-  لكن أليسوا بشراً لهم حقّ الماء والشمس والهواء؟!

- بلى ولكن ليس على حساب  غيرهم..

سرت إجابتها في جسد محمود سارية كالكهرباء! وأنبأته أحاسيسه بأن (تانيس) لا بد أن تكون إحدى اثنتين.. إما أنها يهودية أو قريبة منهم مغسولة الدماغ..

راح محمود يضرب أخماساً بأسداس، ويتساءل: من تكون (تانيس) هذه التي تعرف إليها عبر التراسل.. ومما زاد الأمر تعقيداً أن صورتها الملونة قد صارت بين يديه وتحت ناظريه فها هي تبدو له بوضوح مشلولة النصف الأسفل وهي ترقد في كرسيّها الخاص.

حار فيها محمود من جديد، بل صدم وهي تنادي بحق أولئك الأوغاد.. بينما هي نصف كائن حيّ فكيف لو كان نصفها الآخر سليماً؟!

لاحت له عشرات الصور التي اختارتها ذاكرته الحيّة فيما بعد.. صور المآسي والمذابح المتكررة التي تدفقت بها مسلسلات التآمر من هؤلاء المجرمين..

تسلل السؤال إليه من جديد:

- ترى أتكون واحدة منهم أم هي ضحيّة التضليل المتآمر؟

حدثته نفسه من جديد:

- لا بد أن أتركها لزميلي خالد، فهو الأقدر على محاكمتها وتوجيه وعيها كما يجب.
..
سألتْ خالداً:

-  أين استقرّ المقام بمحمود؟

كان جوابه لها واضحاً...

- لقد غدا طيراً يحارب دفاعاً عن وطنه!

- لمست (تانيس) مدى ما يشغل بال محمود وما يحتلهُ من هاجس ذلك الوطن..
فانكمشت تراجع حساباتها.

ولما سألها خالد ذات يوم:

- هل تعلمين بمذابح هؤلاء الذين توزّعت نفسك حسراتٍ عليهم؟

أجابت بصدها:

- طبعاً لا؟

توقع خالد هذا الجواب منها.. وراح يضعها في الصورة الصحيحة للمأساة التي يتسببها هؤلاء..
عرض عليها إحدى تلك المآسي وهي مذبحة كفر قاسم وأنها من صفحات سفرهم الأسود الملطخ بدم الأبرياء من أهل ذلك الوطن المغتصب تحت سمع العالم وبصره جهاراً نهاراً! منذ قرابة عقود سبعة، ولا من منصف لهم وهو ما اضطرهم إلى إلغاء الانتظار أو الاسترحام من أي كان.. ليجدوا أنفسهم هم المعتدين الجناة لا المجني عليهم كما يروّجون لهؤلاء المساكين أصحاب أنصاف العقول!

وبعد مراسلة سنوات ثلاث أو يزيد وفي طريقه إلى إحدى المكتبات، استوقفت محمود صفحة في إحدى المجلات الأدبية معنونة: ترجمة خمس قصائد كندية، كانت إحداها بعنوان كفر قاسم.. تكفّل العنوان بإعادة ذاكرته إلى الوراء قليلاً، ليبدو منتصفاً من (تانيس) الظالمة المظلومة.

تنهّد.. والآية الكريمة تتصاعد من داخله: {وَقُلْ جَاءَ الْـحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81].

هدأت سريرته وهو يتمتم من جديد..

الحمد لله.. الحمد لله!