الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

الأمم كالأفراد، تصاب بالعلل الموجعة، والأمراض الفتاكة، وكما أن الفرد المريض يبحث عن العلاج في مظانه من دور الصحة، ومراكز العلاج، وأندية التأهيل وتقوية الجسد، ولا يضيع وقته بين الملاهي والملاعب التي قد تمتع دونما جدوى، فكذلك الأمم حين تتحرك نحو الإصلاح والتنمية والنهوض، إذ يجب عليها أن تحسن المنطلق، حتى تجني الثمرة، ولا تجد نفسها مرة أخرى أسيرة في الوحل.

ولن تنجو أمة من عللها إلا بإصلاح نظام تعليمها من جميع نواحيه، والالتفات إلى العلم بمعناه العريض، كي تخرج بمجموعها من دائرة الجهل والغفلة، إلى نور العلم والوعي، وحينها ستبصر الطريق للعزة والعلياء لاحباً، ولن ينقصها إلا المضي فيه بقوة وعزيمة، وتوكل صادق.

ولأن العلم بلغ هذه المكانة العالية، فقد كان التعليم من أجل مهمات النبوة التي أداها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى في ثاني آيات سورة الجمعة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: ٢]، وقد ظلَّ النبي عليه الصلاة والسلام طوال دعوته معلماً لصحابته، ولأمته من بعدهم حتى قيام الساعة.

ولأهمية العلم والتعليم، وردت أحاديث نبوية كثيرة في الحث عليه، والترغيب فيه، وجعله واجباً على كل مسلم ومسلمة. ولم تكتف النصوص الشريفة بذلك؛ بل رغبت في سلوك طريقه حيث تبسط ملائكة الرحمن أجنحتها للسائر في دروب العلم، والمجتهد في محافله، رضًا بما يصنع، فخيره غير مقتصر عليه، بل يمتد إلى أزمان بعيدة، وأماكن قصية، وأعداد من المكلفين كثيرة.

ومن بركة العلم والتعليم أنه أحد ثلاثة أعمال تبقى للعبد المؤمن بعد وفاته ومفارقته الدنيا، حيث تنقطع أعمال أكثر الناس، ولا يبقى إلا دعاء الصالحين من الأولاد، والأجر المستمر من الصدقات الجارية، وحسنات العلم الذي ينتفع به، وهذا أعظم حافز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويخاف يوماً عبوساً قمطريراً.

والعلم والتعليم قسيم النفرة للجهاد في سبيل الله، ذروة سنام الإسلام، وأحد أهم أعماله وقرباته، ولا شك أن هذه المكانة العلية للعلم والتعليم والتفقه في دين الله لتؤكد على أن التعليم ركيزة أساسية في بقاء الأمة، وقوتها، ونهضتها، وأنه طريق للتوسع، وسبيل للمقاومة، تماماً كما الجهاد بالسنان، يكون الجهاد بالعلم، والقلم، والبيان، وما أعظمها من فرصة للعلماء ومعلمي الناس الخير، وما أشدّ الحساب عليهم إن قصروا.

وحين انتصر المسلمون على كفار قريش، وأسروا منهم بعض الرجال، كان المال الكثير فداءً لبعضهم، بينما افتدى الفقراء أنفسهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة، وهكذا فبين العلم والتعليم والحرية رباط وثيق يزداد مع الأيام صلابة، ولذلك حرص الطغاة والمحتلون على نشر الجهل والتجهيل، وصدّ الناس عن معالي الأمور بالخوض في سفاسفها.

وفي سياق التخويف من يوم القيامة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أشراطها رفع العلم، وفشو الجهل، وهذا من أقوى أساليب الحث على نشر العلم، والاهتمام الفائق بالتعليم؛ كي لا يدرك الناسُ الساعة، فإنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، والجهل قرين للشر، وسبب في وجوده وبقائه وتسلطه.

إن حسنة الدنيا هي العلم والعبادة، كما روي عن الحسن البصري رحمه الله مفسراً قوله تعالى في سورة البقرة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201].

وكم في العلم والتعليم من لذة لا يدركها من حرم منها، فكيف حين يكون العلم والتعليم من حسنة الدنيا التي ينشدها المسلم، ويطلبها من مولاه في سجوده ودعائه؟ وهذه منة أخرى من الله على العلماء وطلاب العلم.

وحينما ابتليت أمة الإسلام بظهور الدول الباطنية بعد القرن الثالث فما بعده، وما تبع ذلك أو ترافق معه من هجمات الصليبيين، واعتداء التتار، كان العلم أحد ركائز المقاومة المتينة التي سعى لتنفيذها الأمراء، والعلماء، والقادة، والوزراء، ولعظيم جهدهم توجهت إليهم خناجر الباطنية اللئام؛ فاغتالت بعضهم، ونجا آخرون من عدة محاولات آثمة.

وكانت القوة العسكرية أحد سبل مقاومة التغول الباطني، ودحر التدخل الصليبي، وإيقاف التمدد التتري، ومن جهة أخرى أثمرت الجهود المباركة في تنشيط العلم، وافتتاح المدارس، ونشر الحديث والسنة، ورفع مكانة العلماء، وبرزت أسماء عظيمة وظلت خالدة، كالوزير نظام الملك، والشهيد نور الدين، والناصر صلاح الدين، فاللهم تقبل جهادهم في الميدان، وجهادهم في بناء الإنسان.

ومن أعمالهم السنية، أنهم بذلوا المال على تقوية الجيوش في عتادها، وعددها، ومؤونتها، وجميع ما يخصها، وبالمقابل صرفوا الأموال، وبنوا الأوقاف للمدارس، وطلبة العلم، كي لا تتضرر مسيرة التعليم بأي نازلة اقتصادية أو سياسية، وحرص المجاهدون الكبار على أن يصطحبوا في جيوشهم الأئمة والمحدثين، فكانت دروس التفسير والحديث تقام في المعسكرات، وبين الجند، وقبيل المعارك والملاحم.

وإذا أردنا أن نقترب من عصرنا الحاضر، سنجد أن التعليم كان سبب نهوض الأمم من عثارها، وتقدمها بعد تخلفها، وتحررها بعد فترات عصيبة من القهر والذل. وحين يتحدث رموز هذه البلدان عن تجاربهم في إخراج بلادهم من الظلمات والضعف إلى القوة والنور، فلن يكون الاقتصاد أو التقنية أو القوة العسكرية أول ما يتحدثون عنه مع أهميتها، بل الالتفات إلى التعليم لإصلاحه وتعظيم أثره، وبعد ذلك ستأتي القوة بأنواعها؛ تجر أذيالها منقادة لكل أمة أحسنت طرائق تعليمها.

ولم يكن إصلاح التعليم شكلياً البتة، كما أنه لم يرضخ لإملاءات خارجية أبداً، فالتعليم هو روح الأمة وحياتها، وإليه تفزع الأمم الناضجة إذا رامت السمو والحرية، وأخذ الموقع الملائم لها بين أمم الأرض، ولأهميته البالغة صانه الكبار عن أن يلغ فيه الغرباء مهما كانت سطوتهم وقوتهم، واشتهر عن زعماء تاريخيين مقولات ملخص معناها: إلا التعليم! إلا اللغة!

ولا يشك مؤمن أن العلم بالشريعة هو أعظم العلوم وأسماها، وهو الفرض العيني المهم أداؤه على كل مسلم ومسلمة، خاصة من العلوم التي لا يسع جهلها، ثم يتدرج الفرض إلى حدود ما يُكتفى به ولا تعذر الأمة بمجموعها في تركه أو إهماله أو التقصير فيه. وكم في عنق الموقعين عن رب العالمين من مسؤوليات في البيان، والتبيين، والتقريب، والبلاغ، وجعل العلم متاحاً لكل أحد؛ خاصة مع سهولة نشره، وتيسر وسائل التواصل، وزيادة حاجة أبناء المسلمين وبناتهم لعلوم شريعة ربهم، وسنة نبيهم، في مختلف أصقاع الدنيا، وفي زمن الفتن والشبه التي تتقاذف ذات اليمين والشمال.

ومن العلوم المهمة التي لا مناص من التوجه إليها العلوم الإنسانية، فعلم التاريخ مدرسة بمجرد الرواية؛ بيد أنه يتعاظم بالدراية والتحليل، ومعرفة الكوامن والبواعث، فما كان فيما مضى لسبب ما، قد يعود إلينا فالناس هم الناس، والغرائز والرغبات تتشابه وإن اختلف الزمان والمكان. ويقف علم البلدان والجغرافيا إلى جوار التاريخ؛ فلن يعي التاريخ من لم ينظر في الجغرافيا، ولن يحسن تقدير الموقف من لم يعِ حقيقة الموقع!

ولعلوم السياسة، والاقتصاد، والإدارة، والاجتماع، وعلم النفس، والتربية، أهميتها القصوى على صعيد الفرد والمجتمعات والأمم، ولذلك انبهر العالم بطريقة إدارة بعض البلدان لمشكلاتها وعوامل الخلل فيها؛ حتى شقت طريقها في الاتجاه الذي ترغبه، بينما لا تزال بعض بلاد المسلمين تعاني من التخبط والقلاقل بسوء الإدارة، وعشوائية التعامل مع عقل الجمهور ونفسيته، فضلاً عن الدروشة في السياسة، والتخبط في الاقتصاد، وملاحقة المآرب الخاصة للفرقاء في بلدان المسلمين، أو التبعية العمياء عند غالب الحكومات الضعيفة أو المستضعفة التي تحاول تحسين أوضاعها.

وللعلوم الطبيعية، والطبية، والهندسية، والزراعية، والتقنية، ضرورة تجعل تعلمها والبراعة فيها واجباً في أعناق المسلمين، كي يخدموا بلادهم وأمتهم، ويعتقوها من انتظار ما لدى أمم الشرق والغرب، ومن الشرف للأمة أن تخرج من دائرة الاستهلاك إلى ميدان الإنتاج، كي تستعيد وهجها الحضاري، وتأثيرها الذي أنار الكرة الأرضية في أزمان ماضية، وتصبح شؤونها في أيدي الثقات البررة من أبنائها.

إن التعليم بمداه العريض، ومفاهيمه الكبرى، يجب أن يكون من أول المجالات التي تفزع لها أمة الإسلام؛ على أن يشمل التعليم التوجه نحو البحث، والتفكير، فنوابغ الطلاب، وكبريات المعاهد، والأساتذة الأجلاء، سيخرجون أمتهم من ظلمات التيه والتخلف، كي تنجو من وحل التبعية، وتحقق الاستقلال الحقيقي، ويكون لها معسكرها الخاص، وسيادتها الكاملة، ومنتجها الحضاري السامق.

وبعد ضبط التعليم ستكون مخرجاته الميمونة السبب في ضبط بقية المجالات والحقول، فالتعليم الصحيح ينتج عقولاً مبدعة، وشخصيات واثقة، وهمماً لا تعرف الخور، وبفضل الله ثم بجهادها وجهودها ستضع بلاد المسلمين رؤاها الصائبة، في المسار الصحيح، في التوقيت المناسب، وبالطريقة الملائمة، وستعود للمسلمين عزتهم التي ضاعت في ركام الجهل المركب.