أحمد: عم صلاح! لقد أحضرت لك أخر حساء تأكله اليوم؛ فغداً سيكون العيد.

عم صلاح: آهٍ... العيد؟ عيد بأي حال عدت يا عيد... لأمر قد مضى أم فيه تجديد.

أحمد : نعم العيد! فلن نصوم غداً، أنا سعيد  لأنني  سأكل من الحلوى التي صنعتها أمي، وسأشتري كثيراً من الشكولاته. لكن لماذا تبدو حزيناً كئيباً؟ ألا تحب العيد؟

عم صلاح: العيد هو عيد العافية يا بني! العيد هو فرحة الأطفال أمثالك . أما عجوز عاجز مثلي فقد أخذ نصيبه من البهجة و السرور والتمتع  بالعيد. يا بني! ما معنى العيد لمثلي يعيش على قارعة الطريق؟

أحمد: ألن يأتي أبناؤك لرؤيتك؟

عم صلاح: رؤيتي؟

أحمد: نعم  رؤيتك! فأنا سأذهب مع أبي إلى بيت جدي وسنتناول الغداء معه. إذا كانوا لا يستطيعون المجيء إليك, فلماذا لا تذهب أنت إليهم؟ ألا يوجد معك ثوب جديد للعيد؟

عم صلاح:  و ماذا ينفع الثوب الجديد؟ ومن سيحضِر لي هذا الثوب؟

أحمد: أنا سأحضر لك ثوباً من ثياب أبي يفوح بالعود والبخور.

عم صلاح:  لا عليك يا بني دع ثياب أبيك له؛ فماذا ينفع العود مع مَنْ زُكم أنفه برائحة الوقود؟

يرتفع صوت الأذان: الله أكبر، الله أكبر...

أحمد:  يجب أن أسرع للمنزل، لكن لا عليك سأحضر لك الثوب والحلوى والشكولاته وتذهب معنا لصلاة العيد.

ترتفع تكبيرات  العيـــــــــد...

يتقدم أحمد مع والده نحو المسجد محاذيين الرصيف حيث يقطن العم صلاح. يبحث أحمد بعينيه عنه . لكنَّ المكان يبدو مهجوراً للوهلة الأولى فقد تبعثرت (الكراتين) التي كان يفترشها. أخذ أحمد يتسأل: «أين ذهب العم صلاح؟ هل ذهب للمسجد بثوبه المرقع؟ لماذا لم ينتظرني؟ هل تأخرت عليه؟ لا بأس سأعطيه الثوب في المسجد. سأطلب منه أن يلبسه قبل أن تبدأ الصلاة».

دخل المسجد مع أبيه, ترك يد أبيه وأخذ يبحث بين الصفوف المنتظرة للصلاة وعيناه تجوبان الوافدين, الراكعين والساجدين. ولم يجد في أيٍّ من الوجوه وجه العم صلاح. أخذ يتساءل من جديد: «هل جاء أبناؤه وأخذوه؟ هل ذهب إليهم؟ لماذا لم ينتظرني؟» نظر صوب الباب  ولكن بلا جدوى، أُقيمت الصلاة فأخذ أحمد ينظر للمصلين وهم بين ركوع وسجود ينتظر العم صلاح! عاد بإحباط حيث جلس أبوه وسأله: «أين العم صلاح؟» لكن بدأ الإمام بإلقاء خطبة العيد فأحجم والده عن الإجابة وأشار إليه بالهدوء والتزام الصمت. استدار نحو جارهم أبي عبد الرحمن وسأله فنظر الجار إليه بإشفاق وأشار إلى طرف المسجد. انطلق أحمد مسرعاً إلى مقدمة المسجد حيث أشار الجار متجاوزاً الجالسين لكنه أيضا لم يجد العم صلاح . رجع حيث كان يجلس جارهم أبو عبد الرحمن وأعاد السؤال: «أين عم صلاح؟ لم أجده حيث أشرت!» أشار عليه الجار بالصبر حتى تنتهي الخطبة. جلس أحمد مكتئباً وهو  ينظر إلى الثوب بين يديه و يتحسس الشكولاته التي أحضرها ويفكر «ها هو الإمام ينتهي من خطبته ولم يحضر عم صلاح ولم يلبس الثوب الجديد».

ما أن انتهت الصلاة حتى بادر أبا عبد الرحمن: «أين عم صلاح؟ لقد بحثت عنه حيث أخبرتني ولكن لم أجده».

نظر الجار إليه باستغراب وقال: انظر هناك إنهم يحملونه. سنصلي عليه الآن.

اتسعت حدقتا أحمد ذهولاً و هو ينظر إلى حيث كان تُحمَل الجنازة وبالكاد نطق: «ماذا؟ متى؟ مستحيل! كنت البارحة معه!».

 أجاب الجار بهدوء: «لقد مات الفجر».

كبر المؤذن: «الصلاة على الميت يرحمكم الله...».

نظر أحمد إلى حيثُ وضع الجثمان النحيل والحزن يعتصر قلبه والعبرات تنسكب من عينيه تسكاباً. وقف ينظر ولا يبدو من العالم المحيط سوى العم صلاح يردد: «عيد بأي حال عدت يا عيد... لأمر قد مضى أم فيه تجديد».