ما إن شاهد الأسد ثورين  وعجلاً صغيراً يتهادون نحوه، حتى افترش الأرض ومد قائمتيه الأماميتين، وثنى قدميه تحته متخذاً من أعواد الحطب اليابسة ساتراً يحجزه عن عيون الفرائس القادمة على غير موعد، وسرعـان مـا تبعته أنثاه وثلاثة أشبال كانوا خلفها.

التفت الأسد إلى أنثاه هامساً: انتبهي إلى أشبالك كي لا يتحرك أحدهم فيلفت انتباه الفرائس فتشعر بوجودنا وتهرب.

طمأنته بصوت حازم هامس: لا تخف، فأنت قد دربتها كثيراً على مثل هذه الظروف التي لا تحتمل الخطأ.

- ولكني أخشى أن ترانا قبل أن نهجم عليها؛ فأعواد الحطب - كما ترين - قصيرة ومتباعدة بعضها عن بعض.

- لا تخشَ من شيء؛ فالفرائس لا تنظر أمامها، أمعن النظر إليها فهي تتبختر في مشيتها، وتناست أنها تسير في الغابة. بل والأعجب أنها لا تأبه لوجود الأسد وأتباعه.

عاجلها بنظرة تطايرت منها سهام الحزم فرشقت رأسها، وأومأ لها برأسه في إشارة إلى الفرائس التي اقتربت كثيراً من الكمين.

نظرت إلى أشبالها واطمأنت على التزامهم الهدوء.

- رمش الأسد وتساءل باضطراب ولهفة: لماذا  توقفت الثيران؟

أردف: إنها تنظر إلينا... لقد اكتشفت الكمين... إنها تستدير... تهرب.

زأر الأسد وصرخ: هجوم... هجوم...

جرى الأسد في اتجاه الثور الأكبر، وجرت أنثاه باتجاه الثور الثاني، وطارد الأشبال  العجل الصغير. واستمرت المطاردة فلم تفلح مطاردة الأسد وكذلك أنثاه في اللحاق بالثورين وعادا أدراجهما يجران خزي الهزيمة وعارها، ولسان حال الأسد ينطق: كيف يدخل الأسد وأنثاه معركة ويخرجان منها مهزومين؟

نظرت إليه أنثاه وقد قرأت ما قاله في عينيه، وأجابته بصوت ملؤه الأمل: أشبالنا بالتأكيد انتصـرت؛ فأنا أرى غباراً كثيفاً يأتي من قبلهم! وأسمع زئير النصر ينطلق من حناجرهم، هيا أسرع لتحتفل بنصر أشبالك.

انطلق الأسد وأنثاه نحو أشبالهما، وما إن رأيا أشبالهما وهي تتعاون في إخراج العجل من النهر الصغير  الذي يشطر الغابة ويبث فيها الحياة حتى فرحا بالانتصار، وفرحا بروح التعاون العالية، التي وجداها في الظفر بالفريسة.

قال الأسد: انظري كيف يقضم الشبلان الواقفان على شط النهر بأنيابهما رقبة العجل الصغير ويحاولان جرَّه إلى خارج النهر.

أجابته أنثاه بفخر: بل انظر إلى شبلنا الذي ألقى بنفسه في النهر ليرفع العجل الصغير غير عابئ بمقاومته الشديدة.

ثمة لحظات كان العجل الصغير بعدها خارج النهر، ولكنه ما زال يقاوم.

هنَّأت الأم أشبالها، ونظرت إلى الأسد منتظرة أن يبدأ بالتهام ما يشاء من الفريسة، فهـي تحـافظ على النظام؛ الأسد يأكل حتى التخمة ثم تأكل هي ويتبعها الأشبال.

وما إن همَّ الأسد بغرس أنيابه في جسد العجل الصغير الممد على الأرض، والمكبل بأنياب الأشبال حتى صرخت الأنثى من هول ما رأت! انتبه الأسد لصرختها التي أزعجته، فوجه لها نظرات تطـاير منها الشرر صائحاً: ماذا دهاك؟

 قالت له بصوت مرتجف بعد أن ملأ الرعب قلبها: انظر خلفك؟

 وما أن استدار حتى أخذته المفاجأة التي أنسته من هولها شهوة بطنه! تساءل بصوت خافت سمعته أنثاه: ماذا أرى؟

قالت أنثاه في عجب متسائلة: هذا شيء لا يمكن تصديقه! في أي زمن نعيش؟ متى كانت الفرائس تتجمع بهذا العدد الكثيف وتأتي إلى حيث نكون؟

وقف الأسد رافعاً رأسه إلى أعلى في استكبار معتاد، ووقفت خلفه أنثاه. وما زالت الأشبال تكبل العجل الصغير بأسنانها وأنيابها الحادة، وما زال العجل الصغير يقاوم.

قالت الأنثى للأسد بحدة: ما لك لا تزأر؟ ازأر كي يتملك الخوف قلوبها فتنصرف خائبة، بل هاربة طالبة الحماية... ولا حماية لهم منك اليوم.

أجابها الأسد رافضاً رأيها: اصمتي... دعيني أسمع ما يتهامسون به.

قالت أم العجل الصغير لقائد القطيع - وهي منفطرة بالبكاء -: لا بد - يا قائدنا - أن تنقذ ابني مهما كان الثمن.

قال صوت خفي من الخلف: لا، يا قائدنا! كفى بنا أن أتينا إلى هنا فهذا إنجاز كبير أن يرانا الأسد واقفين هكذا؛ فقد يوحـي له موقفنا هذا بأن لا يهجم على أحدنا بعد اليوم.

قال صوت جهوري: لا، يا قائدنا! لا بد لنا من إثبات موقف أشد؛ علينا أن نعلي أصواتنا ونحرك أجسادنا معبرين عن رفضنا لهذا الاعتداء.

وقال صوت آخر: لا بد من المواجهة، كفانا خنوعاً واستسلاماً. وإذا انسحبنا الآن فلن يتركنـا عدونا؛ فهو لا يعرف منطقاً غير القوة. ونحن الآن في تجمُّع قد لا يتحقق ثانية.

 وعلت الأصوات وتداخلت، وتباينت الآراء حول الاكتفاء بهذا الحد من المواجهة وبين المواجهة الكاملة، وتحقيق النصر للعيش في أمن وكرامة.

وحـدث هـرج لم يوقفه إلا نداء القائد يأمرهم بالتزام الهدوء، والكف عن الجدال.

صمت القائد، ودارت في رأسه الأفكار؛ فقد تحمس في البداية لحديث الثورين الناجيين من المطاردة، واتخذ قراراً بالسير إلى حيث يكون الأسد، وها هم الآن وجهاً لوجه: فإما العودة بعد تسجيل الموقف، وإعلاء الصوت، وهز الأجساد، والنجاة من عواقب المواجهة. وإما المواجهة وخسائرها التي لا يعلم مداها، ولا يستطيع أن يقدر حجمهـا.

 دارت عيناه لتشمل كل القطيع، وتساءل في نفسه: هل يستحق الموقف ارتفاع الصوت، وهز الأجساد؟ وإن سجلنا الموقف: ألن يعيد الأسد الكَرَّة؟

أجابه صوت من داخله: لا، بل سيعيد الكرة مرة ومرات. لا مجال اليوم لتسجيل موقف... اليوم يوم مواجهة وتسجيل انتصار... اتخِذ القرار ولا تخف... خلِّص هذا العجل من يد الأسر... رُدَّه إلى أمه... أنت اليوم بقطيعك أكثر... لا تلتفت إلى أصوات الجبناء... اهجم على الأسود، فالكثرة تغلب الشجاعة.

انتبه قائد القطيع إلى الصوت الآتي من أعماقه: سأله من أنت؟

أجابه: أنا، أنت.

صاح قائد القطيع مردداً: نعم! إنها المواجهة... إنها المواجهة.

لم يتردد قائد القطيع في بدء الهجوم على الأسد، وكانت المفاجأة أن فرَّت أنثى الأسد من الخوف، فطاردها عجل من القطيع، وما إن رأت الأشبال أمها تجري حتى لاذت بالفرار تاركة وراءها العجل الصغير الذي ازدادت مقاومته بعد أن سمع صوت قائده مردداً: إنها المواجهة. فنهض واقفـاً على قدميه، نافضاً غبار الأسر عن جسده، رافعاً رأسه عاليـاً، متناسـياً جراحه التي ما زال الدم يتدفق منها، ناظراً بعزة إلى قائده، وبفخر إلى قطيعـه.  وأخذت عيناه تذرفان الدموع عندما وقعت نظرته على عين أمه التي لم يتوقف دمعها، فانطلق كالسهم ليستقر في حضنها... وشعرا بلحظة دفء عادا بعدها إلى الصف، واقِفَيْن مع جنود القطيع على أهبة الاستعداد للمواجهة القادمة.

ولم يبق في ساح المعركة إلا الأسد الذي أخذ يرجع القهقرى كلما همَّ (قائد القطيع) بالهجوم عليه، حتى لاذ بالفرار يتبعه (قائد القطيع) إلى أن توارى عن نظره.

فعاد (قائد القطيع) وفرحة الانتصار تملأ وجهه، فاستقبلته صيحات النصر التي هزت المكان هزاً.