدلال بأقوال السلف أن مفهوم الأمن يقع في ثلاث نطاقات أساسية في الدولة الإسلامية، تتمثل في: تحقيق الأمن الداخل حدود الدولة، وعلى حدود الدولة، وخارج حدودها.

والمتتبع لسيرة رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام سيجد أن أبعاد الأمن القومي كانت ستة أبعاد، هي "العقدي، السياسي، العسكري، الإقتصادي، الاجتماعي، الجيوبولوتيكي". أما مستوياته فهي "الفرد، الجماعة، المجتمع، الدولة، الأمة". ويشمل ذلك نوعين" المادي، المعنوي"، وبذلك يتضح لنا طبيعة مفهوم الأمن القومي في الإسلام.

يقول الباحث: إن مفهوم الأمن الشامل وفقا لتقسيم العلماء لوظائف "الإمام"، جاءت بأبعاد مختلفة منها الفكري المعنوي والاقتصادي المادي، و يستدل بقول الماوردي" الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". ويتضح مما سبق أن مفهوم الأمن القومي في الإسلام يعني تأمين العقيدة، وتأمين المجتمع، و تأمين الاقتصاد.

ويفهم من تأمين العقيدة، ضبط المجتمع بها، و الحفاظ على نقاء الفكر الإسلامي من الفوضى الفكرية والتغريب والمذاهب الفكرية الاستشراقية التي يحاول أعداء الأمة زرعها داخل الصف الإسلامي لتفريقه، وهذا الأمر عبر عنه الجويني بقوله:" أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء"، ويتضمن ذلك الدفاع عن العقيدة في الخارج و عبر عن ذلك الجويني بقوله:" دعاء الجاحدين و الكافرين إلى التزام الحق المبين".

ثم تشير الدراسة إلى ركن مهم من أركان الأمن القومي الداخلي وهو الحفاظ على تماسك المجتمع من الداخل وتوفير الأمن الشخصي و النفسي للمنتمين لهذا المجتمع، وهي إحدى مهام "الإمام" المسلم، ويتضمن ذلك تطهير بلاد الإسلام من أهل الشر والبلطجة واللصوص والسراق وغيرهم ممن شابههم، وإقامة الحدود وفرض العقوبات لضمان وجود رادع يمنع وقوع الجريمة، و الغرض من ذلك حفظ أموال الناس وأعراضهم.

ومن أركان الأمن القومي الإسلامي أيضا، إعداد العدة إذا توفرت القدرة المادية على ذلك، من أجل حماية حدود الدولة الإسلامية من أي عدوان، وإعداد الخطط لذلك، وسد الثغور والتجهز بالعدة والعتاد، ويقول الجويني في ذلك" على الإمام بذل كنه الاجتهاد في ابتغاء الازدياد في خطة الإسلام، و السبيل إليه الجهاد و منابذة أهل الكفر و العناد".

في ختام دراسته يعتقد الباحث أن حالة الضعف التي تمر بها الأمة الإسلامية، و الانقسامات الحادة التي تمر بها شعوبها، تحتم على علماء الأمة النظر في إمكانية وضع سياسة شرعية تناسب الواقع التي تعيشه الأمة خصوصا في ظل عيش شعوب الأمة في إطار قوميات عرقية أو حدود جغرافية تحتم عليها الإلتزام بقوانين وضعية، و الإنشغال بخلافات و عداوات مختلفة عن بعضها البعض.