تعد تجربة الحركة المغربية واحدة من أنجح تجارب الإسلاميين في الحكم في الفترة الماضية، ونستطيع تصنيفها كأبرز الفائزين من موجة الانتفاضات العربية التي اجتاحت العديد من الدول العربية في العام 2011، وبشكل عام تتميز المدرسة الإسلامية المغربية سواء في تنظيراتها السياسية أو ممارستها للعمل السياسي عن نظيرتها المشرقية. فتجربة حزب العدالة والتنمية تجربة ميدانية ثرية تستحق الدراسة والتأمل، والوقوف عندها؛ خاصة أن الحزب ليس جزءا مباشرا من حركة التوحيد والإصلاح، ولا الحركة نفسها كانت نشأتها تقليدية، فلم تنشأ حركة التوحيد والإصلاح كجماعة وتيار فكري واحد كأغلب التيارات والتنظيمات التي تعمل في الساحة العربية، بل نشأت عبر عدد من الاندماجات بين مجموعة من التيارات والتنظيمات لتصب في النهاية في جماعة تنظيمية واحدة لها هياكلها ورؤيتها الموحدة. فقد جاءت هذه الوحدة في اتجاه معاكس لحركة التشرذم والتشتت الذي شهدته الحركات الإسلامية بالعالم الإسلامي.

جاء ميلاد الحركة نتيجة اجتماع لجهود عدة روافد وحركات إسلامية، أهمها حركتا: رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد. ففي البداية قررت أربع جمعيات إسلامية القيام بعمل وحدوي، ومن ضمن هذه الجمعيات الأربع جمعية الشروق الإسلامية ومجموعة التوحيد، وكلتاهما كانتا قد انفصلتا عن حركة الشبيبة الإسلامية.. إضافة إلى مجموعتين لم يكن لأفرادهما علاقة بحركة الشبيبة الإسلامية، وهما: جمعية الدعوة بفاس التي تأسست في العام 1976م على يد الدكتور عبد السلام الهراس مع مجموعة من الإسلاميين. والجمعية الإسلامية بالقصر الكبير التي تأسست أيضا في العام 1976م على يد الدكتور أحمد الريسوني. هذه الجمعيات الأربع قررت الاندماج في العام 1994م تحت اسم رابطة المستقبل الإسلامي وأصبح الدكتور أحمد الريسوني رئيسا لهذه الرابطة.

- أما الجناح الثاني فهي حركة الإصلاح، والتي ورثت البقية الكبرى من حركة الشبيبة الإسلامية بعد تشتتها، وقادها عبد الإله بن كيران ومحمد يتيم.

- وفي العام 1996م قرر الجناحان الكبيران، وهما رابطة المستقبل الإسلامي.. التي يقودها الدكتور أحمد الريسوني، وحركة الإصلاح والتجديد.. التي قادها محمد يتيم وعبد الإله بن كيران القيام بعمل توحيدي جديد، وذلك تحت اسم حركة التوحيد والإصلاح.. وقد حددت الحركة الجديدة فترة زمنية مدتها عامان - أسمتها المرحلة الانتقالية - لإنجاز الدمج الكامل لقواعد رابطة المستقبل، وحركة الإصلاح والتجديد، والعكوف على إعداد قانون داخلي ووثائق الدمج التنظيمي والفكري والتصوري. وقد تولى الأمانة العامة للحركة في الفترة الانتقالية بين 1996 و1998م الدكتور أحمد الريسوني.. وقد استطاعت الحركة تجاوز هذه المرحلة الصعبة بنجاح وأسست لحركة شوية يتم فيها تداول المسؤولية التنفيذية بتوافق داخلي أسهم في استقرار الحركة، واستطاعت أيضًا أن تقوم في هذه الفترة الانتقالية بالتهيئة لتأسيس إطار سياسي حزبي منفصل إداريًا عن الحركة، عبر الاندماج مع أحد الاحزاب السياسيّة القائمة والقريبة فكريًا منها.

- بدأت فكرة تأسيس حزب العدالة والتنمية - وفقا لرؤية قيادات حركة التوحيد والإصلاح من أجل فك التشابك بين العمل الدعوي والعمل السياسي، وسعيًا لخلق هيكل حزبي مستقل عن الحركة يُمارس بحرية كاملة مهام العمل السياسي.. فيما يتبقى العمل التربوي والاجتماعي والثقافي من ضمن واجبات الحركة.

ومن أجل تفادي القلق الدائم من أي واجهة سياسية للإسلاميين، نشأت فكرة الدخول في شراكة حزبية مع أحد الكيانات السياسية المقبولة عند السلطة.. وحصل ذلك بعد التقارب والاتفاق مع أحد القيادات التاريخية للاستقلال في المغرب، وهو الدكتور عبد الكريم الخطيب.

وكان الدكتور الخطيب أحد قيادات الحركة الشعبية التي تأسست عام 1959م وأصبح رئيسًا للبرلمان المغربي في العام 1963م.. ولكن في العام 1965م رفض الخطيب قرار الملك بإعلان حالة الطوارئ.. وبسبب ذلك ترك رئاسة البرلمان. ثم توسعت خلافاته مع الحركة الشعبية. لذا قرر مع مجموعة من قيادات الحركة الشعبية الانشقاق عنها في العام 1967م، وتأسيس كيان سياسي جديد اسمه الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية.

ورغم أن للدكتور عبد الكريم الخطيب نزعة إسلامية واضحة، إلا أن كيانه السياسي الجديد لم يحظ بامتداد شعبي كبير. وبسبب اعتراضه على ما اعتبره تلاعبًا في العمليات الانتخابية، قرر كيانه الحزبي مقاطعة الانتخابات البرلمانية لمدة قاربت الثلاثين عاما.. وفي العام 1996م ارتأت قيادة (حركة التوحيد والإصلاح) الدخول في شراكة مع الدكتور الخطيب، وذلك عبر ضم قطاعات واسعة من كوادر (حركة التوحيد والإصلاح) إلى (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية).. وبناء على ذلك تم عقد مؤتمر شعبي في أواخر العام 1996م، شكل تدشينا لهذه الشراكة التي أنتجت حصول الحركة الشعبية الدستورية على أربعة عشر مقعدًا في الانتخابات النيابية التي عقدت في العام 1997م.. وفي العام 1998م قرر المجلس الوطني لـ(الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) تغيير اسم الحركة الى (حزب العدالة والتنمية).

- ثم تكلل ذلك الاندماج بتأسيس حزب العدالة والتنمية في العام1998م. وبذلك صار لهذه الحركة الإسلامية الكبيرة واجهتان تنظيميتان منفصلتان تماما عن بعضهما، هما حركة التوحيد والإصلاح، وتقوم بمهام العمل التربوي والاجتماعي والثقافي، وحزب العدالة والتنمية ويقوم بمهام العمل السياسي.

وبقي الدكتور عبد الكريم الخطيب أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية حتى العام2004م، حين رفض ترشيحه مجددًا لمنصب الأمين العام، وذلك لظروفه الصحي وانتخب بدلاً عنه نائبه الدكتور سعد الدين العثماني الذي استمر أمينا عاما حتى العام 2008م.

وحين انعقد المؤتمر الوطني السادس لحزب العدالة والتنمية في يوليو من العام 2008م، ووسط تغطية إعلامية مكثفة، وحضور عدد من قيادات الاحزاب السياسية الأخرى في العالم العربي. كان من أبرز مهام هذا المؤتمر انتخاب أمين عام للحزب،

وكانت كل التوقعات والاستطلاعات والتغطيات الصحفية تشير إلى الفوز السهل لسعد

الدين العثماني في تولي أمانة الحزب لدورة ثانية.. ولكن شهد المؤتمر مداخلات عديدة

انتقدت قيادة سعد الدين العثماني في المرحلة السابقة، وهو ما قلب المزاج الانتخابي،

ونتج عنه فوز عبد الإله بن كيران بحصوله على 684 صوتًا، في مقابل 495 صوتًا لسعد الدين العثماني. ورغم أن هذا التحول شكل مفاجأة لكثير من المراقبين. وفاجأ أيضًا قيادات الحزب على وجه الخصوص إلا أنه لم يؤثر على تماسك الحزب وتجانسه. وبذلك صار عبد الإله بن كيران أمينا عاما للحزب. وانتخب بعد ذلك الدكتور سعد الدين العثماني رئيسًا للمجلس الوطني العام في الحزب.

- في الانتخابات النيابية التي عقدت في العام 2002م، أنزل حزب العدالة والتنمية

مرشحيه في 56 دائرة انتخابية من أصل 91 دائرة.. وكانت النتيجة حصوله على 42

مقعدًا في البرلمان. أما في انتخابات 2007م فأنزل حزب العدالة والتنمية مرشحيه في كل الدوائر الانتخابية تقريبًا (في 94 دائرة من أصل 95) وكان متوقعًا أن يفوز بقرابة السبعين مقعدًا، ولكنه لم يحصل سوى على 47 مقعدًا فقط.

بعدها ألقت الانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية بظلالها على المغرب التي سارع النظام الملكي فيها لإجراء تعديلات دستورية وسياسية جديدة تفتح باب أمام الحريات وتأسس لنظام سياسي منفتح على كل كافة المكونات السياسية في المغرب، وكانت تلك الثغرة التي نفذ منها حزب العدالة والتنمية عبر الآليات السياسية الجديدة إلى سدة الحكم، إذ حصل في أول انتخابات - إثر إقرار الدستور المغربي الجديد للعام 2011 - على الأكثرية بواقع 107 مقاعد من إجمالي عدد 325مقعدا هي إجمالي مقاعد البرلمان المغربي، واستطاع بن كيران تشكيل أول حكومة مغربية برئاسته، ضمت هذه الحكومة 31 وزيرا، غير رئيس الحكومة، منهم 11 وزيرًا من العدالة والتنمية بما فيهم رئيس الحكومة، إضافة إلى 6 وزراء من أحزاب الاستقلال، و4 من حزب التقدم والاشتراكية، و4 من الحركة الشعبية، وآخرون مستقلّون، وفي انتخابات 2016 حصل الحزب على 125 مقعدًا برلمانيًا بنسبة واحد وثلاثين في المائة من جملة المقاعد البرلمانية، ورغم التقدم الذي حصل عليه الحزب مقارنة بالانتخابات الماضية إلا أن الحزب واجه العديد من الصعوبات بسبب تبدل البيئة السياسية الداخلية والإقليمية في المنطقة، ورغم تكليف الملك لأمين الحزب عبد الإله بن كيران بتشكيل الحكومة إلا أنه فشل لمدة خمسة أشهر في تكوين حكومة ائتلافية نتيجة تعنت بعض الأحزاب، بعدها كلف الملك الرجل الثاني في الحزب سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة وعلى النقيض من بن كيران رضخ العثماني لبعض ضغوطات الأحزاب فخرجت الحكومة بائتلاف خمسة أحزاب إضافة إلى حصة الوزراء التكنوقراط الذين يعينهم الملك مباشرة وجاءت تشكيلة الحكومة كالتالي:

الأحزاب السياسية

عدد المقاعد في البرلمان ونسبتها

عدد الحقائب الوزارية ونسبتها

حزب العدالة والتنمية

125 مقعدًا (نحو 32 %)

12 وزيرًا (نحو 30.7 %)

الوزراء التكنوقراط

وزراء سيادة تابعون للقصر

7 وزراء (نحو 18 %)

حزب التجمع الوطني الأحرار

37 مقعدًا (نحو 9 %)

7 وزراء (نحو 18 %)

حزب الحركة الشعبية

27 مقعدًا (نحو 7 %)

5 وزراء (نحو 13 %)

حزب الاتحاد الاشتراكي

20 مقعدًا (نحو 5 %)

3 وزراء (نحو 7.7 %)

حزب الاتحاد الدستوري

19 مقعدًا (نحو 4.8 %)

وزيران (نحو 5 %)

حزب التقدم والاشتراكية

12 مقعدًا (نحو 3 %)

3 وزراء (نحو 7.7 %)

ورغم الانتقادات التي وجهت لسعد الدين العثماني بسبب رضوخه لبعض ابتزاز الأحزاب السياسية وعدم حصوله على الحصة المكافأة لنسبة البرلمانية في الوزارة، وعدم تجانس الفريق الحكومي قد يعوق ذلك عمل الإصلاحات التي وعد حزب العدالة والتنمية ناخبيها بتنفيذها وعلى رأسها محاربة الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، لكن على أية حال استطاعت الوزارة أن تحظى على ثقة البرلمان، وما زالت أمام حزب العدالة والتنمية الكثير من التحديدات في الفترة القادمة والتي ستحدد بشكل كبير مصير تلك التجربة.

قراءة في مستقبل حزب العدالة والتنمية:

يبدو حزب العدالة والتنمية مستوعبا للتغييرات السياسية سواء التي تمر بها المنطقة عامة أو التفاعلات السياسية داخل المغرب، ورغم المكائد التي تحاط به وألاعيب الأحزاب الإدارية (يقصد بها الأحزاب التي تسير في فلك النظام)، إلا أنه يحاول ألا يتصادم مع تلك العواصف السياسية إلى أن تمر.

فالنظام لا يريد أن ينسب الفضل في الإصلاحات التي تجري في البلاد إلى حزب العدالة والتنمية فتزداد شعبيته وقوته، وفي الوقت نفسه لا يريد أن ينقلب على مجال الحريات السياسية في البلاد التي أقرها في الدستور الجديد والذي صوت عليه الشعب في 2011 بأغلبية كبيرة، ولأنه ومن واقع التجربة شكل حالة من الاتزان والاستقرار داخل المجتمع، والانقلاب على مجال الحريات السياسية سيدفع بالحزب العدالة والتنمية مرة أخرى إلى مربع المعارضة، وهو ما سيكسبهم مزيدًا من التعاطف في الأوساط الشعبية.

أما من جهة حزب العدالة والتنمية فقد قبل أن يتنازل عن أمينه العام عبد الإله بن كيران، وقبل بحصة في الحكومة أقل من وزنه الانتخابي وتنازل عن معظم الوزارات الهامة وتشارك مع خمسة أحزاب سياسية بعضها مختلف مع رؤيته الاقتصادية بشكل كامل، ورغم كل تلك الصعوبات يسعى الحزب للخروج من تلك التحديدات بأكبر قدر من المكاسب، ويكفي من ذلك أن تتأصل حالة المشاركة الشعبية في الواقع السياسي ويكون للجماهير كلمتها المسموعة لدى الحكام، فتأصيل حالة الحرية هذه، هي في حد ذاتها مكسب استراتيجي هام. وفي الوقت نفسه فإن دخول الحزب بكوادره في نسيج مؤسسات الدولة يعزز من إمكانياته السياسية ويقربه من الواقع السياسي والاقتصادي للدولة بعيدًا عن طوباويات الأحزاب المعارضة التي لم تمارس العمل السياسي الفعلي كشأن العديد من الأحزاب الإسلامية في منطقة المشرق العربي.

لكن يبقى على الحزب أن يستثمر بشكل فعلي القوى الشعبية التي أعطته أصواتها وأن يكون لديه قدر من الممانعة السياسية التي تُشعر الذين صوتوا له في الانتخابات أن أصواتهم لم تذهب سدى، وإلا ظهر دور الحزب في الحياة السياسية المغربية بشكل باهت في الحياة السياسية، وذلك لا شك سيؤثر على مستقبله السياسي في الانتخابات القادمة، ورغم تلك التحديات تبقى الحالة المغربية ومن دون شك أنجح التجارب السياسية الإسلامية إلى وقتنا الحاضر رغم صعوبة الواقع السياسي التي تمر بها.