اِنحنت عليّ محدّثتي وهمست بكلام كأنّها تخاف آذاناً قد تلتقط ما تسكبه في أذني.. قالت وقد اغرورقت عيناها بدمع كاد يبلّل حجابها المسدل:

- أتعرفين دمع القهر؟ هل عشتِ يوماً ملاحقة من البوليس السّرّي يقفو خطواتك ويعُدّ أنفاسك ويكبّل تنقّلاتك؟ هل ذقتِ يوما طعم ساعة ذلّ وهوان أتجرّعها غصباً كلّما أوقِفْتُ بمركز الأمن؟ هل تعرّضتِ لحظة لبذيء الكلام يتفنّن جلادك في صبّه في آذانك قسراً دون حياء؟ هل عرفتِ يوماً نظرات شفقة تطردك من بيوتها حتّى لا يلحقها أذى الاستخبارات؟ هل سمعتِ يوماً بمن مثلي تُغتصبُ على مرأى من زوج لا يستطيع أن يفعل شيئاً لزوجة يُنتهك عرضها وتُمزّق ثيابها ويُلامس جسدها عارياً؟ وحتّى وإن أغمض عينيه متجاوزاً عن تلك المشاهد تُجبره السّياط القارعة لجلده على أن يساير الحدث إلى أن يرى الدّم منها ينزف والحياء عنها يُغتصب؟ هل تناهى إلى مسمعك حديث حول الفندق الذي كان ينزل أمثالي ينام حيث يتغوّط ويتوسّد السّلاسل الثّقيلةَ ويرمق بنظره أرض الغرفة وقد تناثرت فيها الأظافر المُقتَلعة وجُزّ فيها الشّعر؟.. ماذا أحكي لك حتّى أشبع سمعك؟ ماذا أنقل من مرير الأحداث حتّى أقول؟.. ليتني أفقد الذّاكرة فأجنّب نفسي عذاباتها المتواصلة وأُشفق على من تبقّى من إنسانيّتي المشوّهة..

كبّلتُ بالأغلالِ دمعةً كادت تسرح على خدّي، ليس بُخلاً في مشاعري مع من عاش الألمَ والقمعَ والقهرَ بقدر ما كانت تهويناً عليها حتّى لا أزيد من استنزاف ألمها وهي تذكُره بأدقّ تفاصيله.

ربّتُّ على كتفها ونشرت بسمةً تمسح حزنها السّاكنَ في جنباتها رغم مرور السّنوات وقلت:

- لا تتنهّدي يا صديقتي ففجرنا سينبلج قريباً.. اِحتسبي ما مرّ بك من أهوال لمن اختارك دوناً عنّا ليجعلك في صفوف الأخيار الصّابرين وللغيظ كاظمين، وهو وحده الكفيل بأن يعيد لك حقّاً سُلب منك يوماً.

- ونعم بالله.. أنا لا أشكّ لحظة في عدله وإنصافه، بل هي لحظة ضعف أسررتُ لك بها، فالله إن أمهل عدوّي فلن يهمل دعائي وتضرّعي.

 - صدقتِ يا أخيّتي.. فما أجمل حسن ظنّ العبد بمن لا يخيب فيه الظّنّ والرّجاء.

- لكنّي كلّما تذكّرتُ تلك الأيّام النّحس تهيج أحزاني ويُشحن جسمي بصيحة لو أطلقتُها لسمِعها الثّقلان، لكنّ الأغلالَ التي أحيطها بها أسهمت بأن تجعلها حبيسةَ الجدران فيزيد ذلك من قهري كلّما قلَّبْتُ في الماضي، وأشعر بنفسي المجروحةَ مثخنةً بالأحزان تعيق حركتها قيودٌ لا قِبلَ لها من الأثقال.

أصغيتُ لها بكلّ جوارحي فواصلت كلامها كمن فُكّت قيودُ لسانه فجأة ونسيتْ الزّمن والمكان وصارت لا تهتمّ لمن يسترق السّمع كأنّ يداً خفيّة شحنتها بالشّجاعة والقوّة، فقالت:

- أذكر ذاك اليوم.. كان من أيّام الشّتاء وقد خيّم سكون اللّيل كطائر كاسرٍ يبْسُط جناحيْنِ عملاقيْن، وصارت الشّوارع مقفرة من كلّ حركة.. كان يوم سبت وقد انتشرت روائح الكحول في زواياه من الشّبابِ المعربدين.. كنتُ مُراقَبَةً من قِبَلِ البوليس السّرّي كالعادة.. حاولتُ جاهدة أن أراوغه للإفلات منه فدخلتُ أزقّة وأنهجاً حتّى نجحتُ في أن أجعله يفشل في ااقتفاء أثري.. بقيتُ زمناً أنتظر يأسه ورحيله، ثمّ خرجتُ من مخبئي في ساعة متأخّرة من اللّيل ولما تيقّنتُ من ذلك قصدتُ منزل خالتي أطلب المبيت والاسترخاء.. فتح زوجها الباب موارباً وقال بصوت غير الرّاغب في استضافتي:

خالتك ليست بالمنزل.

أسررْتها في نفسي وأنا أسمع صوتها يسأل:

 - من بالباب...؟

ولم يقف عند ذاك الحدّ من الإهانة، بل واصل قائلاً بكلّ برودة أعصاب:

- لقد كان عون الأمن هنا يسأل عنك ونحمد الله أنّك لم تكوني حينها بيننا.. انتبهي لا نريد أن نراك هنا مجدّداً وانسي أنّك عرفتنا يوماً.

جررتُ أذيال الخيبة ونفسي تنزف من ألسن الأهل.. لم أعرف وجهتي ولا إلى أن تقودني أقدامي.. فأين تذهب فتاة نازحة لا تعرف من أهل المدينة غير تلك الخالة؟

سكن الشّيطان اللّعين عقلي وصار يخوّفني من مغبّة انتمائي وما جرّه لي من المشاكل والمصاعب، وأخذ يحفّزني ويزيّن لي أمر نفسي بأن أترك المسار الذي اخترته منذ نعومة الأظفار:

- ماذا ستفعلين لو اعترضتك كلاب الشّارع السّعرانة في مثل هذا الوقت؟ ماذا سيفيدك نشاطك الدّعويّ لو فقدتِ أعزّ ما تملك الفتاة؟ ماذا سيقول عنك الأهلُ والأصحاب وهم يقدحون في شرفك ويرمونك بالعهر؟ ستكونين حديث الألسن المتعطّشة لهتك الأعراض.. ستعشين غيابياً مجالسَ الخاصّة قبل العامّة.. ستصيرين العلكة التي لا تملّها الأفواه ولن تكون لك القدرة حتّى لرفع رأسك للسماء متوسّلة بالدّعاء.. عيشي حياتك بالطّول والعرض واستمتعي بشبابك وجمالك فما خُلقنا إلا لنستمتع بملذّاتها وفتنتها.. انظري إلى أندادك وهنّ يملأن النوادي والملاهي مائلات مميلات قاهرات لقلوب الشباب وأنت ككيس بلاستيكيّ ملفوف لا يَفْقه لك أحدٌ رأساً من أرجل، تثيرين الاشمئزاز والسّخريّة والشفقةَ ظنّاً منهم أنّك اخترت ملابسك لقلّة ذات اليد في اقتناء أفخر اللباس وأنّك لم تعتادي دخول المحلاّت الفاخرة التي اعتادها أمثالهم.. جِدي لك صديقاً تقاسمينه الحبّ والغرام فيصنع لك عالماً حالماً تسرقين منه سعادتك ولو إلى حين.. لماذا تسجنين مواهبك وتكبتين غرائزك والحال أنّ كلّ بهرج الدّنيا يناديك ويناغيك؟ لا تتردّدي في ولوج عالم رائع بل فاتن حدّ الجنون.. ستعشين جنون السّعادة بأتمّ معنى الكلمة ولن تجدي له ما يعادله من اللذة.. وأنت في لحافك هذا وشكلك المقزّز لن تتزوجي ولن يكون لك نصيب من راحة البال.. لن يكون لك أولاد وأنت التي تصنعين لهم عالماً داخل خيالك.. اقتنعي بأنّ القصور الفخمة لم تُخلق إلا لمن يقاسمها جمالاً ساحراً وانطلاقاً لا حدود له وإغراء فاضحاً.

صارت تقاذفني الهواجسُ كما تتقاذفُ الأمواجُ العاتيةُ حُطامَ السّفنِ وتذكّرْتُ أنّ الشّيطانَ لا يُخوّفُ غيرَ أوليائهِ فأسرعتُ أُلَمْلِمُ أشلاءَ نفْسٍ كادت تعبثُ بها العواصفُ.. حينها أحسستُ بيدٍ تمتدُّ لي في حُنوٍّ وتمسحُ ما كان بي من ضيقٍ وكَدَرٍ ووجدتُ نفسي أطرق باباً تذكّرتُ للحظتها أنّي أعرف أصحابه كأنّ القدر كان يأخذُ