الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

 لا شك أن خروج الناس إلى الشوارع مطالبين ابتداءً بتوفير الحد الأدنى من الحاجات الأساسية من حق العمل والحياة الكريمة ومحاربة الفساد ومِن ثَمَّ تطور الطرح إلى التصريح بحقيقة فقدانهم الثقة بالطبقة الحاكمة؛ بل تجاوزت المطالب حدَّ تغيير الوجوه وتعديل الممارسات إلى المطالبة بنسف الكيان السياسي القائم عن طريق تعديل الدستور؛ وهذا تطور خطير يهدد بإعادة البلدان إلى المربع الأول وهدم المنظومة القائمة التي هي نتيجة مباشرة لمرحلة احتلال أجنبي. وهذا يصدق على كل البلدان التي تشهد حَراكاً شعبيّاً ظاهراً مع اختلافات جزئية؛ فالجزائر يختلف تكوينها وظروف نشأة نظامها السياسي الذي تشكل نتيجة صراع دموي ضد الاحتلال الفرنسي. أما العراق ولبنان فمن الملفت التشابه الكبير بينهما في التنوع الطائفي وفي الوصفة الاستعمارية المفروضة، ولذا فأوضاع البلدين متشابهة حتى في مطالب الناس وتمرُّدهم على النظام والدستور اللذين فُرضا من قبل المحتل.

والفرق هو أن المشهد في لبنان تديره حاليّاً أمريكا بمشاركة فرنسية، وأما في العراق فتتفرد فيه أمريكا؛ ولذا فدراسة الحالة العراقية تفيد في فهم النسخة الأمريكية للاستعمار الغربي الصليبي التي استفادت من خبرات الاستعمار الأوروبي وأضافت إليها النكهة الأمريكية؛ فدولة العراق هي كيان حديث تشكل أيام توغل الإنجليز في المنطقة وعبثهم فيها نتيجة انتصارهم في الحرب العالمية الأولى وتقاسم أملاك الدولة العثمانية. ومن الغريب أن الإنجليز حاولوا أن يديروا العـراق عن طريق حاكم عسكري إنجليزي وكان فشلهم وقيام ثورة شاملة ضدهم عاملاً مهماً في استدعاء فيصل بن الشريف حسين وتعيينه ملكاً على العراق وبالمثل حاولت أمريكا بعد احتلالها للعراق أن تحكمه عن طريق حاكم عسكري أمريكي ولكن قيام المقاومة العراقية عجل بتكوين مجلس انتقالي ليمثل واجهة حكم عراقية مؤقتة، وكما أشرفت أمريكا على صياغة الدستور العراقي فإنها كانت وما زالت تتحكم بالمشهد السياسي؛ فالشخصيات السياسية أيام الحاكم العسكري  بول بريمر هي نفسها التي تتصدر المشهد السياسي الحالي، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن أمريكا قامت بالإشراف المباشر على صياغة الدستور العراقي الذي قدم ما يمكن أن يسمى بـ (وصفة الخراب)؛ ففي أمريكا بعدد سكانها الكبير وتنوعهم الطائفي والإثني نجد أنه لسنوات طويلة لم يتصدر المشهد السياسي سوى فئتين هما البيض من النصارى واليهود ومن خلال حـزبين وحيـدين؛ بينما عندنا وتحت شعارات عدم الإقصاء وتطبيق المثل الديمقراطية تم فرض نظام المحاصصة والبحث عن أي تمايز وتضخيمه وترسيخة وتم تشكيل طبقة سياسية طفيلية من مختلف الطوائف والإثنيات ولكـن الملاحظ هو تهميش ممثلي السُّنَّة والمبالغة في إبراز المكوِّن الشيعي وتصديره في واجهة المشهد! ومع مرور الوقت تم انسحابٌ أمريكي تدريجي من المشهد العسكري والسياسي واستبدل به خليط عجيب من التشكيلات السياسية بعضها شيعية خالصة وأخرى شيعية مطعَّمة بمكونات أخـرى بل تشكلت ميليشيات مسلحة تابعة لقيادات شيعيـــة مثل جيــش المهـدي التــابع للصـدر. وتعرض المجتمع السني - وهو محضن المقاومة - لعملية تهجير واضطهاد منظمة شاركت فيها  القوات الأمريكية ووليدتها القوات العراقية والميليشيات الشيعية وبرزت تنظيمات ترفع شعارات سُنية حظيت بدعم إعلامي كبير، تبيَّن مع الوقت أن مهمتها الرئيسية نقل المعركة من مقاومة للاحتلال الأمريكي إلى استهداف المقاومة العراقية والبطش بها، بالإضافة إلى حملة ضد عوام الشيعة الذين وجدوا أنفسهم في أحضان النظام الذي هو وليد الاحتلال وتحوَّل العراق إلى ساحة تطاحُنٍ داخلي ولم نعد نسمع أن أمريكيّاً قُتل في العراق! ونجحت أمريكا في تطبيق وصفات الخراب... ولكن اكتمال عملية تدمير المدن السنية ووصول الشيعة إلى التصدر الكامل فضح اللعبة واكتشف عوام الشيعة أن العراق لم يعد موجوداً على الحقيقة، وأن مَنْ يحكمهم على الحقيقة هو ثنائي غريب يتكون من محتلٍّ أصلي يتحصن في المنطقة الخضراء ووكيلٍ حصري يتولى إدارة الحكومة والتحكم بالأحزاب، والأهم من ذلك استكمال السيطرة على منظومة الحوزات العلمية العراقية وإخضاع المراجع الدينية، ولم يعد خافياً أن إيران تتمدد في العراق وتتحكم فيه وتستغله في استكمال مشاريعها لنشر التشيع في سوريا تحت مظلة تفاهم إستراتيجي (أمريكي - إيراني) لمواجهة الانبعاث السنــي القــــادم لا محالة.

تكمن خطورة الأحداث الحالية في أن مظلومية القاعدة الشيعية لم تعد موجَّهة ضد جيرانهم السنة المضطهدين أكثر منهم؛ بل توجـهت نحو الحكومة الفاسدة والأحزاب والميليشيات المتسلطة وتعدَّت إلى اكتشاف حقيقة المراجع وحقيقة مشاركتهم في مسلسل الاستغلال، ولم يعد خافياً عليهم فشل جميع قياداتهم في إدارة البلاد وأنهم مجرد أدوات؛ فقوات الجيش والأمن التي أنشأها الأمريكان، وميليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران كلها تشارك في قمع المظاهرات بعنف أعمى مبالَغٍ فيه؛ إذ بلغ عدد القتلى قريباً من أربعمئة والجرحى تجاوزوا عشرة آلاف، ولما كانت تصريحات خامنئي حول المؤامرة الخارجية والخونة والمخربين تكشف بجلاء عمَّن يدير المشهد على الأرض؛ فقد توجهت غضبة المتظاهرين نحو رموز إيران بَدءاً من تمزيق صور خامنئي نائب الإمام المنتظر! مروراً بمحاولة اقتحام القنصليات الإيرانية  في البصرة وكـربلاء، وأصبح تأييد إيران أو الدفاع عنها مسألة حساسة؛ ولذا رفض مراجع الشيعة الأربعة (السيستاني، إسحاق الفياض، وبشير النجفي، ومحمد سعيد الحكيم) استقبال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران محمود شاهرودي الذي زار العراق بمهمة خاصة مبعوثاً من المرشد الأعلى بصورة علنية. ونلاحظ هنا أنه حتى السيستاني لم يجرؤ على استقباله، وأيضاً مقتدى الصدر اعتذر عن أي لقاء مباشر معه وقام المتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد بضرب أبي عزرائيل، وهو أحد رموز كتائب الإمام علي التابعة للحشد الشعبي الذي اشتهر بجرائمه ضد السنة، ضربوه بالنعال وهم يصرخون «إيراني إيراني» لحظة طلب منهم عدم التعرض لإيران بشعاراتهم فثارت ثائرة الحشود ضده. وقد أصدر طلاب الحوزة بياناً يؤيدون فيه الحَراك ومطالبه في ما يشبه التمرد على المراجع.

  ومع إصرار المتظاهرين واستمرارهم صحت الضمائر وارتفعت الأصوات؛ فمثلاً وزير خارجية أمريكا - وحسب بيان صادر عن المتحدثة باسم الخارجية مورغان أورتاغوسر - فإن بومبيـو حث عبد المهدي على اتخاذ خطوات فورية لمعالجة المطالب المشروعة للمتظاهرين من خلال اعتماد إصلاحات والتصدي للفساد، إلا أنها ممارسات لفظية لا تغطي على أن الفساد في العراق كان ممنهجاً، وأنه بدأ مع فترة الاحتلال، ومن جانب آخر رئيس البرلمان يقابل وفداً من مجلس النواب الأمريكي حيث نوقشت التعديلات الدستورية! ويبدو أن أمريكا وإيران أمام ورطة مشتركة سيحاولان حلها معاً؛ فعراقهم الذي بنوه معاً يترنح؛ بل قد يتعداه إلى أنَّ تمرُّد شيعة العراق ولبنان على هيمنة (إيران ولاية الفقيه) قد يؤدي إلى سقوط ولاية الفقيه في إيران ذاتها وبروز واقع جديد يحتاج إلى بعض الوقت لإعادة ترتيبه، ومن ثَمَّ تجميد مشاريع التمدد الإيرانية مؤقتاً؛ وهي فرصة للقوى السنية لالتقاط الأنفاس بل لاختراق المجتمع الشيعي الذي يشعر بالحنين لحكم أهل السنة.