«عهد موسى» عليه السلام (The Testament of Moses) هو اسمٌ لأحد الأسفار التي لم تجد طريقها إلى النص القانوني للعهد القديم، ولا نعرفه إلا من مخطوطته اللاتينية الوحيدة التي تعود إلى القرن السادس الميلادي. لكن المخطوطة اللاتينية لا تعد أصلًا لهذا السفر، بل هي مترجمة عن نسخة سابقة يرجح أنها يونانية. يقول «جون بريست»:

        "إن جل ما يثبته البحث الحالي هو أن النص الموجود لعهد موسى ينبغي أن يؤرخ بين السنة الرابعة قبل الميلاد وربما السنة الثلاثين بعد الميلاد."[1] وإذا كان النص اللاتيني المترجم عن اليونانية يعود إلى القرن الأول الميلادي فإن الأصل العبراني أو الآرامي بلا ريب أقدم، وبناء عليه فإننا أمام وثيقة سابقة لظهور الإسلام بستمائة عام على الأقل.

يتحدث هذا السفر عن عهدٍ عهِدَ به موسى عليه السلام قبيل وفاته إلى غلامه يوشع بن نون عليه السلام الذي صار نبيًا بعده. ومما جاء في هذا العهد حديث موسى عليه السلام – على افتراض صحة النسبة – عن أحداث آخر الزمان وقيام «رفيع القدر» الذي «يدمر كل الأصنام». يقول النص:

«عندها سيتجلى ملكوته بين الخلق كله. ويندحر الشيطان ويتلاشى الحزن معه. وعندها ستمتلئ يدا الرسول رفيع القدر، وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم ... لأنه سيقوم الإله العلي الخالد وحده؛ وسيظهر لكي يعاقب الأمم، ويدمر كل أصنامهم.»

قبل الحديث عن تجلي ملكوت الله في آخر الزمان نبين هنا اختلافًا جوهريًا في ترجمة قوله: «وعندها ستمتلئ يدا الرسول رفيع القدر؛ وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم»، وسبب الاختلاف غموض الأصل اللاتيني الذي لا نمتلك غيره. فتشارلز مثلًا يترجم الفقرة بقوله: «ثم ستمتلئ يدا الملاك الذي عين رئيسًا؛ وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم.»[2] أما ترجمة الخوري العربية – عن الفرنسية – فتقول: "وعندها سيوُلَّى المُرسَل، المستقر في الأعالي؛ وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم».

نلحظ أنه لا فرق بينهما في ترجمة النصف الثاني من الفقرة، أما النصف الأول فظاهر الاختلاف؛ وهذا يُحتّم علينا الاستعانة بالنص اللاتيني الأصلي. يقول النص اللاتيني:

Tunc implebuntur manus nuntii qui est in summo constitutesqui protinus uindicauit illos ab inimicis eorum[3]

ومعناه الحرفي: "ثم ستُملأ يدا الرسول الذي وُضع في عُلوّ، الذي سرعان ما انتقم لهم من عدوهم."

فدل هذا على أن كلمة "ملاك" في ترجمة «تشارلز» مجانبة للصواب، وأن كلمة «مُرسل» في الترجمة العربية أكثر دقة. لكن «الذي وُضع في علو» تظل مثار جدل؛ فالنسخة العربية – المترجمة عن الفرنسية – فهمت فيما يبدو أن العلو هنا هو السماء فترجمتها "المستقر في الأعالي". أما «تشارلز» ففهم منها الرفعة في القدر لا حقيقة المكان، فترجمها "الذي عُين رئيسًا"، والصواب – والله أعلم – أن تترجم بـ"رفيع القدر" أو "ذي المكانة" أو نحوهما. فيصير النص: "وعندها ستمتلئ يدا الرسول رفيع القدر؛ وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم".

ثم يحدد موسى عليه السلام المدة بين موته ومجيء الرسول الخاتم رفيع القدر، فيقول: "وأنت يا يوشع (بن) نون، احفظ هذه الكلمات وهذا السِّفر؛ لأنه من موتي إلى مجيئه سيكون مائتان وخمسون زمنًا. وهذا هو مجرى الأزمنة كما ستحل حتى تنتهي. أما أنا فسأمضي لأرقد مع آبائي. ولهذا كن قويًا وشجاعًا، أنت يا يوشع بن نون، لأن الرب اختارك لتكون خليفتي في الميثاق نفسه."

نحن إذن أمام محك صارم لتحديد زمن تجلي ملكوت الله واندحار الشيطان، وظهور الرسول رفيع المكانة. فهذه الفقرة تعطينا إطارًا زمنيًا دقيقًا. يقول موسى عليه السلام ليوشع بن نون عليه السلام إن من موته إلى زمن مجيئ ملكوت الرب مدة قدرها 250 زمنًا. فما المقصود بالزمن هنا: سنون أم عقود أم قرون؟

جل علماء أهل الكتاب على أن المراد بالزمن هنا أسبوع من السنين أي سبع سنين. يقول «تشارلز» في تعليقه على الفقرة: "250 زمنًا: تعني 250 أسبوعًا سنويًا أي 1750 عامًا."[4] ويعبر «م. ر. جيمس» عن شبه الإجماع هذا بقوله: "الأزمنة هنا تؤخذ عادة على أنها أسابيع من السنين، وهذا يعطينا 1750 [عامًا]."[5]

ومع ذلك يذهب علماء النصارى إلى أن المبشر به في الفقرة هو «المسيح» عليه السلام. وهذا الإصرار من جانبهم ليس له ما يؤيده من داخل النص ولا من خارجه. فإننا لو سلمنا جدلًا أن موسى عليه السلام توفي في القرن الخامس عشر قبل الميلاد – وهو التاريخ التقليدي عند أهل الكتاب – فإننا سنجد أن مجيء النبي الموعود سيقع في القرن الثالث الميلادي، وهو تاريخ بعيد عن زمن المسيح عليه السلام. وحتى لو سلمنا جدلًا أنه المسيح عليه السلام فلن يستقيم لنا تاريخ وفاة موسى عليه السلام، فإنه يصير قبل الميلاد بـ 1750 عام، وهو ما لا يقبله علماء أهل الكتاب أنفسهم؛ فبطلت حجتهم في الحالين.

إن الصواب في هذه المسألة اعتماد تاريخ وفاة موسى عليه السلام بناء على أن خروج بني إسرائيل من مصر كان في زمن الفرعون «رعمسيس الثاني»، وعليه فإن تاريخ هلاكه هو أيضًا تاريخ الخروج. فمتى كان هلاك هذا الفرعون؟

إن المراجع الشهيرة لا تختلف كثيرًا في تحديد تاريخ وفاة رعمسيس الثاني؛ فـ«قاموس آنكور الكتابي» يحدد هلاكه بعام 1212 ق.م.، والموسوعة البريطانية تحدده بـ 1213 ق.م.، وعلى هذين التقديرين تسير جُلُّ المراجع المعتبرة المختصة بتاريخ مصر أو العهد القديم. فإذا كان هلاك فرعون موسى عام 1213 ق.م. فإن موت موسى عليه السلام كان بعد هذا التاريخ بنحوٍ من أربعين عامًا – إذا ما اعتبرنا مدة تيه بني إسرائيل – أي في سنة 1173 ق.م. أو قبلها بيسير؛ لأن دخول بني إسرائيل الأرضَ المقدسةَ بعد انقضاء مدة التيه كان بعد وفاة موسى عليه السلام على يد غلامه يوشع بن نون عليه السلام كما هو معلوم.

ولتبسيط الأمر يمكن تمثيله رياضيًا كالتالي:

·       (تاريخ هلاك فرعون) - (مدة التيه) = (تاريخ وفاة موسى عليه السلام).

1213 ق.م - 40 عامًا = 1173 ق.م.

·       (تاريخ وفاة موسى عليه السلام) + (المدة بين موسى والنبي الموعود) = (زمن ظهور النبي الموعود).

1173 ق.م + 1750 = 577 م.

والدنيا كلها تعلم أنه ما ظهر في هذا التاريخ أعظم ولا أعز على الله ولا أصدق لسانًا ولا أنقى فؤادًا ولا أنصح للعباد من رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ وكان ميلاده عام 571 م، كما بشر موسى عليه السلام.

فإن قال مماحكٌ: هذا لا يستقيم، فبين التاريخين ستة أعوام.

قلنا: هذا من التعنت الظاهر، فإن موسى عليه السلام توفي قبل انقضاء التيه، لكننا لا نعلم في أي عامٍ على وجه الدقة حتى تدعي هذا الاختلاف، فبطل اعتراضك.

ثم يشير النص بعد تحديد زمان النبي الموعود إلى طرفٍ من صفته، فيقول:

وسرعان ما سينتقم لهم من أعدائهم ... لأنه سيقوم الإله العلي الخالد وحده؛ وسيظهر لكي يعاقب الأمم، ويحطم كل أصنامهم.

فنعته بأنه سينتصر للمؤمنين من أعداءهم الكافرين وسيحطم أصنامهم، وكان ذلك يوم فتح مكة شرفها الله، إذ أخضع الله به رقاب العرب الوثنيين، فحطم أصنامهم التي كانوا ينصبونها حول الكعبة، وأرسل أصحابه يدكون صروح الوثنية في أنحاء الجزيرة العربية، ثم خلفه أصحابه رضوان الله عليهم فعاقبوا بقية الأمم المشركة فهزموا عُباد الصليب في بلاد الشام وعُباد النار في أرض فارس، حتى ظهر الإيمان واندحر الكفر، فلله الحمد.

 


 
 

 


[1] The Anchor Bible Dictionary, “Moses, Testament of”.

[2] “Then the hands of the angel shall be filled Who has been appointed chief, And he shall forthwith avenge them of their enemies.”

[3] Otto Fridolinus FritzscheLibri Veteris Testamenti: Pseudepigraphi Selecti (Lipsiae: F. A. Brockhaus, 1871), p. 151.

[4] R. HCharlesThe Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old Testamentvol. II, p. 423.

[5] M. R. JamesThe Biblical Antiquities of Philo (Forgotten Books, 2007), p. 289.