تمرُ إيرانُ حالياً بأحداثٍ متتاليةٍ سيكونُ لها تأثيرٌ كبيرٌ على إيرانَ الجديدةِ التي دخلتْ في مخاضٍ جديدٍ، ولذلك فمن المهمِ أن نتلمسَ ملامحَ المولودِ الجديدِ ونحاولَ معرفةَ خلائطِ نسبِه القريبةِ والبعيدةِ. وإنه من المفيدِ أن نذكرَ القارئَ الكريمَ أن مجلةَ البيانِ قد استبقتْ الأحداثَ الحاليةَ بملفٍ حولَ إيرانَ يبينُ أنها كيانٌ رخوٌ قابلٌ لإعادةِ التشكيلِ، ولذا فمن المهمِ إعادةُ قراءتِه والبناءُ عليه، وفي هذه العجالةِ سنذكِّرُ بمقدمةِ الملفِ ونبني عليها فنقولُ وباللهِ التوفيقُ:

«لقد مرتْ إيرانُ بفتراتٍ متبادلةٍ من القوةِ والتمددِ تعقبُها فتراتٌ من الضمورِ والانحلالِ منذُ أيامِ الإسكندرِ المقدونيِّ والصراعِ مع الرومِ والفتحِ الإسلاميِّ، إلا إن الفتحَ الإسلاميَّ كان الضربةَ القاصمةَ للدولةِ الفارسيةِ، حيثُ دخلَ الفرسُ بعامةٍ في الإسلامِ رغبةً ومحبةً، ولكن الكثيرَ ممن لم يتقبلوا الإسلامَ أظهروا الدخولَ فيه وأبطنوا الكفرَ وكانوا وقوداً لكثيرٍ من الأحداثِ والفتنِ، واجتمعَ فيهم كراهيةٌ شديدةٌ للعربِ وادعاءُ محبةِ آلِ البيتِ لتكونَ جُنةً وغطاءً.

 وبدأَ مشروعُ الفرسِ الكبيرِ بتصفيةِ الوجودِ العربيِّ من خرسانَ على يدِ أبي مسلمٍ الخرسانيِّ أيامَ ثورةِ العباسيين، والمرحلةُ الثانيةُ كانتْ تصفيةَ الوجودِ السنيِّ بين الفرسِ أيامَ الدولةِ الصفويةِ التي رفعتْ شعارَ التشيعِ الفارسيِّ الشعوبيِّ وتمددتْ في بلادِ الأفغانِ والعراقِ، إلا إن سقوطَها كان حتمياً لأنها جمعتْ بين تشيعٍ غالٍ وقوميةٍ فارسيةٍ، فتخبطتْ في المحيط السنيِ الأعجميِّ وفشلتْ في التعاملِ مع العربِ حتى الشيعةِ منهم، ولم ينفعْها تحالفُها الإستراتيجيُّ مع الغربِ الصليبيِّ.

ومن الغريبِ أن التاريخَ يعيدُ نفسَه بالضبطِ، فإيرانُ الحاليةُ استنساخٌ للحقبةِ الصفويةِ بتمددِها في المحيطِ تحتَ المظلةِ الصليبيةِ الشرقيةِ والغربيةِ، ولا يخفى أن النهايةَ ستكونُ نفسَها أو أسوأَ، لأن ما يجري مواجهةٌ غربيةٌ للسنةِ، والشيعةُ مجردُ أداةٍ رخيصةٍ ستدوسُهم الأقدامُ عاجلاً أو آجلاً».

هذه كانتْ المقدمةَ، ويفهمُ منها أن إيرانَ مركزٌ لحضارةٍ قديمةٍ كانتْ تمثلُها الدولةُ الساسانيةُ التي دخلتْ في حلبةِ الصراعِ الدوليِّ مبكراً، ومما يلفتُ الانتباهَ أن التمددَ الفارسيَّ جهةَ الشرقِ تمَّ بتحالفٍ مع سبيِ بابلَ من اليهودِ الذين عادوا إلى فلسطينَ، ولمن لا يعرفُ فإن الفكرَ اليهوديَّ الحاليَّ قائمٌ في معظمِه على التلمودِ والتعاليمِ اليهوديةِ التي كتبتْ في بابلَ أثناءَ فترةِ السبيِّ وقد تكونُ العلاقةُ القديمةُ بين الفرسِ واليهودِ سبباً في التشابهِ الكبيرِ بين الشخصيتين اليهوديةِ والرافضيةِ القائمةِ على المظلوميةِ والإحساسِ بالاضطهادِ وكراهيةِ الآخرين لهم.

نعودُ إلى إيرانَ التي وقعتْ منذ القرنِ التاسعَ عشرَ الميلاديِّ إلى الآن تحتَ تأثيرِ التنافسِ بين الدولِ الاستعماريةِ، فمن ناحيةٍ كانتْ روسيا القيصريةُ ومن بعدِها الاتحادُ السوفيتيُّ وأخيراً روسيا الاتحاديةُ تنظرُ لإيرانَ على أنها معبرٌ مهمٌ للوصولِ إلى الشواطئِ الدافئةِ، ولذا حرصوا تحتَ جميعِ الظروفِ على علاقاتٍ قويةٍ بل ونفوذٍ قويٍّ يصلُ أحياناً إلى احتلالٍ مؤقتٍ أو إقامةٍ كياناتٍ مواليةٍ لها، وأما الغربُ فينظرُ لإيرانَ على أنها دولةُ أقليةٍ في العالمِ الإسلاميِّ، ولذا فهي حيويةٌ في الصراعِ القائمِ مع السنةِ بالإضافةِ إلى كونِها حاجزاً أمامَ الحلمِ الروسيِّ، ومن هنا نفهمُ حرصَ الغربِ على تحقيقِ أمرين مهمين في آنٍ واحدٍ: أن تكونَ إيرانُ قويةً، وتابعةً لهم. ومن هنا نفهمُ دوراتِ التغييرِ في إيرانَ التي هي نتيجةٌ مباشرةٌ لصعوبةِ الجمعِ بين التبعيةِ والقوةِ، فكلُّ حاكمٍ لإيرانَ أياً كانت وسيلةُ وصولِه للسلطةِ كانَ يلعبُ على أوراقِ التنافسِ على إيرانَ بين الروسِ والغربِ، ففي بدايةِ القرنِ العشرين كانتْ إيرانُ تحتَ حكمِ القاجاريين الذين يحاولون اتباعَ سياسةٍ متوازنةٍ في العلاقةِ مع الروسِ والإنجليزِ، بل وحاولوا إدخالَ أمريكا لتخفيفِ ضغطِ الإنجليزِ الذين طغى نفوذُهم في تلك الفترةِ، وقد توجتْ بريطانيا انتصارَها في الحربِ العالميةِ الأولى بدعمِ وصولِ قائدِ القوزاقِ رضا بهلوي للحكمِ، وهو النسخةُ الإيرانيةُ لأتاتوركْ، وقامَ الإنجليزُ بمنحِه فرصةَ السيطرةِ على المحمرةِ والسيطرةِ على منابعِ النفطِ على شاطئِ الخليجِ الشرقيِّ، وكان سقوطُه بسببِ أن إحساسَه بالقوةِ جعلَه يتخذُ موقفاً محايداً، أو لنقلْ أقربَ للألمانِ أثناءَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وتمِّ عزلُه بعدَ تدخلٍ إنجليزيٍّ روسيٍّ مشتركٍ عامَ 1941م، وتمَّ تنصيبُ ابنِه محمدْ بدلاً عنه، وبعد الحربِ دخلتْ إيرانُ تحتَ تأثيرِ الحربِ الباردةِ، وحاولَ الروسُ إنشاءَ دويلةٍ شيوعيةٍ في مناطقِ الأكرادِ، ما دفعَ النظامَ للتقاربِ مع الغربِ الذي أصبحَ يمثلُه أمريكا التي رأتْ في دعمِ إيرانَ خياراً إستراتيجياً لحصارِ الاتحادِ السوفيتيِّ، ولأن محمد رضا بهلوي صغيرُ السنِ وأسرتَه ليست لها جذورٌ في الطبقةِ الحاكمةِ فقد أدى ذلك إلى ظهورِ قوًى داخليةٍ تحاولُ الخروجَ من التبعيةِ، وكان رئيسُ الوزراءِ «مصدقْ» تتويجاً لها، ولما كانتْ حركتٌه سياسيةً ديمقراطيةً فقد عالجتْها أمريكا بانقلابٍ عسكريٍّ أطاحَ بمصدقْ وأعادَ الشاهَ محمدْ إلى الحكمِ الذي مثلَّ دورَ التابعِ أو الوكيلِ لأمريكا في مشاريعِها في المنطقةِ، ومع مرورِ السنواتِ تمرسَ في الحكمِ واكتسبَ ما يرى أنه يؤهلُه للعبِ دورِ الزعيمِ الحقيقيِّ، كما تمددتْ إيرانُ في عهدِ أبيه إلى سواحلِ الخليجِ، فقد استكملَ السيطرةَ على مضيقِ هرمزَ باحتلالِ جزرِ طنب وأبوموسى، وتزايدَ العنصرُ الفارسيُّ على جانبي الخليجِ وطفتْ قضيةُ الشيعةِ في البحرين، وبدأَ مشروعُ بناءِ الكيانِ الشيعيِّ في لبنانَ على يدِ موسى الصدرِ، وكان إحساسُه بالقوةِ ومظاهرُ العظمةِ في احتفالاتِ مرورِ ألفي عامٍ على الإمبراطوريةِ الساسانيةِ يوحي بنزعةِ توسعٍ تخرجُ عن السيطرةِ، ولذا بدأَ العدُّ التنازليُّ لإسقاطِه، ولما كانتْ المعارضةُ المنظمةُ في مجملِها يساريةً فقد تمَّ التواصلُ مع الخمينيِّ ودعمُه بوصفِه واجهةً دينيةً للمعارضةِ، وكانتْ فرصةً لم يضيعْها فبدأَ نشاطَه من مكانِ لجوئه في العراقِ، ومع تزايدِ زخمِ المعارضةِ قامَ العراقُ بارتكابِ خطأٍ تاريخيٍّ بإبعادِ الخمينيِّ الذي ذهبَ إلى فرنسا حيثُ واصلَ نشاطَه. وهنا نتساءلُ لماذا لم يستطعْ العراقُ وقفَ نشاطِه أو تسليمَه للشاهْ؟ وهل كان الخمينيُّ في ذلك الوقتِ خياراً مثالياً للغربِ؟ أليس هو الذي يلبسُ عمامةً ولكنها مختلفةٌ عن الآخرين فلم تكنْ له شعبيةٌ أو نفوذٌ يذكرُ لتبنيه فكرةَ ولايةِ الفقيهِ المرفوضةِ من عامةِ المراجعِ الشيعيةِ، وكانتْ رتبةُ آيةِ اللهِ أعطيتْ له لحمايتِه من الإعدامِ على يدِ الشاه الذي اكتفى بنفيِه إلى العراقِ، وهنا نلاحظُ أن المحيطين به والمسؤولين بدايةَ الثورةِ كلَّهم كانوا خارجَ التيارِ الدينيِّ، بل كانتْ أدواتُه بالشارعِ «مجاهدي خلق»، وأما الواجهةُ السياسيةُ فيمثلُهم مناصرو مصدقْ ووطنيون وطائفةٌ من المبتعثين أصحابِ التوجهِ الدينيِّ، ومنهم مثلاً رئيسُ الجمهوريةِ بني صدرْ، ورئيسُ الوزراءِ مهدي بازركان، ووزيرُ الخارجيةِ صادقْ قطبْ زادةْ، ويلاحظُ أيضاً أن الجيشَ الخاضعَ للنفوذِ الأمريكيِّ وقفَ على الحيادِ حتى غادرَ الشاهْ وتولتْ السلطةَ حكومةٌ مؤقتةٌ حتى وصلَ الخمينيُّ إلى طهرانَ على متنِ طائرةٍ فرنسيةٍ خاصةٍ، والذي يهمُّنا أن الخمينيَّ كانَ أكثرَ دهاءً فسايرَ أمريكا في الحربِ على العراقِ التي وجدَها فرصةً للتوسعِ ولإشغالِ جيشِ الشاهْ وإضعافِه وإنشاءِ هياكلَ عسكريةٍ مواليةٍ له باسمِ الحرسِ الثوريِّ والبسيجِ، وفي الداخلِ تمَّ فرضُ ولايةِ الفقيهِ وكان نصيبُ الرموزِ الدينيةِ المعارضةِ للشاهْ - والتي لم تقبلْ ولايةَ الفقيهِ - التهميشَ بل والإقامةَ الجبريةَ، مثل شريعتْ مداريْ، وبعدَ فترةٍ من نشوةِ انتصارِ الثورةِ وحريةِ نشاطٍ مؤقتةٍ حتى لحزبِ تودةْ الشيوعيِّ عادَ وبطشَ بالتدرجِ بكلِّ من ساعدَه، واصطدمَ بـ«مجاهدي خلقْ» وأبادَهم، وتمتْ تصفيةُ واجهاتِ الثورةِ الأولى، ولم يسمحْ بالعملِ السياسيِّ إلا لمن يتبنى ولايةَ الفقيهِ، وقامَ النظامُ على مرشدٍ أعلى مقدسٍ وجناحين محافظٍ وإصلاحيٍّ، مما يعني تداولَ السلطةِ، ولكن داخلَ إطارٍ واحدٍ مختلفٍ في النكهةِ. يخطئُ من يظنُ أن التنسيقَ الأمريكيَّ مع إيرانَ قد انقطعَ طوالَ الفترةِ الماضيةِ، فـ«إيرانْ - جيتْ» علامةٌ، وعندما فشلتْ إيرانُ في الحربِ مع العراقِ قامتْ أمريكا بدورٍ مباشرٍ في تمهيدِ الطريقِ للتمددِ الإيرانيِّ شرقاً، وأخيراً اضطرتْ أمريكا لكشفِ العلاقةِ علناً عن طريقِ الاتفاقِ النوويِّ والتغطيةِ على التمددِ الشيعيِّ في المنطقةِ، ولكنَّ فشلَ النظامِ الإيرانيِّ الثانيَ كانَ في تنفيذِ مهمتِه في سوريا، وتعقدََ الوضعِ أكثرَ مع تغلغلِ الأصابعِ الروسيةِ في المنطقةِ وميلِ النظامِ الإيرانيِّ لمزيدٍ من التنسيقِ مع الروسِ ووصولِ العلاقةِ إلى مستوًى خطرٍ جعلَ أمريكا تدقُ ناقوسَ الخطرِ وتحاولُ إعادةَ إيرانَ إلى الجادةِ من جديدٍ.

إن ما يجري حالياً من اضطراباتٍ مرشحةٍ للتصاعدِ العاموديِّ والأفقيِّ لا شكَ أن له أسبابَه الداخليةَ، ولكن الأصابعَ الخارجيةَ لا تكادُ تخطئُها العينُ، ومع ذلك لنركزْ على الأسبابِ الداخليةِ وما يمكنُ أن تؤولَ إليه الأمورُ. كما ذكرنا سابقاً فإن السلطةَ تُتَداولُ بين تيارين متنافسين داخلَ إطارِ النظامِ، والمرجعيةُ للجميعِ هي مجلسُ تشخيصِ مصلحةِ النظامِ والمرشدُ الأعلى، والمشكلةُ المتفاقمةُ جزءٌ كبيرٌ منها بسببِ وصولِ التنافسِ إلى داخلِ المجلسِ وتدهورِ مكانةِ المرشدِ ودخولِه طرفاً مباشراً في الصراعِ، ما أدى إلى خروجِ التنافسِ عن السيطرةِ ونزولِه للشارعِ كما في مظاهراتِ 2009م، ولكن الجديدَ في المظاهراتِ الحاليةِ أنها دخلتْ فيها عواملُ متعددةٌ منها الفسادُ الماليُّ الكبيرُ، وانهيارُ مؤسساتٍ ماليةٍ يديرُها سياسيون متنفذون، وتذمرٌ من الأوضاع الاقتصاديةِ استغلَه التيارُ المحافظُ لإحراجِ الحكومةِ، فقد بدأتْ المظاهراتُ في مدنٍ فارسيةٍ يسيطرُ عليها المحافظون وكان الخطباءُ المحسوبون عليهم يهاجمون الأداءَ الاقتصاديَّ، ولكن الجديدَّ أن الشعاراتِ المرفوعةَ تجاوزتْ المزايداتِ بين أطرافِ النظامِ إلى استهدافِ رأسِ النظامِ ونظريتَه وسياساتَه الخارجيةَ في سوريا ولبنانَ واليمنِ والمطالبةَ بالانكفاءِ على الداخلِ، وتكاثرتْ الشعاراتُ وتعدتْ أمريكا والكيانَ الصهيونيَّ إلى روسيا ودولِ الجوارِ، ما يعني كثرةَ الأصابعِ، والذي نتوقعُه أن النظامَ سيهتزُ وقد يكونُ غيابُ خامنئي المريضِ عاملاً في تغيراتٍ جذريةٍ قد تغيرُ وجهَ النظامِ تماماً، ولكن تبقى إيرانُ قوةً يحاولُ الغربُ التحكمَ بها وتوظيفَها لمخططاتِه.. فما هي المهمةُ الجديدةُ لإيرانَ الجديدةِ؟! نسألُ اللهَ أن يلطفَ بالأمةِ ويحميَ باكستانَ!