الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

إن مفهومَ النصحِ والنصيحةِ عامٌ لكلِّ ما يتضمنُ محاولةَ إقناعٍ بعقيدةٍ أو فكرةٍ أو تصرفٍ أو سياسةٍ، أو حتى بصحةِ خبرٍ أو حدثٍ معينٍ، وليس بالضرورةِ أن يكونَ من يلبسُ لباسَ الناصحين مخلصاً في نصحِه، ففي كتابِ اللهِ العزيزِ وردتْ كلمةُ الناصحين في ثلاثةِ مواضعَ، ففي سورةِ الأعرافِ يقولُ اللهُ تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَـمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21]، حكايةً عن إبليسَ الذي تقمصَ شخصيةَ الناصحِ الأمينِ في أولِ مؤامرةٍ ضدَ البشريةِ، وفيها أيضاً قولُه تعالى: {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79]، وفي الآيةِ نصيحةٌ أخيرةٌ من نبيٍّ لقومِه فيها تهديدٌ بسوءِ العاقبةِ وأن سببَ بلائهم أنهم لا يحبون الناصحين، وأما الثالثةُ ففي سورةِ القصصِ، وفيها مجردُ خبرٍ ومعلومةٍ والنصحُ بتصرفٍ يقوم على تصديقِ ذلك الخبرِ، قالَ تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْـمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إنَّ الْـمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20].

وأما في الحديثِ فقد روى مسلمٌ في الصحيحِ من حديثِ تميمٍ الداريِّ وله شواهدُ عندَ غيرِ مسلمٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم  قالَ: «الدينُ النصيحةُ»، قلنا: لمن يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمينَ وعامتِهم». وهو حديثٌ عظيمٌ يجعلُ من النصيحةِ الصادقةِ أصلاً في قوامِ الأممِ واستقامتِها.

ولسنا هنا في مقامِ بسطِ الكلامِ في النصيحةِ بل سنركزُ على ما يسمحُ به المقامُ من أن النصيحةَ لازمةٌ والإنسانُ أياً كان اعتبارُه أو وضعُه متعرضٌ لكونِه ناصحاً أو منصوحاً، ولذا فمِن المهمِ معرفةُ حالِ المنصوحِ وكيف يتصرفُ مع النصائحِ التي تتوالى عليه، خاصة إذا كان صاحبَ جاهٍ أو سلطانٍ، فكلُ نصيحةٍ تتطلبُ فعلاً مؤثراً يمسُ أحوالَ الأمةِ الاقتصاديةِ أو الاجتماعيةِ أو السياسيةِ، وحيث إن الناصحَ يمكنُ أن يكونَ مستناً بسنةِ الأنبياءِ أو متبعاً لسبيلِ الشياطين فيلزمُ المنصوحَ أن يكونَ لديه القدرةُ على تقييمِ ما يردُ إليه من النصائحِ والاقتراحاتِ، فقد يكونُ ما يردُ عليه سبيلَ نجاةٍ ورفعةٍ أو طريقَ انحدارٍ ومهلكةٍ، لذا لا يمكنُ أن تقومَ قائمةٌ لسلطانٍ لا يوفقُ بحكماءٍ مخلصين؛ فوجودُهم ضرورةٌ وعدمُهم عدمٌ، ومن عندَه منهم فليقرِّبْهم، ومن فقدَهم فليبحثْ عنهم ويجلبْهم ما استطاعَ إلى ذلك سبيلاً. وكان من عادةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم  أن يطلبَ الرأيَ والمشورةَ من غيرِه وهو من يتنزلُ عليه الوحيُ، وقد يطلبُ مشورةً من شخصٍ محددٍ، فكثيراً ما كان يستشير أبا بكرٍ وعمرَ وعلياً رضي الله عنهم أجمعين، وقد تكون عامةًٍ بصيغةِ «أشيروا علي أيها الناس» إذا كانَ القرارُ يمسُّهم.

وأما حالُ الناصحِ وتصرفُه فيعتمدُ على حالِ المنصوحِ، فإذا كان أريحياً يسمعُ ويتقبلُ ويتلطفُ بالناصحِ سواءٌ قبلَ النصحَ أم لم يقبلْ، فالناصحُ هنا قد يكون مباشراً وقد يصلُ لدرجةِ القسوةِ غيرِ المحمودةِ، ولذلك شواهدُ في التاريخ، ومهمةُ الناصحِ هنا سهلةٌ والمنصوحُ هو الذي يعاني، ولكن التحديَ هو عندما يكونُ المنصوحُ تخشَى صولتُه وعندَه تجاوزٌ للحدودِ وظلمٌ، مما يصعبُ من مهمةِ الناصحِ الذي يجبُ أن يكونَ همُّه توصيلَ النصيحةِ رجاءَ قبولِها والاستفادةِ منها، والناصحُ هنا مطلوبٌ منه أمران مهمان، هما:

أولاً: توطينُ النفسِ على التضحيةِ، كما في حديثِ جابرٍ رضي اللهُ عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم  أنه قالَ: «سيدُ الشهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتلَه»[1]. والقصدُ هنا تحملُ التضحيةِ وليس السعيَ إليها لأن قتلَ الناصحِ يقتضي عدمَ قبولِ النصيحةِ، ولذا فإن على الناصحِ تحقيقَ المطلبِ الثاني.

ثانياً: التلطفُ في النصيحةِ، فقد أرسلَ اللهُ سبحانه وتعالى موسى إلى فرعونَ رأسِ الكفرِ وأوصاه بوصيةٍِ، وهي اللينُ والتلطفُ في العرضِ، ولا يخفى أن الوصيةَ أحرى بالتطبيقِ مع مَن دونَه من المنصوحين، قالَ تعالى: {اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى 43 فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].

وماذا يحصلُ إذا كان المنصوحَ غشوماً سفاحاً معجباً بنفسِه لا يقبلُ نصحاً ولا إرشاداً فهل تعدم الوسائلُ لتوصيلِ النصيحةِ بنجاحٍ؟ إن المهمةَ صعبةٌ ولكنها ليستْ مستحيلةً، ولنا شاهدٌ في التاريخِ يوضح كيف نجح حكيم في إنقاذ أمته وكان سبباً في استقامةِ المنصوحِ بأسلوبٍ غريبٍ وهو تقديمُ النصائحِ بأسلوبٍ قصصيٍّ شيقٍ على لسانِ الحيوانِ، وكانتْ النصائحُ شاملةً وتبدأُ من البطانةِ والمقربين إلى السياسةِ الداخليةِ والخارجيةِ، ومن يقرأْ بإمعان سيكتشفْ أن الطبيعةَ البشريةَ باقيةٌ كما خلقَها اللهُ، وأن ما يَصْلُحُ للهندِ قبلَ آلافِ السنين يصلحُ لأي بلدٍ في هذا الزمانِ، ومن الشواهدِ على ثباتِ الفطرةِ البشريةِ أن رسالةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم  صالحةٌ للبشريةِ إلى قيامِ الساعةِ، ولذا فمن المهمِ للجميعِ في هذه الظروفِ العصيبةِ محاولةُ الاطلاعِ على إنتاجِ بشرٍ عاشوا في ظروفٍ مشابهةٍ ووصلوا إلى نتائجَ مهمةٍ فيها الكثيرُ من الصوابِ وإن كانت لا تخلو من النقصِ والخطأِ كأيِّ جهدٍ بشريٍّ سِمتُه النقصُ، فالكمالُ للهِ وحدَه، وما نقصدُه هو إرشادُ القارئِ إلى أهميةِ قراءةِ مقدمةِ ابنِ خلدونَ، وأيضاً قد تستغربون حينَ ننصحُ بقراءةِ كتابِ «كليلةُ ودمنةُ» فهو كتابٌ قد أُلفَ للملوكِ ولم يعدْ يقرؤه إلا الأطفالُ برغم ما فيه من توجيهاتٍ ونصائحَ مفيدةٍ جداً لوقتنا الحاليِّ.

 


 
 

 


[1] قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذا صححه السيوطي والألباني.