يُخيم القلق والخوف على بعض الشباب العربي الذي وقع ضحية الأفكار والمعتقدات البوذية التي استغلت حالة الضعف العربي العام وارتفاع مستويات الفقر والبطالة والإحباط السائد في المنطقة، ولم يعد أمر هؤلاء الشباب مقتصراً على قراءة فلسفة أو أفكار بل وصل حال الكثيرين منهم إلى حد الإيمان بها واعتناقها، لأنهم وجدوا فيها بديلاً مناسباً عن الدين الإسلامي، لكن حرصهم على عدم انكشاف أمرهم كبير، كونهم يدركون أن بوحهم بمعتقداتهم مرفوض دينياً واجتماعياً ويمكن أن يُعرضهم للعقاب، غير أن الطريق الوعر الذي سلكوه بات هيناً مع مرور الوقت، فأعدادهم أصبحت في تزايد بفعل تنوع الأساليب والوسائل التي أسست لنشر البوذية في العالم العربي.

الاعتقاد السائد لدى معتنقي الأفكار البوذية في العالم العربي، إنها ليست ديناً كما يؤكد "الدالي لاما" الزعيم الروحاني للبوذيين، ولا يحتاج الشخص ليكفر بديانته ليكون بوذياً، لكنهم يجمعون على أن المبادئ البوذية تساعدهم على أن يكونوا أفضل، فيصلوا في نهاية المطاف إلى الإلحاد لأنهم لا يفضلون أن يكونوا مصنفين على أساس ديني. وهذا ما أكد عليه اللبناني الشيعي فيصل عبد الستار، في رده على المستشارة "نهى الزيني" أثناء ندوة نظمتها دار الشروق المصرية في نوفمبر عام 2006 حول الخلاف السني الشيعي، تساءل عبد الستار "كيف لنا مثلاً أن نهاجم البوذية دون أن نعرف ما نقول؟! هل تعلمون أن البوذية هي أفضل الأديان أخلاقياً؟!

بعبارة لبوذا صليب لا يحميه، تحدث المخرج التلفزيوني اللبناني "سيلفيو ثابت" لصحيفة الأخبار اللبنانية في فبراير 2012 مُعلقاً على سخط أهالي جبل كسروان في بيروت من وجود تمثال "لـغوتوما بوذا مؤسس البوذية" كان ثابت قد أحضره على نفقته الخاصة من الهند ووضعه في عقار خاص به على مقربة من كنيسة مار يوسف الأثرية من أجل استقبال الزوار، ويقلل ثابت من أهمية التمثال الدينية موضحاً أنه لم يحضره إلى لبنان بدافع ديني بل يعتبره مصدر إلهام، لكنه في نفس الوقت يتهم اللبنانيين الرافضين لهذا التمثال وبعض الأهالي اللذين يحاولون الإساءة إليه بالجهل، لأنه يعتقد أن بوذا يمثل السلام والمحبة، ويحصل عليها من خلال الزوار اللبنانيين القادمين لتأمله.

انتشار هذه الأفكار بين مجموعات مختلفة من الشباب العربي، يستدعي الطرق على الخزان من أجل التعرف على تلك الوسائل والأساليب الذي يستخدمها معتنقي البوذية في العالم العربي ومن يدعمهم من الخارج، لأن انتشار هذه المعتقدات له أوجه مختلفة ولا يقتصر على المراكز الثقافية الخاصة بتعليم "اليوغا" التي أشرنا إليها في مقال سابق، بل تجاوز الأمر ذلك بكثير، فالتقرير الذي كشفت عنه مؤسسة "بيو" الأمريكية في ديسمبر 2012 خير دليل على ذلك.

وبحسب هذا التقرير إن عدداً من المواطنين المغاربة اتجهوا لاعتناق البوذية و الهندوسية ويمارسون طقوسهم داخل المملكة المغربية بسبب اختلاطهم بمجموعات أسيوية وأفريقية، وهو أول تقرير يقر بوجود أقليات لا دينية وبوذية وهندوسية في المغرب، الأمر الذي دفع مجموعة من الحقوقيين حينها، إلى المطالبة بإعادة فتح النقاش حول قضية حرية المعتقدات، لأنهم وجدوا في هذا التقرير فرصة مناسبة للضغط على الحكومة من أجل تقنين مثل هذه المعتقدات.

في هذه الأثناء بدأ صوت النشطاء التابعين لبعض منظمات المجتمع المدني يعلو، محذرين من انتشار الديانة البوذية على نطاق واسع عبر المهاجرين الآسيويين، الذين أقاموا في المغرب، ومنذ ذلك الحين بدأت بعض منظمات المجتمع المدني في المغرب تتجه نحو تنظيم لقاءات فكرية لمناقشة أوضاع الجاليات الأجنبية التي بدأت تتدفق على البلاد خلال السنوات الأخيرة، مؤكدين على أن التعايش اليومي بين المهاجرين والمغاربة يشهد حالة من التناغم، خصوصًا بعد تسوية أوضاع الأسيويين الذي يعتنق جزء كبير منهم للديانة البوذية.

في الصدد عينه جاء عنوان "البوذية دخلت مصر" متصدراً عناوين صحيفة روزاليوسف في 17 أكتوبر 2015، وتساءلت الصحيفة بالقول هل الصمت يعني أن مصر ليس فيها بوذيون؟ واستخدمت مصطلح "دراويش" البوذية من المصريين يعتقدون أنها وسيلة من وسائل الوصول بالإنسان إلى أن يكون إنساناً. لكنها رجحت أن يكون الطريق الوحيد لدخول عالم البوذية مقتصراً فقط على الوسائل الالكترونية.

أشارت الصحيفة المذكورة بإسهاب إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي، مستعرضه عدة صفحات على الفيس بوك أهمها، "البوذيون العرب" المزدحمة بالأفكار والمناقشات بين مؤيد ومعارض والذي يصل عدد المشاركين فيها إلى أكثر من 3700 عضواً، فضلاً عن صفحة "المناقشات والدراسات البوذية" التي تضم نحو عشرة آلاف متابع عربي يخوضون مناقشات موسعه حول التعاليم البوذية مع "أرجونا" مؤسس الصفحة الذي يضع "بوست" على رأس الصفحة يشرح فيه أهم مبادئ البوذية وينصح الرواد بقراءة كتاب تعاليم بوذا.

وبحسب الصحيفة ذاتها إن تلك الصفحة يتم إدارتها من خلال شخصين أحدهما يُدعى "أرجونا" من الهند وشاب مصري يدعى "أ.ص" ووفقاً للأخير أن مصر تفتقر لمعلمي البوذية، لذلك يلجأ بعض الشباب المصري إلى السفر للهند بتسهيلات يقدمها لهم بعض المشاركين المهمين في تلك الصفحات من أجل تعليمهم مبادئ الديانة البوذية. ويتفق "أرجونا" مع زميله " أ.ص" حينما يؤكد على أنه ليس هناك معلمون بوذيون في مصر أو العالم العربي، فالمتدربون العرب يعتمدون بالكامل على التعليم الذاتي ومشاركة بعضهم البعض الخبرات. لكنه يأسف على وضع البوذيون في مصر والعالم العربي بسبب سطوة التيارات المتشددة على الأمور، لكن نظرته للبنان كانت مختلفة حين اعتبرها البلد الأكثر تسامحاً مؤكداً على وجود معبداً للبوذيين بالقرب من بيروت. هذا فضلاً عن صفحات أخرى منها بوذية الزن نحو 2000 مشترك وبوذا المستنير نحو 9500 مشترك.

ثمة ما يدعو للاعتقاد أن ما يقوله "أرجونا" حول بعض المعابد البوذية في العالم العربي يشكل واحداً من أسهل الطرق لنشر الثقافة البوذية أو تعريف العالم العربي بمعتقداتها فتمثال المخرج اللبناني سيلفيو ثابت في بيروت لم يعد وحيداً لأنه نجح في الحصول على مجموعة من الأخوة في متحف اللوفر "أبو ظبي" الذي تم افتتاحه رسميا عام 2015 ويعرض المتحف تمثال الآلهة الهندوسية “شيفا” من القرن العاشر، وتمثالا لكاتب روماني من القرن الثاني، وآخر بوذي من الحقبة نفسها.

ولا شك في أن دعم الثقافة البوذية في ظل أجواء الضعف العام التي تُلقي بظلالها على العالم العربي، لم تعد تقتصر على هذه الأساليب فقط لأن سنوات التيه العربي الذي نعيشه الآن دفعت البعض للمطالبة بإنشاء معابد بوذية بحجة الانفتاح على الهند، ولعل أهمها حديث الدبلوماسي المصري الدكتور بطرس بطرس غالى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الذي طالب في ديسمبر 2014 بفتح معابد بوذية في مصر من أجل الانفتاح بشكل أكبر على العالم الخارجي والتعايش السلمي، أسوةً بما حدث بين الشمال والجنوب في اندونيسيا، معللاً ذلك بالانفتاح على لغات أخرى بخلاف اللغة الإنجليزية، وربما يأتي بناء أول معبد هندوسي في أبو ظبي أغسطس 2015 في السياق نفسه.