من: التقرير الإستراتيجي العاشر

بعد أحداث " الربيع العربي" بدأ صراع مطرد بين القوى الإسلامية في العالم العربي وقوى أخرى مصنفة على أنها قوى ليبرالية، كان الغاية من ذلك الصراع فوز الأقدر بالمكانة السياسية والايدلوجية التي كانت تسيطر عليها الأنظمة السابقة.

ووفقا لدراسة أعدها المفكر الإسلامي محمد مبروك، فإن النقاش القائم بين الدوائر السياسية والفكرية حول مفهوم المواطنة في دول ما بعد الربيع العربي لا يعكس بالضرورة الصراع الحقيقي بين التيارات الفكرية المختلفة، ويعتقد مبروك أن ما يجري تمرير هذا المفهوم الخطير الذي لديه قدرة فائقة على صياغة المقومات الفكرية والسياسية والحضارية بهدف تقويض المنظومة الإسلامية الشاملة.

ويحاول العلمانيين تقديم هذا المفهوم على أنه مسلمة مبدئية لا يمكن النقاش فيها، بينما يذهب بعض الإسلاميين "المعتدلين" إلى إيجاد تبريرات هزلية لدعم رؤية العلمانيين لهذا المفهوم من حيث تساوي " المواطنين" في الواجبات والحقوق.

وبحسب الدراسة فإن هذا المفهوم الذي تم تسويقه في ظل استقواء سلطوي علماني على أنه مسلمة فلسفية واقعية يتعرض الآن من حيث كينونته الوجودية للنقد العنيف من المفكرين المعاصرين، نظرا لتداخل مفهوم المواطنة مع مفاهيم طرأت مثل الدولة القومية والسيادة.

يبحث المفكر مبروك في معاجم اللغة العربية عن المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة "مواطنة" فيجد أنها " الوطن المنزل التي تقيم فيه.." بحسب ما ورد في لسان العرب، واستنادا لحكم المحكمة الدستورية الأمريكية الصادر عام 1950م، فإن المواطنة هي الحق في الحصول على حقوق. لكن الدكتور محمد عابد الجابري ينفي أن يكون للمواطنة معنى في اللغة العربية، ويصر على وصف المواطنة بأنها " المصاحبة والعيش مع..".

ومعنى المواطنة عند الليبراليين بحسب ما نقلته الدراسة، فإنه يختلف ما بين المعنى المستخدم في الدعاية السياسية، وما بين المعنى المستخدم في البحوث العلمية، ويستدل المفكر مبروك بتعريف أسامة الغزالي حرب لتعريف المواطنة بقوله" المساواة والاعتدال وعدم التمييز على أساس الدين".

بينما يقول برنامج حزب الجبهة الديمقراطية" تتعلق المواطنة بضرورة حصول كافة المواطنين على حقوقهم وتمتعهم بحرياتهم دون أي تفرقة بسبب الطبقة الاجتماعية أو الجنس أو الدين أو الانتماء الإقليمي...". وخلال طرح عدد من التعريفات التي وردت على لسان شخصيات علمانية عربية فإننا نجد أن التركيز على مصطلحات مثل " الحرية، العدالة الاجتماعية"، هي أساس تعريف مفهوم " المواطنة".

وتستعرض الدراسة مفهوم " المواطنة" عند حضارات غربية قديمة، مثل الإغريق، حيث كان المجتمع مقسم إلى ثلاث طبقات، العبيد والعمال والحرفيين، وكانوا محرمين من صفة المواطنة وكذلك ممارسة أي حق سياسي، وكذلك كانت حالة المقيمين الأجانب في المجتمع الإغريقي، أما الطبقة الثالثة فكانت المواطنين الذين يتمتعون بحق المواطنة ويقتصر ذلك على الذكور فقط من غير الإناث.

أما في الإمبراطورية الرومانية فإن صفة المواطنة كانت رهينة بولاء المواطن للدولة وليس المشاركة السياسية، وكان الإمبراطور هومن يمنح هذه الصفة لرعاياه وليس الرعايا هم من ينتخبون الإمبراطور.

وبعد ظهور نظرية العقد الاجتماعي اختلف الفلاسفة على تعريف مفهوم واضح حول مصطلح "مواطنة"، فهوبز عرفها على أنها تنازل الأفراد عن سلطتهم لصالح الملك مقابل الأمن الذي يوفره لهم، أما جان جوك روسو فقد رأى أن المواطنة هي عقد بين أفراد متساوين تتحد إرادتهم في تكوين شخص معنوي عام هو الدولة. ويعتقد كاتب الدراسة أن الكثير من المتغيرات أثرت في مفهوم " المواطنة" في العصر الحديث وخصوصا بعد تأثر الأفراد بالحروب العالمية والتغيرات في المنطقة العربية وظهور العولمة والاقتصاد الدولي بالإضافة إلى التبعية الدينية والصراعات الاقتصادية، والجغرافية، كل ذلك أدى إلى نشوء مفاهيم مختلفة حول المواطنة.

أما بالنسبة للإسلاميين في مصر فإن مفهوم المواطنة يراه الشيخ عبد المنعم الشحات على أنه تعايش سلمي مع الأقليات على أن لا يصادروا هوية الأرض، مضيفا في إحدى محاضراته بأننا نقبل التعاطي مع مفهوم المواطنة شريطة أن يتم تحديد قضية الهوية، نقبل بالمواطنة شريطة أن لا تخل بالهوية الدينية للدولة، وتابع الشحات قوله بحسب الدراسة" قل في المواطنة ما شئت، لكن لدينا شريعة فوق كل ذلك". أما الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه " الوطن والمواطنة" فهو يختصر الجدال الكبير في هذه القضية ليؤكد أن وطن المسلمين بغض النظر عن حدوده مرهون بولائهم لله والرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول إذا ما تحقق ذلك فإن "دار الإسلام" هي وطن لكل مسلم. وتابع القرضاوي حديثه عن "دار الإسلام" مشيرا إلى أن جميع ساكنيها حتى لو كانوا من "أهل الذمة" هم مواطنين فيها، مضيفا بأن أي مشكلة تأتي بعد ذلك يمكن أن تحل بالفقه الإسلامي وهي إشارة غير مباشرة للحقوق والواجبات.

وتشير الدراسة إلى أقوال "تيار الإسلام الليبرالي" حول "المواطنة"، مؤكدة أن زعماء هذا التيار يرون أن المواطنة تكفل المساواة بين المسلمين وغيرهم في الحقوق المدنية والسياسية، والقوانين التي يكفلها الدستور. كما يعتقد هذا التيار أن فكرة "أهل الذمة" بحاجة إلى إعادة تأمل من جانب جميع الأطراف، وتبريرهم لذلك بأنه وصف تاريخي عول بمقتضاه أهل الكتاب في مجتمعات المسلمين، وهي عهد ملزم لمن أعطى ذلك العهد، لكن الظروف المحيطة تغيرت ويمكن للدستور أن يكفل حرية العقيدة كما تقرر حقوق المواطنين جميعا. ويبين هذا التيار أن المساواة في الحقوق المدنية يضمن لأن يكون الحق لتيار الأغلبية في تقرير شؤون البلاد.

وفي ختام الدراسة يرى المفكر الإسلامي محمد مبروك أنه في ظل الأزمات المترابطة التي تعيشها الأمة سياسيا وفكريا، فإنه يجب على المفكرين الإسلاميين وضع مفهومهم الخاص بهم للانتماء، فالأمر أحرى بهم من المفكرين الغربيين في وضع مدارات مستقبلية بديلة لمفهوم المواطنة تحدد المعنى الحقيقي لانتماء أبناء الأمة.