لم تعد المسؤولية الاجتماعية مناطة بفئة محددة من المؤسسات أو الأفراد، بل أضحت محطَّ أنظار الاقتصاديين في العالم كله، وذلك بعد التطور الكبير والتغير الواسع الذي طرأ - وما زال - على السوق من خلال أثرها المتعدد على المجتمع وعلى المؤسسات.

إلا أن مناقشة المسؤولية الاجتماعية من منطلق إسلامي لم يأخذ حظه الوافر من التأصيل والدراسة، وهو يحتاج إلى بعث وتنشيط؛ فنصوص الشريعة الإسلامية وجهود الفقهاء والاقتصاديين المسلمين ملْأَى بالعطاء؛ لأن الشريعة الخالدة متوافقة مع متطلبات الحياة الإنسانية في مراحلها وتطوراتها جميعها، وهي متوافقة حتماً مع حاجيات الحياة الإنسانية في هذا العصر وفي كل عصر؛ مصداقاً لقول الله - عــز وجل -: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12]، وقول الرسول  - صلى الله عليه وسلم - : «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيءٍ يبعدكم من النار إلا وقد حدثتكم به»[1].

لقد أصبحت المسؤولية الاجتماعية للشركات ضرورة اقتصادية لهذه الشركات إلى جانب كونها ضرورة إنسانية تمليها المسؤولية الأدبية لأيِّ كيان يعيش في بلد من البلاد. وهي من هذه الزاوية تجمع بين الحسنيين: الربح المادي، وتحمُّل مسؤولية المجتمع؛ ابتغاءً لمرضاة الله عز وجل، وعملاً بقول النبي  - صلى الله عليه وسلم - : «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[2].

إن لكل مجتمع من المجتمعات هموماً وقضايا تشغله، كما أن للمجتمع العالمي هموماً مشتركة تحتاج إلى مساهمة الشركات بصورة فاعلة في التعامل معها والمشاركة في حلها. أذكر على سبيل المثال: مشكلات البطالة والتعامل مع الثورة المعلوماتية المتجددة وبعض المشكلات البيئية كالتلوث خصوصاً: زيادة الكربون وغاز الأوزون وغيرها من القضايا العالمية، إلى جانب القضايا المحلية التي تهم كل مجتمع بذاته؛ كقضايا الأمية في  بعض المجتمعات وتخلف الوعي الصحي وغيرها.

وهنا يأتي التطبيق العملي لقول الله - تعالى -: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، فماذا لو عملت الشركات المحلية - مثلاً - على دعم مشروعات علمية، أو تنظيم برامج تدريبية في التثقيف البيئي أو المعلوماتية يقوم عليها مشروع مدعوم علمياً وفكرياً وتربوياً وإدارياً، وطرح الإعلان لها إما عن طـــريق الإعـــلام بروافـــده المختلفــة أو عن طريق المؤسسات التعليمية والثقافية والحكومية، بحيث يغطي عائد هذه البرامج تكلفتها الفعلية ويزيد هامشاً في الربح ليكون تشجيعاً للشركة على مواصلة مسؤوليتها الاجتماعية، إلى جانب المردود الاقتصادي الكبير المتمثل في الدعاية لهذه الشركة، وهي دعاية عملية يشعر فيها المجتمع بنفعيته أكثر مما يستمتع بمشاهدة الإعلانات مدفوعة الأجر في وسائل الإعلام، والتي لم تصبح مرغوباً فيها عند كثير من شرائح المجتمع نتيجة للتنافس الشديد بين الشركات وما سمي اجتماعياً بمصطلح «ضرب العلامة التجارية» وإغراق السوق بالسلع المضروبة، فأصبح البديلُ الإعلاني الصحيح للشركات هو اندماجها في المجتمع وانتماءَها له؛ فإن انتماء الشركة للمجتمع يزيد في انتماء المجتمع لها، دون أن تتخلى الشركة عن أهدافها الربحية.

إن النبي  - صلى الله عليه وسلم -  يقول: «احرص على ما ينفعك»[3]، وهي قاعدة عامة في التعامل سواء كان فردياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، والمطلوب من الشركات في هذا الصدد إدخال هذا المفهوم الشريف لهذا الحديث النبوي في موازناتها؛ فبدلاً من الحرص على رافد واحد من النفع وهو الربح المــادي لمــاذا لا يكون الحرص على أكثر من رافد في العمل الواحد؟ ولا مانع في هذا الإطار من تحقيق مبدأ التعاون على البر والتقوى من خلال مد جسور التعاون بين الشركات والمؤسسات، حيث يكون جو الصداقة والتعاون والنماء الذي تتمثل بركته في مشاريع تجتمع فيها المسؤولية الاجتماعية مع الربح المادي.

وهناك جانب مهم من جوانب المسؤولية الاجتماعية للشركات وهو ما يمكن أن يعبّر عنه بأخلاقيات السوق؛ فقد جاءت الشريعة الإسلامية بنُظم كفيلة بإحلال الأخلاقيات الطيبة في السوق الاقتصادي، فحاربت الغش والخديعة وترويج السلع بالوسائل غير الصحيحة كقول النبي  - صلى الله عليه وسلم - : «من غشنا فليس منا»[4]، كما حرمت بيع السلع المحرمة التي تعين على الرذيلة، ويكفي في ذلك قوله - تعالى -: {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور: 19]. وهذه التشريعات كلها تهدف إلى بناء كيان اقتصادي شريف ينزع إلى الفضيلة، ولا يكون الربح المادي همه الأخير على حساب المجتمع أفراداً «وقيماً».

لعل ما سبق رؤوس أقلام أملتها ضرورة المشاركة بروح إسلامية في موضوع طرح بإلحاح على الساحة الاقتصادية والاجتماعية العالمية؛ عسى أن يكون لي أو لغيري مفتاحاً لتعميق النظرة الإسلامية وتفعيلها في واقع العمل الاجتماعي للشركات، على الأقل على المستوى المحلي في ظل نظام إسلامي منَّ الله به على هذا البلد الطيب، تراعى فيه حقوق الله ويعمل فيه للرقي المتكامل من جوانبه جميعها.

 



[1] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/263، 264: واه، الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

[2] رواه مسلم.

[3] أخرجه مسلم: باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله: 6716.

[4] رواه مسلم: 279.