الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

من نافلة القول: الحديث عن امتلاك الثقافة الغربية المعاصرة لأدوات رهيبة تساعدها في ترسيخ قيمها ونشر مفاهيمها في كافة المجتمعات المعاصرة، فلديها من الأدوات الإعلامية والاقتصادية والسياسية ما يجعل تمدد قيمها والتأثر بمنظومتها الفكرية والسلوكية قسراً على أبناء عصرنا ولو جاء باختيارهم، فالقضية لا تقوم على المنطق الاستدلالي لهذه القيم وإنما على القدرة المهولة لهذه الأدوات، فصاحب الحق الذي يمتلك قناة تخاطب عشرة آلاف مثلاً لا يمكن أن يغلب بتأثيره من يمتلك مئات القنوات التي تخاطب مئات الملايين، فقوة هذه الثقافة على الثقافة الإسلامية في عصرنا هي في فارق الأدوات والإمكانات.

هذا توصيف لواقع الصراع مع أصول هذه الثقافة المخالفة للإسلام، ولا يؤثر بطبيعة الحال في واجب بذل الوسع قدر الطاقة، إنما الذي نريد أن نلج إليه من هذا المدخل هو أن من يتمسك بأصول الإسلام ويدعو إلى تحكيم شريعة الله لديه مصدر قوي وعظيم التأثير يساعده في النجاح وتحقيق المراد وهو: عمق الإسلام في المجتمعات الإسلامية، فهذا الدين ليس أمراً سطحياً في وعي المسلمين، بل هو متجذر فيه من قرون طويلة، نشأت فيها عشرات الأجيال على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وحُكم شرع الله في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأقيمت بينهم الشعائر والواجبات، وحفظت النصوص والآثار، فكل هذا جعل حضور الدين قوياً وعميقاً في هذه المجتمعات، فهو ليس حديث النشأة، أو مستنداً إلى ظروف وعوامل ضعيفة.

الوعي بهذه الحقيقة هو الذي يفسر لك شدة تأثر الناس بالموعظة أو الفتوى أو النصيحة أو تلاوة آية أو حديث، فالقضية لا تعتمد على قوة الخطيب وفقه العالم وحسن المتحدث، بل هي متعلقة بأمر عظيم جداً في نفوس الناس، هو هذا الدين العظيم، بما جعل أثره كبيراً ولو كانت الأدوات في إيصال الكلام متواضعة.

إن الداعية إلى الخير حين ينقض باطلاً أو يصحح مفهوماً أو يبين غلطاً يتعلق بموقف الثقافة الغربية من أصول الإسلام فإن حديثه سيكون عظيم التأثير وعميق النفع، ليس لأن مهاراته عالية وتقف معه أدوات إعلامية كبيرة، بل لأنه يعمل في بيئة إسلامية تحمل في عمقها تقديراً كبيراً لهذه الأصول التي يرسخها، بما يسهل من واجب البيان والنصح.

ستدرك هذا أكثر حين تتأمل حركة التيارات الفكرية المعاصرة المعادية لأصول الإسلام، والتي ترفض قطعيات الشريعة، أو تنكر مرجعية الوحي، ومع هذا الموقف العقدي الواضح فيها لا تجرؤ على الصدع بذلك في المجتمع المسلم، بل تضطر إلى الغمغمة حين تتكلم عن أصول الإسلام، بل ولجأ الكثير منهم إلى البحث عن طريقة مناسبة لكيفية تمرير مصادمة الإسلام من خلال الإسلام نفسه، وتحركت بسببه كثير من القراءات المعاصرة لإعادة قراءة التراث وإعادة تفسيره بما يخرجه عن حقيقته.

لم حدث هذا؟

الجواب بكل وضوح بسبب إدراكهم لعمق الدين في نفوس الناس، وأن صدامهم لقيم الوحي وقطعيات الشرع في هذه المجتمعات نتيجته الفشل الذريع مهما امتلكوا من ذلاقة لسان وحسن بيان وقوة منطق، ولهذا اضطروا لسلوك طريق النفاق والخداع تحاشياً من كارثية الصدام الصريح.

وهذا يعني أن من يدعو إلى التمسك بأصول الإسلام فإنه قادر على التأثير أضعاف ما يقدر عليه من يدعو إلى مصادمته.

الوعي بمثل هذا يعيد ترتيب مشهد الصراع بين الحق والباطل في وعي الناس، ويبعث الفأل في نفوسهم، فلئن امتلك أهل الباطل من القوة المادية والإعلامية ما لا يملك غيرهم عشر معشاره، ففي المقابل نمتلك من قوة التأثير بسبب قوة الإسلام وعمقه في نفوس الناس ما لا يملكون منه شيئاً، بل هو مانع كبير من تمدد تأثيرهم.

وهذا يحتم ضرورة العناية بأصل التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، بأن يذكر المسلمون جميعاً بهذه القاعدة القرآنية العظيمة، أن يسمع المسلم لله ورسوله، وينقاد للأوامر والنواهي، ولا يعارض الوحي بما يتوهم أنه عقل أو مصلحة أو علم، ويكون عظيم الاقتناع بأن ما جاء في الوحي هو الحق والعدل والعقل، وهو النور والهدى والشفاء، وهو ما يحقق مصلحة الناس في دينهم ودنياهم.

هذا الأصل العظيم هو أعظم الضمانات الحافظة لدين الناس، والتي تصونهم عن تأثير الشبهات وتمدد الانحرافات من كافة التيارات الفكرية.

وهذه العناية بهذا الأصل يجب أن تكون عناية واعية، فمع أهمية التذكير والنصح والتأكيد على هذا الأصل، فيجب ضبط المفهوم بعدل وفقه، فلا يزاد فيه ما ليس منه فيضيق على الاجتهاد المعتبر، ويشدد على الخلاف السائغ، ولا يفرط فيه فلا يبقى له ذلك الأثر، ولا يجوز أن يكون سبباً للخلاف والافتراق، وإنما يوضح المفهوم، ويشرح حدوده، ويبين كيفية تأثير هذه القاعدة على تلقي الأفكار، واعتناق المفاهيم، وكيف تحافظ على أصول دين المسلم بمسلك عقلاني موضوعي مستند إلى الدليل والبرهان.

إن الدعوة إلى التسليم والانقياد لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم  أمر يتجاوز مجرد الرد على شبهة معينة، أو تصحيح فهم محدد، أو تقويم انحراف جزئي، إلى تأسيس منهج عميق يضبط تفكير المسلم وكيفية تعاطيه مع الأفكار والاتجاهات، حتى يكون منهجاً علمياً وعملياً يميز من خلاله المسلم بين ما في هذه الأفكار من حق ونفع فيقبلها وينتفع به، وما فيها من باطل وانحراف فيرفضه.

كما أن هذه القاعدة تضبط انفعالات الإنسان، فتحميه من أثر المتغيرات على قبول الحق، فيكون في منعة من عبث الأهواء بالإنسان من حيث لا يشعر فيترك الحق، أو يعرض عنه، أو يقلب الحق باطلاً بسبب عوامل غير صحيحة شعر بذلك أم لم يشعر.

تأمل في جواب المسلمين الذين أثنى الله عليهم لما أعملوا بحق قاعدة التسليم: {وَلَـمَّا رَأَى الْـمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: ٢٢]، وكيف أن الشدة والعوامل الصعبة والظروف المحفزة إلى الانحراف انقلبت عوامل مسببة لزيادة الإيمان والتسليم.

وهكذا يجب أن يكون منهج المسلم السائر إلى مرضاة ربه، ينقاد لشرعه، ولا تزيده الشبهات ولا تحديات الواقع، ولا إمكانات الخصوم وقواهم إلا إيماناً وتسليماً.

هذه القاعدة العميقة في نفوس المسلمين: التسليم لله ورسوله، هي المصدر الأعظم للتأثير لأي دعوة تستند إلى الدين، فهي تمتلك سبباً يجعل أثرها عظيماً ونفعها كبيراً مهما كانت الأدوات متواضعة والإمكانيات يسيرة.