الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وبعد:

على الهواء مباشرة، وفي وسط حديثه الصحفي تلقى السفير الروسي في تركيا عدة طلقات من رجل أمن يقف خلفه فأرداه قتيلاً، أثارت هذه الحادثة موجة عالمية كبيرة من التفاعل والتحليل والمتابعة، وتباينت مواقف الناس في النظر والتعليق عليها.

وقعت هذه الحادثة في ساعة تحليق الطائرات الروسية في سماء حلب، ترسل حمم الموت على بيوت الآمنين فتدكها على رؤوس ساكنيها، يهرب النساء والأطفال في الطرقات لا يلوون على شيء هرباً من آلة الحرب التي تقتلهم في كل مكان، جرائم متواصلة لم يسلم منها بشر ولا شجر ولا حجر، حتى المستشفيات المكتظة بالجرحى والتي لم يبق فيها من اسم مستشفى إلا أقل القليل، دمرتها صواريخ العدوان الروسي.

في ظل هذا العدوان المستمر على أهلنا في سوريا لن تجد صعوبة في فهم أن هذه الحادثة هي ردة فعل على هذا الإجرام، وأن الملوم الأول فيها الحكومة الروسية التي استباحت الحرمات، وانتهكت المواثيق، وأوغلت في دماء المسلمين، فإذا كانت تنظر إلى قتل رجل من رجالاتها على أنه جريمة إرهابية قبيحة، فماذا يسمى قتلها اليومي الممنهج لمئات الأطفال والنساء والرجال الأبرياء في سوريا!

هذا العدوان السافر المتواصل هو الذي دفع كثيراً من الناس للفرح بهذه الحادثة، بل وربما تمجيد صاحبها، والإشادة بمثلها، فالعدوان الروسي ساهم في نشر الكره والعداء الشديد تجاههم في قلوب الناس، وهذه السياسات العدوانية ستزيده أكثر.

كشفت الحادثة عن وجه النفاق العالمي القبيح، الذي يذرف الدمع على مقتل شخص واحد، ويسرد المعلقات في حقوق الإنسان، والمواثيق الدولية، بينما يشاهد يومياً عشرات الجثث تتطاير في شوارع حلب، فلا ينبس لهم بحرف، ولا يتجاوز موقفهم المخزي تكرار المكرر من الحزن المتكلف والقلق المسرحي المعتاد، مع تمجيد للقاتل والبحث معه عن حلول للأزمة.

لا يمكن الحديث عن الحكم الشرعي لهذه الحادثة من دون ذكر للسياق الذي وقعت فيه، فالقضية ليست مسألة فقهية صرفة نتج عنها موقف معين، بل ثم سياق دافع لها يجب استحضاره في سياق البحث عن حلول لمثل هذه القضايا.

ولتفادي وقوع مثل هذه الحوادث، ولصيانة الدماء يجب معالجة الوضع المنتج لها، والذي هو بلا ريب العدوان الروسي المتواصل على أهلنا في الشام.

يأتي بعد هذا الحديث عن الحكم الشرعي لمثل هذه الحادثة، وهل يسوغ قتل السفير في مثل هذه الواقعة بحجة الدفاع عن أهلنا في الشام؟

القلب الممتلئ غيظاً وحنقاً على مصاب إخوته في الشام لا يجوز أن يتحرك بدافع هذا الحنق والألم فقط، بل يجب أن يجعل هواه تبعاً لما جاء به الشرع، وحين ننظر في القواعد الشرعية نجد أن هذا الفعل محرم شرعاً لأمرين:

الأمر الأول: ما فيه من نقض للعهد والأمان الذي أعطي له، والأمان مشدد في الشرع فهو من العهود والعقود التي يجب الوفاء بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١]، ونكثها من الغدر المحرم فلا يجوز أن يتهاون فيه بسبب الألم والغيظ الذي يعصر قلب المسلم، بل يجب أن يلتزم بهذا المبدأ مهما بلغت الدوافع التي تحرض على انتهاكه.

ويعترض عادة هنا بثلاثة اعتراضات شائعة:

الأول: أن الحكومة التي يمثلها هذا الرجل معتدية على المسلمين، ومنتهكة لحرماتهم فكيف يقال بأمان مثله؟

والحق أن الأمان في الشرع إنما يعطى للحربي، وهو عاصم لدم الحربي الذي لولا أمانه لجاز قتله لعدوانه وحربه للمسلمين، فالأمان في الأصل هو للحربي وليس للمسلم أو المعاهد الذمي، وبناءً عليه فلا معنى لهذا الاعتراض لأن الأمان في الأصل هو لمثل هؤلاء الحربيين، وقد جاء النهي عن قتل الرسل، وهم في الأصل رسل قوم محاربين يتحركون وفقاً لمصالحهم وهم وكلاء عنهم، فالقول بمنع قتلهم لا يعني براءتهم وسلامة موقفهم، فهم شركاء في الجرم الذي تقوم به حكومتهم، ولكن قد أُعطوا أماناً فيجب الوفاء به.

الثاني: أن المسلمين ذمتهم واحدة، وعهدهم واحد، وأن العهد إذا نقض من بلد نقض من جميع بلدان المسلمين، فلا يجعل لكل بلد عهد خاص.

وبغض النظر عن هذه المسألة، وهل لكل بلد عهد خاص أم أن عهود المسلمين واحدة، فهذه القضية لا علاقة لها بحكم هذه المسألة، فالقضية متعلقة بالشخص الذي أعطي الأمان أياً ما كان حكم الدولة التي ينتمي إليها هل بقي لها عهد أم نقض، فالأمان صحيح ويجب الوفاء به.

الثالث: عدم تصحيح الأمان بناءً على عدم اعتبار صحة أمان الحكومة التي أعطته، لأنها لا تحكم بالشريعة، وإنما تلتزم بالنظام العلماني.

ولو صح هذا الاعتراض، فيبقى ثم شبهة أمان، وشبهة الأمان في الشريعة ملحقة بالأمان، فهي كالأمان ولا فرق، خاصة أن الأمان هنا في الحقيقة ليس أمان حكومة فقط، فالحكومة لا تمثل أفراداً معينين، بل هي ممثلة للمجتمع ومعبرة عن الناس، فالأمان في الحقيقة هو أمان للناس جميعاً، وحفظه واجب عليهم جميعاً، فأياً ما كان الحكم من النظام فهو لا يؤثر في موضوع الأمان، وما دام أن هذه الحكومة تمثل الناس وقد رضوا بها فأحكامها ملزمة لهم.

ويزيده تأكيداً: أن إعطاء الأمان لمثل هذا السفير ليس هو من قبيل التصرفات التي ارتكبت بسبب موقف الحكومة مع كونه مخالفاً للشرع والمصلحة، وأن الواجب عليهم هو إعلان الحرب على روسيا، فالمصلحة لا تجيز مثل هذا، وقرار إبقاء الأمان هو الموافق للمصلحة وليس مجرد تصرف حكومي لا مصلحة فيه.

الأمر الثاني: ما يترتب على مثل هذه التصرفات من مفاسد يقينية ظاهرة، بلا مصلحة شرعية معتبرة، فقتل رجل واحد لا يحقق أي مصلحة ترتجى، وغاية ما فيه أن يحصل تشفٍ يسير، تعقبه مفاسد ظاهرة لا ينكرها عاقل، فتستغل في مزيد انتهاك وتضييق على المسلمين، ولهذا فالمستفيد الحقيقي من مثل هذه الوقائع هو الحكومة الروسية، لأنها ستوظف هذه الحادثة في تحقيق مكاسب كثيرة لم تكن ممكنة لها لولا هذه الحادثة، ولهذا كثيراً ما تقوم بعض الحكومات بمثل هذه الممارسات أو تسهلها في سبيل تحقيق مصالحها التي عجزت عنها من دون هذا الطريق، ولا يزال التساؤل قائماً في هذه الواقعة حول الجهة الحقيقية التي تقف وراءها، فكثيراً ما كشفت الأيام عن فاعلٍ لم يكن متوقعاً.

والنظر في ميزان المصالح والمفاسد ليس أمراً هامشياً في حكم الشرع، بل هو من الأصول الشرعية الثابتة، والاستهانة به إثم وحرج، ولا يعفيه المقصد الحسن الذي يظهره عن التفريط في اعتبار المصالح والمفاسد.

والحكم على مثل هذه القضية بأنها مجلبة للمفاسد ليس أمراً ظنياً أو متوهماً، بل هو من القطعيات التي لا تخفى على عاقل، والتجارب الكثيرة في مواطن كثيرة تثبت يقيناً لكل متردد أن هذه الحوادث لا تحقق لأهل الإسلام أي خير، وتجلب من المفاسد والشرور ما الله به عليم، فليس من العقل ولا الحكمة أن نعيد تكرار نفس الأخطاء مرة بعد مرة ولا يتفطن الشخص لحجم المفاسد فيها إلا بعد أن تظهر له عياناً.

إننا حين نعلن بوضوح حرمة هذا الفعل، لما فيه من غدر محرم ونكث للعهد، ولما فيه من ضرر وفساد على المسلمين، فإن هذا التزام بقيم الشرع ومبادئه، ولا يخفى علينا حال إخوتنا في الشام، ولا دور العدوان الروسي، لكننا نلتزم بالشرع، ولا يجوز أن نجعل عواطفنا مقيدة لعقولنا وفقهنا، فمثل هذه الحوادث لن تفيد أهلنا في الشام بشيء، بل المستفيد الأول والأخير منها هو عدوهم، ينفذ منها إلى تحقيق مصالحه وأهدافه، والعاقل لا تعميه اللحظة عن إدراك الحقيقة والمآل.

حفظ الله أهلنا في الشام، ووحد صفهم، وثبت أقدامهم، ومكر لهم، وشتت شمل عدوهم وجعل الدائرة عليهم، ورد كيدهم في نحورهم. هذا، والله تعالى أعلم.