«اعترفتْ هيئةُ الأممِ المتحدةِ للتراثِ العالميِّ بمدينةِ الخليلِ التاريخيةِ في الضفةِ الغربيةِ باعتبارِها موقعاً تراثياً عالمياً فلسطينياً، مما أثارَ حنقَ الحكومةِ الإسرائيليةِ. وقد فشلتِ الجهودُ العارمةُ التي تبذلُها إسرائيلُ في إبطالِ حكمِ اليونسكُو بخصوصِ المدينةِ التي تحوي مكاناً مقدساً يُعرفُ لدى المسلمين باسمِ (المسجدِ الإبراهيميِّ)، ولدى اليهودِ باسمِ (قبرِ البطاركةِ)»[1]، هذا ما نقلتْهُ صحيفةُ الجارديانِ حولَ خبرِ تسلمِ اليونسكُو النصرانيةِ مقاليدَ أجزاءٍ من البقاعِ المقدسةِ في فلسطينَ.

أما صحيفةُ «هآرتسْ» الصهيونيةُ فذكرتْ أنَّ وزيرَ الدفاعِ «أفيغدور ليبرمان» وصفَ منظمةَ اليونسكو بأنها «منظمةٌ منحازةٌ سياسياً ومشينةٌ ومعاديةٌ للساميةِ، وقراراتُها مخزيةٌ»[2]، وإزاءَ هذا «التجاوزِ» بحقِ قبورِ الأنبياءِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ (عليهم السلامُ) يعلنُ نتنياهو أنه سيقلصُ دعم بلادِه لهذه المنظمةِ الجائرةِ!

أهذا كل ما يستطيعُه الكيانُ الصهيونيُّ الأسطوريُّ الذي أخضعَ رقابَ العربِ والعجمِ لقراراتِه كما صُوِّر لنا؟! ألم تكنِ الأممُ المتحدةُ يوماً صنيعةً يهوديةً، أو هكذا قيلَ لنا؟ هل قرأنا التاريخَ قراءةً صحيحةً، أم كما أرادَ خصومُنا أن نقرأَه؟

يحكي لنا التاريخُ أنه في عامِ 1933م انتُخبَ «فرانكلين روزفلت» رئيساً للولاياتِ المتحدةِ. وبعدَ انتخابِه بأربعةِ أعوامٍ شرعَ في التخطيطِ لمنظمةٍ عولميةٍ جديدةٍ تحلُّ محلَ عُصبةِ الأممِ، وكانتْ بدايةُ مشروعِ «الأممِ المتحدةِ» الفعليةُ في 24 أكتوبرَ 1945م. وقبلَ نشأةِ المنظمةِ العولميةِ الجديدةِ بأربعةِ أعوامٍ نشرتْ مجلةُ التايم خبراً بعنوانِ: «هل سيحظى البابا بالقدسِ؟»، جاءَ في ثناياه أن ثلاثين أسقفاً إيطالياً أرسلوا برقيةٍ إلى الدوتشيه  (موسوليني) يحُضُّونه على تتويجِ نصرِ الجيشِ الوفيِّ برفعِ العلمِ الإيطاليِّ فوقَ القدسِ، وجاءَ في الخبرِ أيضاً أن «قوى المحورِ تخططُ لتسليمِ فلسطينَ لتكونَ تحتَ سيادةِ الفاتيكانِ... وبناءً على الخطةِ... سيرعى البابا البقاعَ المقدسةَ في فلسطينَ»[3].

في هذه الأثناءِ كانت بريطانيا تهيئ الوضعَ من جانبِها لضمانِ بقاءِ القدسِ روميةً، لكن انتفاضةَ المسلمين في فلسطينَ أقلقتْ حكومةَ الانتدابِ، فشكلتْ بريطانيا عامَ 1936م لجنةً لدراسةِ هذا الوضعِ المحرجِ تُدعى «لجنةَ بيل». انتهتْ هذه اللجنةُ إلى أن الانتدابَ لم يعدْ قادراً على إدارةِ البلادِ، بل سيزيدُ الأمر سوءاً، كما اقترحتْ تقسيمَ البلادِ إلى دولتينِ عربيةٍ ويهوديةٍ، مع بقاءِ القدسِ تحتَ الانتدابِ. لكن هذا المقترحَ قوبل بردودِ أفعالٍ شتى، فتبعتْهُ لجانٌ أخرى لم تنتهِ إلى شيءٍ ذي بالٍ. وفي فبرايرَ من عامِ 1947م أعلنتْ بريطانيا عزمَها إنهاءَ الانتدابِ في فلسطينَ (الذي لم ينتهِ إلا في 14 مايو 1948م)، وأحالت ملف القضيةِ الفلسطينيةِ إلى الأممِ المتحدةِ التي كانتْ قائمةً آنذاك.

لم تكن الصهيونيةُ جبهةً معارِضةً للمشروعِ الروميِّ العولميِّ، بل كانت ولا تزالُ الوجهَ الآخرَ منه، والعنصرَ الذي لا ينهضُ إلا بوجودِه. فقد كتبَ أبو الصهيونيةِ اليهوديُّ المجريُّ «ثيودور هرتزل» في مذكراتِه عامَ 1895م قائلاً: «قبلَ عامين، أردتُ أن أحلَّ المسألةَ اليهوديةَ، في النمسا على الأقلِ، بمساعدةِ الكنيسةِ الكاثوليكيةِ. كنتُ أرغبُ في أن أرتبَ لقاءً مع البابا وأقولَ له: أعِنَّا على المعادين للساميةِ، وأنا سأقودُ حركةً كبرى لتحويلِ اليهودِ إلى النصرانيةِ أحراراً أعزَّةً»[4]، وأيُّ حريةٍ وأيُّ عزةٍ هذه التي يتحدثُ عنها، إلا قولُ اللهِ عز وجل: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}؟ وكيفَ يقودُ رأسُ الصهيونيةِ حركةً كبرى لتحويلِ اليهودِ إلى النصرانيةِ؟

إن الحركةَ الصهيونيةَ حركةٌ استعماريةٌ روميةٌ وظفتْ يهودَ العالمِ لخدمتِها، بينما صوَّرَها الغربُ أمامَ الشرقِ على أنها طوفانٌ يهوديٌّ عادَ ليكتسحَ الأرضَ المقدسةَ ويستعيدَ تراثَ بني إسرائيلَ! ولا ندري كيف أصبحَ اليهودُ الذين فرطوا في الأرضِ المقدسةِ بصحبةِ الأنبياءِ حريصين على استعادتِها مع هرتزل؟ وهاهم يتخلون عما يدَّعون أنه حقٌ لهم لمجرد قرارٍ من أسيادهم الروم.

إن كثيراً من المسلمين لا يعلمون أن هرتزل - كما صرحَ بذلك في مذكراتِه - استجدى البابا بيوس العاشرَ قائلاً: «أيها الأبُ الأقدسُ، إن اليهودَ في أزمةٍ فظيعةٍ، ولا أدري إن كان قداستُك يعلمُ قدْرَ مأساتِهم. إننا بحاجة إلى أرضٍ لهؤلاءِ المنكوبين»، فلما سألَه البابا: «هل يُشترطُ أن تكونَ أورشليمَ [القدس]؟» أجابَ أبو الصهيونيةِ: «إننا لا نريدُ أورشليمَ، وإنما فلسطينَ، الأرضَ غيرَ الدينيةِ»[5]، أيْ أرضُ فلسطينَ باستثناءِ البقاعِ المقدسةِ، وهو ما أكدَه في موطنٍ آخرَ من مذكراتِه[6].

ومن قرأَ مذكراتِ الدنيانيِّ (العلماني) ثيودور هرتزل أدركَ أن شخصيتَه لا تختلفُ كثيراً عن اليهودِ الهيروديين - الذين عاشوا في زمنِ المسيحِ عليه السلامُ - الذين أرادوا أن تكونَ لهم حظوةٌ عندَ أسيادِهم من الرومِ، بينما رضوا بما كان يسقطُ من فتاتِ موائدِ أربابِهم. وهذا من الذلةِ والمسكنةِ التي ضربَها اللهُ عليهم كما قالَ في كتابِه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]، فهي ملازمةٌ لهم لزومَ الصورةِ المسكوكةِ على النقودِ لا مناصَ منها. قالَ ابنُ زيدٍ رحمَه اللهُ كما في تفسيرِ الطبريِّ: «واليهودُ لا يأمنون في أرضٍ من أرضِ اللهِ إلا بهذا الحبلِ... فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى إلا وهم فوقَ يهودٍ في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البلدانِ كلِّها مستذَلُّون»[7].

لقد كانتِ الصهيونيةُ مشروعاً غربياً لاحتواءِ اليهودِ والتخلصِ من وجودِهم الطفيليِّ في أوربا بينما يتمُ توظيفُهم لخدمةِ الاستعمارِ. وكما أعادَ الملكُ كورشُ يهودَ بابلٍ إلى فلسطينَ بعدَ أن سباهم بختنصّرُ وجعلَ عليهم من كبارِ عملائهم من يديرُ شؤونَهم، أرادتِ الصهيونيةُ أن تصنعَ الشيءَ ذاتَه، فكانتْ زعاماتُها دنيانيةً (علمانية) غربيةَ الهوى، كالمجريِّ هرتزل والروسيِّ فلاديمير جابوتينسكي. وأهمُ عملٍ يمكنُ أن يقومَ به اليهودُ في فلسطينَ هو مناكفةُ المسلمين على البقاعِ المقدسةِ إلى أن يكتملَ مشروعُ تدويلِ - أو بالأحرى «تَرويمِ» - القدسِ، بينما تتخلصُ أوربا من فائضٍ بشريٍ غير ِمأسوفٍ عليه.

ستظلُ الأممُ المتحدةُ تهيئُ مكانَها في الأرضِ المقدسةِ شاءَ اليهودُ أم أبوا، إذ لا حيلةَ لهم. وسنرى إزاءَ ذلك تهديداتٍ باردةً من قبلِ الحكومةِ الصهيونيةِ لا تعدو أن تكونَ ذراً للرمادِ في العيونِ. فحريٌّ بأهلِ الإسلامِ ألا تعميهم فرحةُ النيلِ من يهودٍ عن حقيقةٍ ما يحاكُ لهم.


 


[1]  The Guardian, “Unesco makes Hebron old city Palestinian world heritage site,” (July 7, 2017).

[2]  Haaretz, “UNESCO Recognizes Hebron, Tomb of the Patriarchs as Palestinian Heritage Sites.” (July 7, 2017

[3]  The TIME Magazine, “VATICAN CITY: Pope to Get Jerusalem?”, July, 14, 1940.

[4]  Marvin Lowenthal, trans. The Diaries of Theodor Herzl (NY: The Universal Library, 1962), p. 7.

[5]  The Diaries of Theodor Herzl, p. 429.

[6]  The Diaries of Theodor Herzl, p. 419.

[7] تفسير الطبري (دار المعارف)، 7/ 112.