يزعـم عـلـمـاء أهــل الـكـتـاب أن أسـفارهـم «المقـدسـة» لا تحـوي أثراً لاسـم محـمـد - صلى الله عليه وسلم -  البتـة، وأن قـول الله - عز وجل -: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ} [الأعراف: 157]  هو محاولة إضفاء الشرعية والقداسة على الرسالة الخاتمة، رسالةِ الإسلام التي هي عندهم دين مقتبَس عن اليهودية والنصرانية. وبغضِّ النظـر عن هـذه المزاعـم الباطلة إلا أن الحديث عمَّا يسمى بـ «الكتاب المقدس» (Holy Bible) ليس في الحقيقة حديثاً عن التوراة والإنجيل اللذين هما كتابان منـزلان من عند الله. وبناءً عليه فلو لم يرِد اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم «المقدس» الذي بين أيديهم ما كان ذلك قدحاً في تقرير القرآن الكريم.

فـ «الكتاب المقدس» ينقسم إلى قسمين رئيسين:

العهد القديم: ويشترك في الإيمان به اليهود والنصارى، ويحوي هذا القسم أحكاماً وقصصاً تمتد من بدء الخليقة إلى القرن الخامس ق. م تقريباً، كتبها عدد من المجاهيل الذين لا يُعلم حالهم.

أما العهد الجديد: فلا يَقْبَلُه سوى النصارى، ويشتمل على سيرة المسيح - عليه السلام - كما لفَّقها كُتَّابها: متَّى ومرقُص ولوقا ويوحنا، بالإضافة إلى رسائل يُنسَب بعضها إلى بولس اليهودي وبعضها إلى غيره.

ولكن لتطمئن قلوب المؤمنين وتزداد قلوب الجاحدين حسرة، ولا يُتَّهمَ المسلمون بالحيدة عن الجواب على أي حال، أُورِد هنا فِقْرات من العهد القديم الذي يتفق اليهود والنصارى على قَبُولها، بقي فيها اسم «محمد» - صلى الله عليه وسلم - صريحاً رغم عبث العابثين. وبغضِّ النظر عن صحة نسبة النص إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أو بطلانه، فإنها تبقى شهادةً تاريخية سابقة لبعثة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ودليلاً على ورود اسمه الكريم منذ ذلك الزمن في وحيٍ أصيلٍ أخفاه الأحبار والرهبان، كما أخفوا غيره من الكتاب. وسأكتفي في هذا الجزء من المقال ببيان التحريف الذي نال النص دون بيان معناه الأصلي الذي سأُفرِد له الجزء الثاني إن شاء الله.

ترِد هذه الفِقْرات في سفر «هوشــع» – وهــو أحد أسفار العهد القديم المعتمَدة – في سياق توبيخ بني إسرائيل على ما اقترفوه من الخطايا والآثام؛ إذ خاطبهم «الرب» قائلاً:

«1 لاَ تَبْتَهِجْ يَا إِسْرَائِيلُ وَلاَ تَطْرَبْ كَبَقِيَّةِ الشُّعُوبِ، لأَنَّكَ قَدْ خُنْتَ إِلَهَكَ وَهَجَرْتَهُ، وَأَحْبَبْتَ أُجْرَةَ الزِّنَى عَلَى كُلِّ بَيَادِرِ الْحِنْطَةِ. 2 لِهَذَا فَإِنَّ الْبَيْدَرَ وَالْمِعْصَرَةَ لاَ يُطْعِمَانكُمْ، وَالْخَمْرَةَ الْجَدِيدَةَ لاَ تُلَبِّي حَاجَتَكُمْ. 3 لَنْ تَظَلُّوا مُقِيمِينَ فِي أَرْضِ الرَّبِّ بَلْ يَرْجِعَ أَفْرَايِمُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَيَأْكُلُوا لَحْماً نَجِساً فِي أَشُّورَ. 4 لاَ تَسْكُبُوا لِلرَّبِّ خَمْراً وَلَنْ تَسُرَّهُ ذَبَائِحُكُمْ، بَلْ تَكُونُ لَكُمْ كَخُبْزِ النَّائِحِينَ. كُلُّ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ يَتَنَجَّسُ؛ إِذْ يَكُونُ خُبْزُكُمْ لِسَدِّ جُوعِكُمْ فَقَطْ، وَلاَ يَدْخُلُ أَبَداً إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ». [هوشع 9: 1 - 4]

وبعد فِقْرات من التوبيخ يسألهم الرب قائلاً:

«ما تعسو ليوم موعِيد وليوم حج يهوه؟ كي هيني هالخو مشُّود. مصرايم تقبصم، موف تقبرم، مَحْمَد لخسبام، قيموش ييراشم، حوح بأُهُليهم. باؤو يَمي هبّجوداه، باؤو يمي هشِّلُّوم. يِدعو يسرَئيل إفيل هنَّفي، مِشُجَّع إيش هروح؛ عل روف عفونخا، فِرَبَّاه مسطماه».

وتفسيره وِفْقَاً لأغلب التراجم العربية والأعجمية – مع فروق يسيرة –:

«5 ماذا تصنعون في يوم الموسم وفي يوم عيد الرب. 6 إنهم قد ذهبوا من الخراب؛ تجمعهم مصر، تدفنهم موف، يرث القريص نفائس فضتهم، يكون العوسج في منازلهم. 7 جاءت أيام العِقاب، جاءت أيام الجزاء سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد».

إن جُلَّ الترجمات العربية والأعجمية فسرت هذا النص تفسيراً عجباً لا يكاد يُعرِب عن معنى ذي فائدة، بل لا يعدو أن يكون رصّاً لجُمَل متنافرة لا يربطها رابط؛ فما هو «يوم الموسم»؟ وما هو «يوم عيد الرب»؟ وما معنى «سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد»؟
وهاك نماذج من هذه الترجمات وأغلاطها:

- النسخة السبعونية اليونانية (Septuagint): «لأنهم أُولاءِ يخرجون من بلاء مصر»[1].

- النسخة الدولية الجديدة (NIV): «وإن فروا من الخراب، مصرُ تجمعهم»[2].

- النسخة القياسية المنقَّحة (RSV): «لأنهم أولاء يخرجون إلى أَشُّور، مصرُ تجمعهم»[3].

إن العجب من هذا التباين سُرعان ما يتلاشى إذا ما رجع الباحث إلى النص العبراني لسفر هوشع ليرى أن الترجمات المختلفة أبعد ما تكون عن الدقة، وإنما أُوكِلَت في كثير من الأحيان إلى من ليس من أهل اللغات «السامية»[4] وإن كان من المختصين بها؛ فتراه يقلِّب معاجم العبرية ويهرع إلى أي معنى يحتمله السياق، وهو لا يمتلك سليقة تدلُّه على المعنى المراد من بين عشرات المعاني أحياناً. وجُلُّ الترجمات إنما قام بها هؤلاء الأعاجم.

فالنسخة السبعونية اليونانية أضافت كلمة  (talaiporias) التي تعني الشدة والبلاء (أو الخراب أحياناً) إلى كلمة (Aiguptou) (أي: «مصر») لتصبح العبارة «بلاء مصر». ومع أن هـذا المعنـى مقبـول في نفسه إلا أنه لا ينسجم أبداً مع السجع المقصود في النص كما سيأتي بيانه بعد قليل.

كما نلحظ أن ما اعتبرته النسخة «السبعونية» اليونانية إضافة اعتبرته «النسخة الدولية الجديدة» (NIV) كلمتين منفصلتين؛ فـ «من بلاءِ مصرَ» تصبح «من الخراب، مصرُ...».

أما «النسخة القياسية المنقَّحة» (RSV) فقد أغربت كثيراً حتى إن المرء ليتساءل: أي يد خرقاء قامت بذلك؟ فقد ترجمت حرف الجر «مِ» (ومعناه «مِن») بـ «إلى»، وهو عكس المقصود تماماً! ثم فسرت كلمة «شود» بـ «أشُّور»، فصارت «يذهبون إلى أشور». وأي تشابه ثمة بين (ش - د) و (ء - ش - و - ر) في العبرانية حتى يُلْتَمَس العذر للمترجم؟ إنه مثال بيِّن على تحريف المترجمين، لا يمكن تفسيره إلا أنه اتباع للهوى أو جهل مُطْبِق. ولعل قارئاً نبَّه دار النشر إلى هذا الخطأ الفادح فغُيِّر في «النسخة القياسية المنقَّحة الجديدة» (NRS) إلى «وإن فرُّوا من الخراب» على غرار «النسخة الدولية الجديدة».

لقد كانت اللغة العبرانية لهجة من اللهجات العربية القديمة كالسبئية والثمودية، تَحدَّث بها الكنعانيون العرب الذين قطنوا فلسطين. ثم اتخذها اليهود لساناً لهم، وأسمَوها «سِفَّت كنَعَن»؛ أي «لسان كنعان» كما يشهد لذلك سفر إشعياء (19: 18). لكنها لما فقدت علاماتها الإعرابية – كحال كثير من اللهجات العربية القديمة – أصبح من الصعوبة تحديد المعاني بدقة كما في النص الوارد أعلاه؛ فلو كانت كلمة «مصرايم» تحمل علامة رفعٍ لعُلِم أنْ ليست متعلقةً بـ «شود» (أي: «بلاء»)، بل هي جملة مُستأنَفَة. وفي هذا تقول الموسوعة البريطانية «كان للغة السامية [العربية الأُم] في الأصل ثلاث حالات: (الرفع، والنصب، والجر). لكن العلامات الإعرابية التي ميزت تلك الحالات لم تُحفظ حفظاً كاملاً إلا في بعض اللهجات الأكَّادية وفي العربية الفصحى»[5].

أعود فأقول: إن القارئ للفِقْرتَين (5 و 6) في أصلهما العبراني لا يغيب عنه ما فيهما من تناظر وسجع تنتظم به الجمل تلقائياً دون تكلُّف أو تعسُّف. يقول النص:

مِصرايم تِقبِّصِم[6]            (مصر تحشرهم)

موف تِقَبِّرِم                  (موف تقبرهم)

مَحْمَد لِخَسْبَام                (نفيس فضتهم [؟])

قِمُوش يِيراشِم               (القريص[7] يرثهم)

حُوَح بأُهُليهم                 (العوسج في منازلهم)

 
فيلحظ أن الجمل الثلاث الأُولَى تبدأ بالميم، كما أن كل جملة تنتهي بميم الجمع التي تقابل «هم» في العربية، وهو نظم يذكرنا بجرس الموَشَّحات الأندلسية.

فتبين عند اتباع النظم الصحيح للنص أن «مصرايم» في محل رفع مبتدأ وليست مضافاً إليه كما اقترحت النسخة السبعونية. فلما أخطأت النسخة السبعونية في اعتبارها «[مِـ] شُّود مصرايم» مضافاً ومضافاً إليه، ترتب على ذلك أن أعادت صياغةَ الفِقْرتَين بعدها على النحو التالي:
تقبصم موف (تحشرهم موف)

تقبرم محماس (تقبرهم محماس [؟])[8]

لخسبام قيموش ييراشيم (أما فضتهم فيرثها الخراب)

حوح بأُهُليهم (ويكون العوسج في خيامهم)

وبهذا أفقدت النسخة السبعونية النص نَظْمَه وإيقاعه، بل أخلَّت – كغيرِها من النسخ – بقواعد الإعراب في الجملة الثالثة كما سأبيِّنه في الجزء الثاني من المقال، إن شاء الله.

 


[1] «dia touto idou poreusontai ek talaiporias Aiguptou».

[2] “Even if they escape from destruction, Egypt will gather them.”

[3] «For behold, they are going to Assyria; Egypt shall gather them…».

[4]  درج وصف «السامية» على الألسن رغم خطئه، والصواب أن يقال: «اللغات العربية القديمة» أو نحوه.

[5] Encyclopedia Britannica. “Semitic Languages”.

[6] من «قبص» العبرانية (ويقابلها في العربية «قبض») بمعنى «جمع» أو «حاز».

[7] أو القُرَّاص، وهو نبات.

[8] وهو تحريف للكلمة الأصلية «م - ح - م - د» كما سأبينه في الجزء الثاني إن شاء الله.