1- نبذة مختصرة عن المؤلف:

كان العالم مكي بن أبي طالب متبحراً في علوم اللغة، وذلك لافتقار علوم التفسير إليها، يقول الدكتور أحمد فرحات واصفاً هذا العالم الجليل: «اهتم بالنحو واللغة باعتبارهما أداتين لا بد منهما لمفسر القرآن الكريم، وقد أحسن الاستفادة من مصادر هذا العصر فيهما وفي غيرهما من العلوم» .

وقد تتلمذ مكي بن أبي طالب على يد عدد كبير من علماء عصره، منهم أبو عبد الله بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز، وكان أديباً ولغوياً وشاعراً. كما تخرج على يديه العديد من العلماء الكبار، أكتفي بذكر أشهرهم وهو أبو الوليد الباجي الذي ناظر ابن حزم.

والخلاصة مما سبق أن عالمنا يمكن أن يعتبر حجةً لغويةً معتبرة ذات قيمة كبيرة.

2- هل الشكوك المثارة حول نسبة الكتاب لمكي بن أبي طالب صحيحة؟

شكك العديد من أهل العلم والتحقيق في نسبة كتاب العمدة للإمام مكي، ومنهم المحقق الدكتور حسن فرحات الذي قال في كتابه «مكي بن أبي طالب وتفسير القرآن»: «كتاب (العمدة) هذا من أوائل الكتب التي حصلت على نسخة مصورة منها ومعه أيضاً كتاب (تفسير المشكل من غريب القرآن على الإيجاز والاختصار)، ولقد نسختهما وقمت بتحقيقهما، ثم تبين لي أن كتاب العمدة لا تصح نسبته إلى المؤلف».

وإن جاز لي إبداء الرأي - مع احترامي لمكانة هؤلاء العلماء الأجلاء - في هذه المسألة: أرى أن إلغاء نسبة كتاب العمدة لمكي بن أبي طالب يفتقر لقوة الدليل، وإنما كل تلك الآراء مجرد تخمينات احتمالية لا ترقى إلى القطع واليقين، وحجتي في ذلك أن جل علماء المسلمين ألفوا عملاً مبسطاً إلى جانب كتبهم العلمية الكبيرة كي يستفيد منه عامة الناس من المسلمين، لما في ذلك من الأجر العظيم، ومرد ذلك أن مؤلفاتهم الكبرى لا تغطي سوى فئة قليلة من الناس، أي ما نعبر عنه نحن الآن بالنخبة. ويمكنني أن أعطي نماذج على سبيل المثال لا الحصر:

كتاب الورقات «المتن والنظم» لأبي المعالي الجويني، وكتاب: «المرشد المعين على الضروري من علوم الدين» لعبد الواحد بن عاشر العالم المالكي، ثم «الآجرومية»، وهذا مجرد غيض من فيض!

أضف إلى ذلك أن هذا الكتاب كالزبدة المستخرجة من اللبن، فهو مختصر من كتاب «تفسير المشكل من غريب القرآن» ، وهذا ما يفسر وينسجم مع فكرة أن الكتاب للعامة وأما الصفوة فعليها البحث عن المصادر الكبرى عند العالم.

لذا أعتبر أن لكتاب «العمدة في غريب القرآن» مقصداً شخصياً يخص الكاتب نفسه، وهو على الأرجح من باب: «وعلم ينتفع به» .

3- نبذة مختصرة عن الغريب اللغوي:

تتبعت معنى الغريب في التعريفات اللغوية التي تناولته، وقد اخترت اثنين - لكثرة التعاريف - على سبيل المثال لا الحصر:
• «ما قل استماعه من اللغة، ولم يدر في أفواه العامة، كما دار في أفواه الخاصة، كقولهم: صمكت الرجل، أي: لكمته» .

• تعريف بن الهائم (ت 815هـ): «الغريب يقابله المشهور، وهما أمران نسبيان؛ فرب لفظ يكون غريباً عند شخص مشهوراً عند آخر» .
وإن جاز لي الترجيح، فسوف أرجح التعريف الثاني، كونه أكثر توافقاً مع الواقع، فقاموس الغريب إبان عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وإبان عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كان أقل حجماً من العصر الذي يليه، وهكذا دواليك.

4- ما نسبة الغريب في القرآن الكريم بحسب كتاب العمدة؟

أدرج المحقق يوسف عبد الرحمن المرعشيلي أن عدد كلمات الكتاب الغريبة هي 1835 كلمة فطرحت سؤالاً: ما نسبة هذا العدد من عدد

كلمات القرآن؟

فبحثت عن ذلك فوجدت هذه المعلومة الثمينة: «يحتوي القرآن الكريم على 77476 كلمة موزعة على 114 سورة. والسورة الأطول في كتاب الله من حيث عدد الكلمات هي سورة البقرة حيث تحتوي على 6120 كلمة» ، وباستعمال معادلة حساب النسبة وجدت أن نسبة الغريب - بحسب مكي بن أبي طالب - لا تتجاوز 2,36%، أي نسبة ضئيلة جداً! بمعنى أقل من كلمتين ونصف في كل مئة كلمة، أو أكثر بقليل من 23 كلمة لكل 1000 كلمة.

ألا نتذكر قوله عز وجل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: ٧١]. وهذه النسبة المئوية باجتهاد صاحب العمدة، ولو كنا إبان عصر الاحتجاج لتراجعت إلى أقل من ذلك.

5- كيفية الاستدلال المتبعة لمكي بن أبي طالب وطبيعة كتاب العمدة:

من خلال تتبعي لمتن الكتاب لم أعثر على استدلال مشهور عند المفسرين (القرآن الكريم، الحديث النبوي، كلام العرب ...)، وهذا ما جعلني أرجح فكرة أن عالمنا يقدم نفسه حجة لغوية دامغة، لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها، وكيف لا يعتبر حجة وقد أسلفت في الفقرات السابقة أنه تتلمذ على كبار اللغويين كالقزاز مثلاً، وتتلمذ عليه كبار الأصوليين والفقهاء كأبي الوليد الباجي، وإذا أطلقنا هذا المركب اللفظي الثلاثي (أصولي، فقيه، مفسر)، فهو بلا شك نابغة لغوية حتماً.

إذا تأملنا متن الكتاب كله، نجد أن المؤلف يناظر اللفظة الغريبة بكلمة واحدة، وهذا بنسبة كبيرة، فهو الغالب الأعم، وقلما يتجاوز الكلمة الواحدة إلى اثنتين أو ثلاث.

ونضرب لهذا مثلاً:

{آيَاتِهِ} [البقرة: ٣٧]: علاماته * {قَسَتْ} [البقرة: ٤٧]: صلبت * «الأمنية»: التلاوة * {عَهْدًا} [البقرة: ٠٨]: وعداً * {الْـمِيثَاقَ}: العهد * {تَظَاهَرُونَ} [البقرة: ٥٨]: تعاونون * {وَقَفَّيْنَا} [البقرة: ٧٨]: أتبعنا * {وَأَيَّدْنَاهُ} [البقرة: ٧٨]: قويناه * {غُلْفٌ} [البقرة: ٨٨]: في أغطية.
وهذا المثال يؤيد ما سبق، فمن تسع كلمات واحدة فقط ناظرها في تفسيره بكلمتين (غلف /في أغطية). لذا ففي تصوري لا يخرج الكتاب عن كونه قاموساً مصغراً لغريب القرآن على طريقة (كلمة/ كلمة).

6- علاقة اللفظة الغريبة باللفظة الشارحة:

في هذه الفقرة يبرز النبوغ اللغوي لصاحب «العمدة»، فهو من جهة يناظر اللفظ الغريب بلفظ من جنسه في الكلام العربي، فيقابل الاسم بالاسم والفعل بالفعل.. بنسبة قوية معتبرة (الغالب الأعم)، ومثاله:

«لعنهم»: باعدهم * {نَبَذَ} [البقرة: ١٠١]: ترك * {فِتْنَةً} [الصافات: ٣٦]: اختبار * {ثَاقِبٌ} [الصافات: ٠١]: مضيء * {لَّازِبٍ} [الصافات: ١١]: لازم * {دَاخِرُونَ} [الصافات: ٨١]: صاغرون.

من جهة ثانية يحافظ المؤلف على حركات الإعراب في حالات عديدة، حتى إننا إذا استرسلنا في قراءة متنه، أحسسنا برنة في الكلام، وهذا ليس غريباً عن مهندس كتاب «مشكل إعراب القرآن».

من جهة ثالثة يحافظ المؤلف على الميزان الصرفي للكلمة الغريبة ما استطاع، وبنسبة معتبرة كذلك، ولا يخرج عن هذا النهج إلا في حالة استعماله لجملة صغيرة مكونة من كلمتين أو ثلاث.

7- تعامله مع المشترك:

من خلال تعدد كلمات التفسير للكلمة الغريبة الواحدة، أستنتج أن المؤلف راعى الاشتراك اللفظي في عمدته. ومن ذلك على سبيل المثال:
{أُمَّةً} [القصص: ٣٢]: جماعة * {أُمَّةٍ} [الزخرف: ٢٢]: حال * «الحميم»: القريب * {وَحَمِيمٍ} [الواقعة: ٢٤]: الماء الحار.

والحاسم في المعنى المشترك هو السياق الذي احتضن الكلمة الغريبة، حيث تصرف كل قرينة المشترك نحو معنى معين ومحدد ومميز عن المعنى الآخر أو المعاني الأخرى.

وهناك مثال آخر للمشترك المتضاد وذلك في تفسيره لكلمة {عَسْعَسَ} [التكوير: ٧١]: عسعس: أقبل، أدبر: أي أعطى الكلمة وضدها.

8- استعمال المفرد لشرح لفظ غريب في صيغة الجمع:

يوجد ضمن متن الكتاب أمثلة متناثرة من هذا القبيل، حيث يقابل صيغة الجمع بمفردها، ومثال ذلك:

{جِثِيًّا} [مريم: ٨٦]: جمع جاثٍ * {أَجِنَّةٌ} [النجم: ٢٣]: جمع جنين * {وَبُكِيًّا} [مريم: ٨٥]: جمع باكٍ .

وكان العلامة مكي بن أبي طالب يريد أن يقول إن صيغة جمع هذه الألفاظ باتت من الغريب اللغوي، وسرعان ما تنجلي غرابتها بإحالتها إلى شكلها المفرد.

9- المعرفة والنكرة:

في تفسيره للفظة الغريبة بلفظة أخرى، يقابل المعرفة بلفظة معرفة، والنكرة بلفظة نكرة، ومثاله:

{حَدَائِقَ} [النمل: ٦٠]: البساتين * {وَحَدَائِقَ} [عبس: ٣٠]: بساتين * {أَخْدَانٍ} [النساء: ٢٥]: أصدقاء * {أَخْدَانٍ} [المائدة: ٥]: الأصدقاء.

10- الاشتقاق:

أحياناً يفسر مكي بن أبي طالب اللفظة الغريبة بإحدى مشتقاتها، ومثال ذلك:

{وِفَاقًا} [النبأ: ٢٦]: وفقاً * {وَالضَّرَّاءِ} [الأنعام: ٤٢]: الضر * {مِعْشَارَ} [سبأ: ٤٥]: عشر * {فَاكِهُونَ} [يس: ٥٥]: متفكهون.

11- المجاز:

في تفسيره لبعض الكلمات الغريبة استعمل أحياناً المجاز، إلا إنني لاحظت أنه اكتفى في بعضها بمعنى الوضع، ومن أمثلة ذلك:
{الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: ٤١]: لا تلقح السحاب * {الأَيْدِ} [ص: ١٧]: القوة * {الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩]: الموت.

12- الترادف:

من الظواهر اللغوية التي استعملها مكي بن أبي طالب «الترادف» ومن أمثلته:

{الْيَمِّ} [طه: ٣٩]: البحر * {وِجْهَةٌ} [البقرة: ١٤٨]: قبلة * {مِيثَاقَ} [البقرة: ٨٣]: العهد * {هُمَزَةٍ} [الهمزة: ١]: النمام.

خاتمة:
بعد هذه الجولة اللغوية الماتعة بين صفحات كتاب «العمدة في غريب القرآن» لمؤلفه العالم الرباني مكي بن أبي طالب رحمه الله عز وجل يمكن استنتاج واستخلاص العديد من النتائج:

• كتاب العمدة موجه لعامة الناس، وهو يعطي تفسيراً أولياً لألفاظ الغريب في القرآن الكريم، بحسب تصور مكي بن أبي طالب.
• يلاحظ على المؤلف انحيازه للمقاربة اللغوية في تفسيره لغريبه، وتغاضيه عن المقاربات الأخرى، ليس جهلاً منه وإنما مراعاة لطبيعة المتلقي، وهذا يؤيد فرضية أن الكتاب منسوب له حقاً، ولو استدعى مقاربات أخرى لضاعت الغاية من تأليفه أن يكون متاحاً للعامة.
• ما زال هذا الكتاب في حاجة إلى المزيد من البحث العلمي الدقيق، وهذه فرصة للتنقيب حول المخطوطات ذات العلاقة بالكتاب، مما قد يساعد على اكتشاف أسرار جديدة حول الكتاب.