الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وبعد:

يدرك أكثر الناس أهمية الوعظ، والتذكير بالله، والترغيب في الجنة والثواب، والترهيب من النار والعقاب، فلا يخفى عليهم أهميته، وحاجة الناس إليه، وأن له أثراً في حث المسلم على فعل الطاعة وتجنب المعصية.

ما يستدعي التوقف هنا أن أكثر الناس يظنون أن أثر الوعظ قاصر على الجانب المتعلق بالحظوظ والشهوات، فهم يظنون أنه مؤثر في الشخص الذي يقصر في فعل الواجبات أو ترك المحرمات بسبب كسل أو تسويف أو شهوة أو غير ذلك من الدوافع التي تضعف النفس معها فتقصر في جنب الله فيأتي الوعظ محفزاً للنفس مذكراً لها، جازمين أن الوعظ لا يمكن أن ينفع في غير هذه الحالة، كحالة الشبهات والشكوك المتأثرة بالقناعات.

فثم قناعة شائعة عند كثيرٍ من الناس أن القضايا المتعلقة بالشبهات والأشخاص المتأثرين بها لا ينفع معهم الوعظ والتذكير بالله والتخويف من العقاب ونحو ذلك من الأساليب الوعظية، وذلك لأنهم متأثرون بشبهات وأدلة معينة فالتأثير عليهم لا بد أن يكون عبر مناقشة هذه الشبهات وإزالة آثارها، ولا ينفع مع ذلك أي خطابٍ وعظي أو نصح وتذكير.

هذه القناعة فيها جانب صحيح وموضوعي يجب التأكيد عليه، وهو ضرورة إزالة الشبهات والإيرادات والشكوك التي تعترض المسائل والأصول الشرعية، وهذا يتطلب إقامة الأدلة والبراهين الكافية، وإزالة ما يأتي عليها من إلزامات واعتراضات، وذلك كله بالحجة والدليل والإقناع العقلي، ولا يقوم الحق كاملاً مع التقصير في هذا البيان، فالدعوة التي تخاطب الجيل الشبابي المتأثر بالشبهات المعاصرة يجب أن تكون متسلحة بأدوات علمية وفكرية ومنهجية قوية ومقنعة حتى تتمكن من إزالة ما رسب في عقول هؤلاء الشباب وقلوبهم من شكوك وريب بسبب الانفتاح وآثاره.

ما يجب التنبيه عليه هنا أن هذا كله لا يعني أن الوعظ ليس له تأثير هنا، وأن وجود وعظ معين لا ينفع معهم لا يعني أن الوعظ غير مؤثر، فالوعظ مؤثر في النفوس سواء في جانب الشهوات أو الشبهات.

وهنا نسأل: من أين جاء إلى بعض النفوس هذا الوهم بأن الوعظ لا يؤثر في الشبهات العقلية والقناعات الفكرية؟

الجواب أن هذا الوهم سرى إلى النفوس بسبب الغفلة عن إدراك جانبين مهمين في تأثير الشبهات على الإيمان:

الجانب الأول: حقيقة الإيمان:

فالإيمان الذي تؤثر فيه الشبهات هنا ليس جانباً معرفياً محضاً يقوم على علمٍ بقضايا معينة، من فهمها واستوعبها فهو مؤمن، ومن لم يفهمها فليس كذلك، فالإيمان ليس بهذا المعنى، بل الإيمان هو انقياد والتزام، يقوم على علم وعمل، فهو ليس مجرد علمٍ بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم  فقط، بل يجب معه التزام وانقياد، فحين ينطق المسلم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فليس معنى هذا أنه قد علم أن الله هو المعبود وأن محمداً رسول الله، وإنما هو يعلن التزامه بحقيقة هذا العلم، وأنه تابع لله ورسوله، منقاد للأمر والنهي.

فالإيمان يقوم على علمٍ بالحق، وعمل به، وانقياد تام له، وهذا الأمر لا يكفي فيه مجرد العلم المحض، فقد يعلم الشخص الحق ولا يتبعه بسبب كبر أو حسد أو رياء أو حب لدنيا، أو خشية من ضياع مالٍ أو جاه، أو يكون معرضاً غير مبالٍ به، كما قد يكون متعصباً لدينه أو بلده أو بيئته، إلى غير ذلك من الدوافع الكثيرة التي تصد الناس عن الحق.

كما أن الشخص قد يترك الإيمان بسبب غضبٍ أو كسل أو حب لدنيا وغيرها من الأسباب، وقد يتركه لثقل التكليف عليه، وهذا كله يؤكد أن انشراح النفس للإيمان وتسليمها للحق لا يقوم على العلم فقط، وإن كان العلم مؤثراً فيه بلا شك، وهذا يؤكد ضرورة الوعظ والتذكير والترغيب والتخويف الذي يساهم في علاج هذه الأهواء، وتطهير النفس من تلك الأمراض حتى تتزكى النفوس وتقبل الحق وتنقاد إليه.

الجانب الثاني: حقيقة الأفكار المؤثرة:

ثم تصور عند كثير من الناس أن القناعات الفكرية إنما تقوم على الحجة والبرهان والدليل العقلي فقط، وأنها لا تتأثر بغير ذلك، وهذا قصور كبير في الوعي بطبيعة الأفكار وكيفية تأثيرها في أنفس الناس، فقناعات الناس تتأثر بقوة الحجة، وتتأثر أيضاً بعوامل كثيرة أخرى ليست مرتبطة بالدليل والبرهان العقلي، فحسن العرض وقوة الخطاب تؤثر، والقوة الإعلامية مؤثرة، والدعم السياسي والمالي مؤثر، والبيئة وعاداتها مؤثرة، بل وحتى الحالة النفسية للشخص تؤثر، وأسباب كثيرة تؤثر في توسيع مجال عمل الأفكار أو التضييق عليها، ولا تقتصر فقط على الجانب العلمي الموضوعي المحض، وإذا استحضر الشخص هذا علم ضرورة تذكير النفوس بالحق، واستوعب مكانة النصح والترغيب والتخويف في حماية النفس من آثار هذه العوامل غير الموضوعية في تقبل الأفكار.

إذن، الوعي بهاتين الحقيقتين: «حقيقة الإيمان الذي تؤثر فيه الشبهات» و«حقيقة الأفكار في النفوس» يزيل الإشكال عن ثمرة الوعظ في القضايا العلمية والفكرية، فالقول بأن الوعظ غير مؤثر في الأفكار المبنية على قناعات مبني على تصور خاطئ في فهم طبيعة الإيمان، توهم فيه الشخص أن الإيمان يقوم على معلومات لا يمكن أن تتأثر بالوعظ، وهو أيضاً مبني على تصور خاطئ لتأثير الأفكار في النفوس، توهم أنها تقوم على عملية عقلية محضة لا تتأثر بالأهواء والدوافع النفسية.

وحين نقول إن الوعظ نافع ومؤثر فلا نعني بذلك أي وعظ، وإنما الوعظ الحكيم المناسب، الذي يضع الكلمة المقبولة المؤثرة النافعة في موقعها الصحيح، وليس المقصود أن يبادر الشخص بالوعظ في كل قضية فكرية بأي طريقة، فالوعظ أسلوب نافع في القضايا الفكرية إذا كان وعظاً حكيماً، وهذا يتطلب علماً بهذه القضايا، وإدراكاً بمجالات التأثير فيها حتى يستطيع الشخص أن يعظ أصحابها الموعظة الحسنة التي تؤثر فيهم.

فالملحد الذي ينكر وجود الله هو ينازع في ضرورات فطرية يسلم بها الإنسان عادة، لكن بسبب عوامل كثيرة أصبح يعاند هذه الضرورة فيأتي الوعظ المناسب لإحياء هذه الفطرة وإزالة ما تراكم في نفسه فغطى على هذه الضرورة، فتذكيره بعظيم صنع الله الذي يراه بعينه في بديع خلق الله في الإنسان والحيوان، ودعوته للتأمل في ملكوت السماوات والأرض، له أثر عظيم في التأثير عليه، ومن ينكر السنة النبوية بشبهة أن في القرآن كفاية عما سواه حين يذكر بمقام النبوة ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم  وآيات القرآن في طاعته، ويخوف من مغبة تساهله في ذلك؛ سيكون لذلك أثر نافع، ومن يتساهل في الاستدلال بآيات الكتاب ليستدل بها على الأحكام المخالفة للشريعة حين يذكر بخطورة الكلام في دين الله، وأن هذا من الجرأة على رب العالمين؛ قد ينفعه هذا في التحوط والتورع.

وهكذا، ستجد أن الوعظ والتذكير والتخويف أسلوب نافع ومؤثر في القضايا الفكرية، لأنه يذكر النفوس ويزكيها ويبعدها عن حالة الغفلة، ويصونها عن الأهواء والشهوات والأمراض التي تعصف بها، ويحيي فيها الإقبال على الله والصدق في طلب الحق مما هو مظنة الوصول إليه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

يبقى أن كيفية تقديم خطابٍ وعظي مؤثر هنا يتطلب نظراً وتأملاً من الخطاب الشرعي المعاصر، فهذه الشريحة المستهدفة تتطلب مراعاة معينة حتى يكون الوعظ مناسباً لهم، وإذا أحسن تقديم هذا الخطاب فسيكون أثره عظيماً جداً، يزكي نفوسهم لتكون مقبلة على الحق، فالإنسان ضعيف، والأهواء كثيرة، والعوامل المؤثرة متضافرة عليه، فالقول الناصح الذي يعظه ويذكره يقويه على قبول الحق، وتقديم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم  على كل شيء، {وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63].