إذا كانت الشرائع السماوية التي تنزلت من عند الله تعالى على قدر حاجة الخلق إليها، ولإصلاح ما أحدث الناس من فساد في الأرض، فإن الفترة ما بين نبي الله عيسى عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  كانت من أسوأ الفترات التي مرت بها الإنسانية؛ لِـمَا اتَّسمت به من فساد في كل أمم الأرض، حتى أذن الله تعالى برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  وبعثته إلى الناس كافة، فكانت رسالة الإسلام أشرف وأتم الرسالات السماوية، لأنها جمعت بين فضائل جميع الرسالات السابقة وشرائعها وأخلاقها وزادت عليها بعالميتها الصالحة لكل عصر وجيل.

دين عالمي:

ولما كان الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله تعالى ديناً للبشرية جمعاء، والقرآن الكريم كتابَ الإنسـانية كلهـا، والرسـالة التـي جـاء بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم  هي لكل نفس بشرية، لا فرق بين الناس في أي شكل من أشكال التمييز والتفرقة. وقد وصف الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم  بأنه الرحمة المهداة من الله تعالى للعالمين، وقال له في كتابه العزيز: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ووصف كتابه العزيز بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، ووصف دين الإسلام الخاتم لكل الرسالات السماوية بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ} [التوبة: ٣٣]. وقد جاءت شريعة الإسلام التي أكمل بها البناء، صالحة لكل زمان ومكان[1].

وقد أخبر القرآن الكريم أن كل رسول من رسل الله تعالى أُرسل إلى قومه وحدهم ما عدا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  فقد أرسله الله تعالى إلى البشرية جمعاء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وخاطبه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وبذلك أصبح الإسلام هو تلك الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالمين، والتي لا تقتصر على جنسٍ أو قومٍ، ولكن إلى الناس كافة، وهي بتلك الكيفية: شريعة عالمية كاملة.

وقد جاءت الرسالات السماوية السابقة للإسلام الذي جاء متمِّماً لها، جاءت لإسلام الحياة لله سبحانه وتعالى فجمعها بذلك اسم الإسلام؛ فالإسلام بهذا المعنى هو دين الأنبياء جميعاً، وهذا ما نطق به القرآن الكريم على ألسنة رسل الله أجمعين: {إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ} [آل عمران: 19]. لكن الحقيقـة المسلَّم بها هي الاعتراف بوجود الاختلاف في المعتقدات بين الناس، وهي سنة؛ إذ قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } [المائدة: 48]، ومن ثَمَّ فإن الاختلاف في المعتقدات لا يمنع من التسامح والتعايش بين أتباع الأديان.

وحدة الأصل الإنساني:

لقد أكدت الرسالة الإسلامية على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم  في حجة الوداع: «ليس لعربي فضل على أعجمي ولا لأبيض على أسود... إلا بالتقوى»[2]، وهذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف وإلى ترك الخصام بالتعاون على الخير؛ وذلك لأن الانتساب لآدم وحواء وشيجة وقربى ورحم تجعل من الناس جميعاً أسرة واحدة. وفي هذا الإطار يجب أن تُصاغَ العلاقات الإنسانية على أساس التعارف والتعايش السلمي بين الناس (كل الناس) وفي الإسلام نجد أن الدعوة إلى التعايش السلمي بين الناس تستند إلى التوجيه الرباني: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} [آل عمران: 64]، وهذه الآية تدعو إلى إفراد الله تعالى بالعبودية وعدم الإشراك به وإلى رفض الطغيان والهيمنة، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً يستوحون منهم التعاليم أو يخشونهم

وهذا المعنى يؤكد على حقيقة هامة: أن غايات هذه الرسالات وأهدافَها النهائية واحدة، وهي هداية الناس إلى عبادة الله تعالى وإلى الإيمان به. وقد جاءت الرسالات السماوية كلها تأكيداً صادقاً لهذا المعنى وكانت العبارة التي تكررت على ألسنة جميع الرسل هي: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50].

عالمية الإسلام ووحدة الإنسانية:

ارتباط العالمية في الإسلام بالدين وحضارته هو الأمر الذي جعل العالمية تسير وَفْقَ ضوابط دينية وأخلاقية؛ فالعالمية مستمدة - أصلاً - من وحدة الدين أي كون دين البشرية واحداً من البداية، وهو التوحيد الذي منه تنبثق العالمية؛ فالتوحيد يعني الاعتراف بإله واحد خالق للعالم وللإنسان، وأنه إله للعالم وللبشرية وأمامه يتساوى كلُّ الخلق، ويتوحد كل الكون وتصبح الإنسانية أُخوَّة؛ فكـل الخلق مردود إلى آدم وحواء، والكل يشترك في أُبُوَّة آدم وأمومة حواء؛ وذلك بصرف النظر عن اختلاف الأديان والأجناس والألوان والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية. وهكذا تنطلق العالمية في الإسلام من وحدة الدين إلى وحدة العالم ووحدة الإنسان الدافعة كلها إلى ضرورة التعارف على أساسٍ من التقوى والتعاون، ورفض الظلم والعدوان بين أبناء البشر والإخوة العائدين إلى أصل واحد، وجعل رسالة الإنسان تعمير الأرض وإقرار السلام والأمن فيها[3].

أُسس البناء الحضاري في الإسلام:

لما كان ديننا الإسلامي ديناً لتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية، كان حضارياً يدعو إلى التعارف والتعاون والتواصل بين بني البشر؛ فقد أمرنا الإسلام أن نقيم علاقاتنا مع الآخر (غير المسلم) على السلام وعلى الأمان وعلى التعارف والتحاور ما دام هذا الـ (غير) يبادلنا هذا السلام وهذا الأمان وهذا التعارف، قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨][4]. ومن هذا المنطلق بنى المسلمون حضارة مفتوحة على العالم لا انفصام بينها وبين أصحاب الديانات أو الثقافات الأخرى، ولا استعلاء على من يخالفـونها في الدين ونمـط العيش، ولم تشيِّد الحضارة الإسلامية جداراً بينها وبيـن الحضارات الأخرى. هكذا احتوى الإسلام بتوجيهاته الحكيمة على مقومات العطاء الحضاري التي مارسها سلف المسلمين فصنعوا حضارة كانت هي الأساس الذي قامت عليه أي حضارة أخرى جاءت بعد الحضارة الإسلامية.

 


 


[1] د.شوقي ضيف، عالمية الإسلام، طبعة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص8.

[2] أخرجه الأمام أحمد في مسنده.

[3] د. محمد حسن خليفة، الإسلام والحوار مع الحضارات المعاصرة، طبعة رابطة الجامعات الإسلامية بالقاهرة، ص214.

[4] د. أحمد العتيق، الإسلام والتفاعل الحضاري، طبعة رابطة الجامعات الإسلامية بالقاهرة، ص186.