زخَّات المدفع الرشاش أطربته رغم أنها دفعت النوم بعيداً عن عينيه تلك الليلة، ورغم أنَّه تصرَّف ببسالة منقطعة النظير في موقعه المتقدم المطل على ذلك الموقع في مواجهة يهود البلدة المجاورة.
ثمة شيء مَّا يدعو غسان إلى الفضول، بل يشده شدّاً... فهو يعرف زملاءه جيداً، وبخاصة الذين يتوزعون حوله كلٌّ في موقعه. أما هذا الذي يرسل الرشقات بانتظام ودقَّة ويرتدي منديلاً أخضر يلفُّ به رأسه، فهو لم يَعْتَده أو يألفْه من قَبْل.
سرحت به ظنونه وأفكاره: تُرى أيكونُ متطوِّعةًً جديدةً وجدَت نفسها في هذه المواجهة المفروضة، وهي التي نزلت إلى الساحة غير مستأذنة من أحد؟ ثم من قال: إنَّ مواجهة العدو تحتاج لاستئذان أحد كائن من كان؟
لكن الذي يحيِّرُ غسان هو مدى التوفيق في التصويب وفي المتابعة للهدف، وهو ما لا يتأتَّى عن غير رجُلٍ شرسِ النزال قوي والشكيمة.
تسربَ الفضولُ إلى غسان لمعرفة هذه اللبوءة الشرسة، فاستمات في سبيل معرفتها، وقرَّر أن يقدِّم جهداً إضافياً تحيةً لها، بل يمكننا القول: إنها كانت سبباً ودافعاً لمدِّه بتلك القوة الخاصة التي وجدها تمورُ في أوصاله المجدولة، كنخلة شامخة على أرض الرافدين، أو زيتونة مباركة على أرض بيت المقدس.
راح غسان يعيد حسابه من جديد، فأعمل خطة في مواجهة الموقع، وها هي تتضاءل، والرماية تضعف من ذلك الموقع؛ فهل يعني هذا شيئاً في المنظور العسكري له؟
استخدم المنظار، وراح يُعاين الموقع بترقُّب كبير، فلم يجد سوى اثنين من جنود العدو، ثم أعمل خطة في الكمون والاقتحام، وقرر الالتفاف عليهما، ضامناً مشاغلتهما من تلك المرأة المقاومة.
تسلل من الممر الصخري ملتفاً إليهما، وما إن وصل إلى أقرب نقطة ممكنة حتى رماهُما برمَّانتين ألقاهُما من الأعلى فنزلتا فوقهما ومزقتهما أشلاءً تناثرت حول الموقع، ثم هدأت المواجهة من بعده، واطمأن غسان إلى أن الجوَّ خلا له وللاقتحام والاغتنام فأخذ يجمع ما حلا له.
غير أن ما أثاره من جديد، أن المقاوِمة لم تعد ترمي على ذلك الموقع ممَّا أثار التساؤلات في دخيلته:
- هل تابَعتِ الموقف فشاهدتْ وعرفتْ؟ أم هل نفذت ذخيرتها وتنتظر المدد؟
أعطاها إشارة مطمئنة، لوَّح بيديه عند انبلاج الصبح؛ حيث رآها بوضوح. بادَلتْه ابتسامة الظفر مُلوِّحةً له.
اقترب منهُ رفاقه الخمسة المحيطون، وكانت واحدة منهم، فسألهم: من تكون؟ فأجابت:
إنني أرملة الشهيد أبي دعاس، قرَّرت التمرد على الانتظار القاتل، فاتخذت قراراً بانتهاج درب أبي دعاس، وها أنذا اليوم أشكل إضافةً نوعيةً لكم؛ فهل تمانعون؟
رمقها الرفاق بعيونهم الصقرية، والابتسامُ يسابقهم إليها مكبرين... أجل! هنيئاً لشعب تُكملُ نساؤه الرجال، وهنيئاً لشعبٍ يرسمُ دربَهُ رغم المحال!