الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

«لقد تجاوزكم الزمان»، «لم يعد هذا الخطاب صالحاً لعصرنا»، «هذا أسلوب قديم، ولم يعد يقبله أحد»... هذه نماذج من عشرات الأساليب المشابهة التي تتكرر في الفضاء الإعلامي، تأتي كثيراً في سياق التحقير والتسخيف لأي خطاب يدعو إلى شيء من أحكام الشريعة، ووصفه بأنه لم يعد مقبولاً عند صاحب هذا الخطاب، فيأتي بمثل هذه الكلمات للتعبير عن رفضه لهذا المعنى بسبب أنه معنى يرفضه كثير من الناس.

لم تقتصر هذه الطريقة التبخيسية على موضوعات تتأثر بالقدم والجدة، بل تجاوزت ذلك إلى الدعوة إلى الأحكام الشرعية نفسها، فأصبحت توجه لكل مصلح يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو يدعو إلى الخير.

وهو خطاب يسعى إلى تثبيط عزائم المصلحين وكسر حماستهم بتوصيف المضمون الشرعي الذي يحملونه بأنه لم يعد صالحاً، وأنه قديم لم يعد جذاباً، فليسوا بحاجة إلى تكبد عناء مناقشة مثل ذلك لأنه لم يعد له ذاك التأثير.

ما يجهله أصحاب هذه اللغة التحقيرية أن التدين وتعظيم الشرع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس موجة يركبها المسلم في حال إقبال الناس عليها، ويتخلى عنها سريعاً ساعة ما ينفضوا عنها، فالخطاب بطريقة «هذا قديم، لم يعد يقول به أحد، تركه الناس... إلخ» إنما ينفع مع الأفكار والسلوكيات التي تتغير بالعادات المتقلبة أو المرتبطة بالتطور التقني أو العلمي مثلاً، أو بالمعتقدات الهزيلة التي لا تقوم على برهان كافٍ وإنما خضعت لضغط مرحلة معينة، فهذا هو مجال تأثير هذا الخطاب التبخيسي. أما ما يعتقده المسلم ديانة لله، ويرى أنه من شريعة رب العالمين، ويستند في التمسك به إلى نصوص محكمة وقواعد ثابتة وتاريخ تشريعي، فإن هذه مبادئ عميقة لا يمكن أن تهتز بمجرد أن تمارس معها مثل هذه اللغة التحقيرية، فمن العبث ومضيعة الوقت الحديث مع أصحاب المبادئ بمثل هذه الطريقة.

إن الحكم الشرعي يعتمد في قوته على كونه مستمداً من دليل الكتاب والسنة، لن يؤثر على قيمة الحكم عمل الناس أو تركهم له، إنما يشرف الناس ويعظم قدرهم بقدر تمسكهم بهدي الوحي والتزامهم بأحكامه، فتسمو أخلاقهم ويشرف قدرهم وتزكى نفوسهم بقدر هذا الاتباع، وأما الحكم المستمد من الوحي فلا يضعف بترك الناس له ولا يقوى بالتزامهم به، إنما الضعف والقوة يأتيان على الناس أنفسهم: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108].

ما لا يدركه أصحاب هذا الخطاب أن العاملين للإسلام والدعاة إلى تطبيق أحكامه واعون جداً بهذه الحقيقة القرآنية، فهم مدركون أن الدعوة لأحكام الشرع واجب شرعي يرجون به ثواب الله والدرجات العليا، فالأصل أن لا يفت في عضدهم مشاعر أحد من الناس تجاه هذه الأحكام، فلن يتحول الواجب الشرعي ليكون مستحباً أو مباحاً أو محرماً لمجرد أن فئة من الناس لم تعد تقبل به، ولن تتغير حدود الشريعة لمجرد أن طائفة أصبحت تفكر بشكل مختلف وترى مثل هذه الحدود غير صالحة لزمانها.

نعم، لا شك أن نفور الناس من بعض الأحكام الشرعية في زمانٍ أو مكانٍ ما سيصعب مهمة الداعية، وسيزيد العبء عليه، لكن هذا سيكون دافعاً له للصبر على الدعوة، والاحتساب في طريق ما يلقى في سبيلها من أذى أو ضرر، وليس أن يغير الحكم نفسه أو يتخلى عنه، فالنفور هذا إن وقع حقاً فالمنهج الشرعي في التعامل معه واضح جداً عند الدعاة والعلماء، وهو الصبر عليه والدعوة إلى تصحيح أفكار أولئك الناس وسلوكهم برفق وحكمة، فنفور الناس مؤثر يفرض أهمية الصبر على الأحكام لا تغيير الأحكام لتكون موافقة للأهواء والأمزجة.

تجد في كتاب الله الأمر بالصبر: {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ٣]، وقد أوصى الله بالصبر أحب خلقه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127]، فالصبر في طريق الدعوة سنة شرعية لا بد منها، وهو خيار الدعاة في حال وجود مثل هذا النفور من الناس، فصاحب هذا الخطاب لا يفقه أنه حين يقول: «لم يعد هذا الكلام مقبولاً» في حكم شرعي يُدعى إليه فإن الداعية سيترجم هذا المعنى في قلبه: «اصبر، والزم الصبر، ولا تتخلى عن أي حكمٍ شرعي بسبب هذا».

بل إن في الشريعة ثناءً خاصاً على من يتمسك بالأحكام الشريعة في حال النفور الشديد عنها، بحيث لا يبقى المتمسك بالشرع إلا في قلة قليلة توافقه، فيشعر بكونه غريباً بين الناس، كما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء»، فحتى لو وصل حال المسلم إلى أن يكون غريباً لا يوافقه إلا القلة أو لا يوافقه أحد في التمسك بحكم شرعي في مكانٍ ما فإن هذا لا يزيده إلا أجراً ورفعة، فمثل هذه الغربة التي هي مثبط عظيم تتحول إلى محفز كبير للتمسك بأحكام الشرع ومقوٍ عميق للصبر عليه.

هذا كله على التسليم بحقيقة أن الناس في نفور شديد ورفض لبعض الأحكام الشرعية، فلو حصل هذا كله ووقع حقيقة لما كان له أي أثر، فتبقى مثل هذه الطريقة في التعامل مع أي دعوةٍ لتطبيق حكمٍ أو التسليم بنصٍ أو الإيمان بشرعٍ طريقةً عبثية لا معنى لها، وأسلوباً بالياً لا قيمة له، فهي من جنس الاستهزاء والسخرية التي لم يسلم منها أنبياء الله ورسله، ولن يسلم منها أي مصلح يريد الخير لمجتمعه وأمته.

ربما يقال هنا: إن المقصود ليس الأحكام الشرعية نفسها، وإنما تفسير معين لها، أو رأي فئة معينة من الناس.

والجواب: أن هذا بالضبط ما نسعى لأن نقرره هنا، وهو أن يكون البحث متعلقاً بالنظر في الحكم محل الخلاف والنزاع، بأن يدار النظر في أدلته وبراهينه ليعرف هل هي من الأحكام الشرعية القطعية أم الظنية أم الاجتهادية، أم ليس من أحكام الشرع، فهذا هو الطريق الصحيح الذي يجب أن يسير عليه الجميع، وليس طريقة التزهيد والاستخفاف والاحتقار التي لا ثمرة منها، وهي من السخرية والاستهزاء المذموم، فالهروب من محل العلم والبحث إلى التحقير والاستخفاف قصور في العقل والعلم، ويلجأ إليه بعض المنحرفين في مواجهة أحكام شرعية صريحة إعراضاً أو عجزاً أو مخادعة للناس.

هذا كله لبيان المنهج الشرعي في حال وجود نفور حقيقي من بعض أحكام الشريعة، وأن هذا تحدٍ حقيقي يفرض أهمية الصبر على الحكم، والاجتهاد في دعوة الناس والترفق بهم وسلوك الحكمة في ذلك، فلو كان واقع المسلمين كذلك فهذا يفرض مزيد تمسك بأحكام الشرع ويزداد به أجر الصابرين عليه.

غير أن الواقع بحمد الله ليس كذلك، فالخطاب الذي يتحدث عن ضعف التدين ونفور الناس منه وعدم قبولهم له هو خطاب يتحدث عما يرغب صاحبه أن يكون واقع الناس عليه وما يرجو أن يكون الحال عليه، فهو خطاب تمني لا خطاب توصيف حقيقي للواقع، بل واقع الناس في المجتمعات المسلمة اليوم كاشف عن إقبال كبير على الخير، وحرص على الطاعة، وإصلاح لكثير من صور الخلل والانحراف.

يكفي لإدراك حقيقة عمق التدين في نفوس الناس ملاحظة حالة التلبيس والتدليس عند ذوي الخطابات الفكرية المنحرفة في حرصهم الشديد على تمرير أفكارهم المنحرفة من خلال بوابة الدليل الشرعي، وتحاشيهم عن التعرض للشرع وأصوله وأحكامه، خشية من نفور الناس، ولتجربتهم التي علمتهم أن لا مكان في نفوس الناس لمن يحارب دينهم ومن يجاهر برفض شعائره.

فمثل هذا الخطاب الذي يروج لانحسار التدين، وأنه موجة من الموجات التي ستعبر كما عبر غيرها لا يفقه ثلاثة أمور مركزية:

الأمر الأول: حقيقة التدين وأنه مبدأ عميق لا يتأثر بمثل هذه الخطابات التثبيطية الفارغة.

الأمر الثاني: أنه لو صح هذا الانحسار فهو توصيف واقع لا يؤثر في الواجب الشرعي الملقى على عاتق كل مسلم ومسلمة من وجوب التمسك بالشرع والدعوة إليه، فلا معنى للتأكيد على وصف لا أثر له.

الأمر الثالث: أن واقع حال المسلمين يكذب هذه الدعوى، فالتمسك بأحكام الشريعة وتعظيم السنة والالتزام بالطاعة والتحفظ عن المنكرات من الأمور الظاهرة البينة التي تزداد حضوراً وعمقاً.

ورابع حسن جميل: وهو أن مكانة المسلم عند ربه على حسب ما يقدم من أعمال صالحة، فصلاح الناس أو فسادهم ليس مؤثراً على درجته عند الله ما دام أنه قائم بحق الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحين يستحضر المسلم أن صلاح الناس لن يزيد في درجاته، وأن فسادهم لن ينقص منها، فإنه سيحرص على الجانب العملي الذي هو محل رفعة الدرجات، وحينئذٍ لن يتأثر بمثل هذا التثبيط ولن يلتفت إليه.