كثيرون هم الذين يعارضون نظام التقاعد ويعتبرونه قتلاً للطاقات والإبداع ووأداً لتراكم الخبرات والمعرفة، بينما كل العقلاء متفقون على أن الإنسان لا يمكن أن يظل طوال عمره منتجاً معطاءً، وأن هناك مرحلة تنتظر كلَّ واحد منا في مشوار حياته يخيم تحتها مستقراً مكملاً بقية حياته. هذا في إطار العمل المؤسسي الذي ينتظم بهيئات وإدارات وكتل ونحوه. وأما رسالة الحياة العامة التي هدفها الأسـاسي والأسمى مرضاة اللـه - تعالـى - وتحقيـق العبـودية لـه وحدَه - سبحانه - فهـي لا تعرف تقاعداً ولا إجازة ولا راحة فالعمر كله يُستنفَر لعبادة الله وحدَه حتى آخر نَفَس. يقول - تعالى -: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 162 لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163]، ويقول {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩]. وليس هذا موضع حديثنا.

ونظام التقاعد كغيره من الأنظمة يقدَّر بقدره ووقته ومكانه، وما تحديد سن التقاعد المنصوص عليه قانونياً إلا مبنيٌّ على استقراء عمر الإنسان ومدى استجابة هذا العمر في بعض مراحله للعطاء والبذل. وهذا لا يستوي فيه كل الناس؛ بل من الناس من تتمنى لو يتقاعد في سن مبكرة جداً؛ فهو أجدى وأفضل له ولفريقه، ومنهم من لا يمنعه طول العمر من الإنتاج. وعلى هذا فإن التقاعد - وخاصة في إطار العمل الإسلامي - المؤسسي يُنظَر فيه لكل طَرَف على حِدَة؛ لأنه ليس مُلكَاً لشخص مَّا حتى يفني الأفرادُ أعمارهم كلها يتحملون تبعاته، وليست رسالته دنيوية بحتة تخضع لقانون الربح والخسارة المادي فنخسر اليوم ونكسب غداً، ولا يمكن تعويض الفشل والإخفاق فيه لأن النتائج العكسية تُحدِث شرخاً عظيماً في كيانه وبنيانه، وفي هذا مزيد من التفتت والتمزق، وأخيراً هو جهد احتسابي وتطوُّعي يُنظَر فيه أولاً وأخيراً للمصلحة العامة على حساب الفردية إن تطلَّب منا أن نجري هذه المعادلة. وبناء على هذا فإني لا أتراجع أن أقول: من فضلك... أفسح المجال!

قد يكون كلامي جانَبَه الصوابُ وأخطأ قلمي التشخيصَ والوصفَ، ولكن القارئ ربما يشعر بأن هذا السؤال يحتاج إلى طرحه ورفعه في وجوه بعض الناس؛ وخاصة أننا مللنا وأرهقت أسماعنا الاستغاثات والنداءات من هنا وهناك داخل إطار العمل الإسلامي بمختلف توجهاته وانتماءاته، وهو ما يوحي أن الماء فيه ما يعيق تقدُّمه وجريانه. وأنا ما قصدت بكلامي أشخاصاً محدَّدين ولا جهات ما؛ بقدر ما لاحظت أنها ظاهرة متفشية تكبر وتصغر من فصيل لآخر، ولست أدعو - كما قد يفهمه بعضهم - إلى الانقلابات والثورات والتمرد على القيادات، وترؤس الأحداثِ الغررة. فليس هذا مقصودي، ولكن لا نستطيع أن نبرِّئ ساحتنا الإسلامية من وجود نوع من الدكتاتورية الإدارية والحركية تمارَس في أروقة العمل الإسلامي من قِبَل بعض القيادات ألقَت بظلالها على نفسية من تحتها فهابوا ركوب مطية القيادة والريادة، واستسلموا لحتمية بقاء القيادة بعثراتها وسقطاتها حتى شاخ المشروع سريعاً وأحيل إلى التقاعد. ولسنا في مقابل ذلك نطالب بجوٍّ من الديمقراطية وحرية الرأي الغربية؛ وإنما المقصود أن نستشعر - بعيداً عن الشهوات الخفية المخفية - حقيقة أن المصلحة الدعوية فوق أي اعتبار.

كيف لا نطالب بتقاعد هذا أو ذاك وهو يرى أن تنحيته قتل للمشروع ووأد له، وأنه هو المخلِّص المنتظَر، فيبعث بالرسائل غير الشعورية هنا وهناك؛ أن لا حياة للمشروع بدوني، ويرى أحقيته بالقيادة والريادة وعدم التنازل عنها والتزحزح مليمترات قليلة، لأنه يعد نفسه من طلائع المشروع ومن الذين كابدوا وناضلوا في بداياته حتى استوى قوياً فتياً؛ فهو يرفع فاتورته الحياتية كلما بدا صوت يطالب بتصحيحٍ وتقييمٍ، ولا تسل بعد ذلك عن الألقاب والأوصاف التي تُلقى كالصواعق على رأس الناقد من قِبَل قيادته جراء ما اقترفته يده من توجيه نقد أو مطالبة بتقاعد، بينما من المعلوم بداهة أنه لا يوجد عمل في الدنيا مرتبط بقاؤه وموته بحياة شخص وموته، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله - تعالى -: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، ولقد تلا أبو بكر - رضي الله عنه - هذه الآية على الناس يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مذكراً بهذا المفهوم العظيم المستنبَط من الآية قائلاً: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيٌّ لا يموت. قال الله - تعالى -: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] قال: فوالله لكَأنَّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها[1].

وللشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – كلام نفيس عن هذه الآية أنقله بالنص حيث يقول: «وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله - تعالى - لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فَقْدُ رئيس ولو عظم؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فُقِد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله والجهاد عنه بحسب الإمكان؛ لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس؛ فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم»[2].

ونجد هذا المفهوم أيضاً عند الرجل الثاني في هذه الأمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما وجَّه بعزل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - من إمارة الجيش وتوليتها أبا عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه - لما بدأ الاعتقاد يسود في الجيش أن حياة وموت مشروع الفتح مرتبط بحياة خالد وموته.

إن القيادة الواعية تستشعر التحديات المحيطة بالمشروع فتضع السياسات الضامنة لاستمراريته وإن تعارضت مع (الأنا) القيادية؛ لأنه لا بد من ضرورة الفصل بين العمل رسالة ورؤية والعمل شخصاً وذاتاً، ومن تمعَّن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم رأى التوظيف الجيد للأتباع بما يضمن استمرارية مشروع الرسالة الإسلامية بعد وفاته. 

بعـض القيـادات أشبهـت الأم مـن حيث التـزام نظـرة ثابتـة لا تتغير مع أولادها مهما تقادم بهم السن؛ فلا يوجد في خططه وبرامجه (البلوغ القيادي والإداري) عند أفراده، ولا توجد كذلك البرامج التطويرية للأفراد مخافة أن يزاحموه على القيادة، ولا المواقف المتغيرة تجاه أفراده لتغيير المكان والزمان والحال، وربما تحصلوا على أعلى الدرجات العلمية والوظيفية في حياتهم العملية، ولكنهم لا يزالون في نظره طلابَه (أتباعه) الصغار، ونظرته وتقييمه لهم لم ولن يتغيرا أبداً؛ فهو لا يعرف إلا موقفاً واحداً ثابتاً نهائياً نحوهم؛ كأنما ختم على هذا بالعجلة، والآخر بشدة الغضب، والثالث بالعنترية حتى يفارق الحياة، وبناءً على ذلك يصل للنتيجة الحتمية، وهي: أنهم لا زالوا بحاجة إلى رعاية ووصاية إدارية وحركية طوال أعمارهم الزمنية التي لا تتقادم أبداً في نظر قائدهم.

وينبغي أن نفرق بين إصلاح الأخطاء والعثرات، في جو من الاستمرارية والحياة المتجددة للمؤسسة، وبين التعثرات التي تؤدي إلى تآكل العمل وتلاشيه وتوقُّفه، ومن ثَمَّ ينحدر العمل، ولا سبيل لنا لإيقاف انحداره إلا الإحالة للتقاعد، فينبغي هنا أن لا نقف عند رغبات أنفسنا وطموحنا ونسوق التبريرات والتمحلات لإقناع الآخرين بأن الأمور على خير ولا يوجد ما يدعو للقلق، ونحن في الحقيقة ننتصر لذواتنا ورغباتنا.

ومن المقاتِل العظيمة أن يسود العملَ نوعٌ من المجاملة البلهاء على حساب العمل، ولا يوقظنا منها إلا مرحلة الانهيار التام، فنملأ الدنيا حينها بالصراخ والضجيج ونرفع رايات التقاعد ولكن الوقت يكون قد فات. إنه لمن الإجحاف أن نظل ننظر للأمور مجاملة وحياء وهي تنحدر فلا يوقِفُ هذا الموقفَ الباردَ إلا الخيارات الثنائية الحاسمة القاتلة (أسود وأبيض)، وتكون التبعة بعد ذلك موت سريري لهذا الشخص، أو انقسام وتمزق يتبعه اتهامات وتخوين من قِبَل الأطراف المنقسمة؛ فلماذا لا تكون لدينا حاسة الاستشعار المبكر نستشف من خلالها مواضع الداء؟ ولماذا لا نعرف الحلول الاستباقية للحدث؟ ولماذا نعيش على الأزمات؛ فنقضي أعمارنا في معالجة الأزمات حتى أصبحنا جزءاً من الأزمة؟ إن الزمن لا يترك أحداً في منتصف الطريق ويدفعه ليسلك خياراً بالتقدم أو التراجع؛ فَمَن فَقِه رسالته واتضح هدفه لم ولن يكون من المتراجعين أبداً.

ليس التقاعد طرداً ولا يجوز أن يكون تنحية إلى هامش الحياة وشل الحركة، وتعطيل الحياة العملية للشخص، ولكنه تجديد وأمل؛ لأن التقاعد لا نصل إليه إلا إذا خيمت الأزمات والمخرج منها بأكبر قدر من المكاسب هو الأمل، وفي المقابل لا نفهم التجديد دائماً بأنه الطاقات الشابة؛ فهناك من الأعباء ما تقصم الظهور ولا يتصدى لها ويقوم بها إلا من عركته الأيام والأعوام. وهنا تظهر أهمية وفائدة التخطيط الجيد لدى القيادة في إدارة عملها وتوزيع الأدوار والأعمال بما في ذلك التقاعد.

 


  [1] أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة، رضي الله عنها.

 [2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 150.