نجح كتاب (عدوانية الغرب) في كشف حقيقة الصراع بين الغرب والإسلام، بلْ نجح بامتياز في الوصول إلى أصل الصراع وجذوره التي تمتد منذ نشأة الدولة الإسلامية في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ حيث أوضح المؤلف أن الإمبراطورية الرومانية لمْ تتسامح مع الإسلام، بلْ تعاملت معه على أنه عدو منذ البداية؛ فهي التي بادرت المسلمين بالعداء وواجهت الدعوة الجديدة بالرفض والمعاداة. وارتكبت تلك الإمبراطورية آنذاك جريمة تنكرها جميع الأعراف والمواثيق الدولية قديماً وحديثاً، وذلك بقتلهم مبعوث رسول الله! وهو الأمر الذي تسبب في معركة نشوب (مؤتة) في جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة!

أشكال الصـراع:

 إنَّ كتاب (عدوانية الغرب) الصادر عن مكتبة مدبولي الصغير بالقاهرة لمؤلفه عامر عبد المنعم، يعد وثيقة تاريخية مهمة، وحجة دامغة لمن أراد أن يقف على خلفية الصراع بين الغرب والإسلام.

  فقد أوضح المؤلف أن صراع الغرب مع الإسلام لمْ يكن عسكرياً فقط إنما اتخذ أشكالاً أخرى؛ فقد تم تشويه صورة الإسلام باختلاق كثير من الأكاذيب التي ساقها الكُتَّاب الغربيون، كما كان الهجوم على الإسلام هدفاً للإمبراطورية الغربية؛ سواء على الصعيد العقدي أو الصعيد الدعائي من جانب المؤرخين والمستشرقين المدعومين بعلماء اللاهوت في البلاد الخاضعة لسيطرة المسلمين، وقد تبعهم في المنهج  نفسه أحبارٌ وقساوسةٌ بدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي وحتى يومنا هذا. كانت هذه الدعاية قائمة على أساطير وأكاذيب جديدة لكتَّاب لمْ يعدموا الجهل بالأحاديث التاريخية، كما لمْ يُحرَموا موهبة تلفيق الأكاذيب، وكانت ثمرة هذه الدعاية ما اصطُلِح على تسميته في أوروبا باسم أسطورة مُحَمَّد.

إنَّ ما كتبه المستشرقون ضد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يوضح بجلاء كَمَّ الكراهية وسوء النية المبيتة، وقد شهد «أرنيست رينان» على تحامل أبناء جنسه وملَّته من المستشرقين على الإسلام ونبيِّه صلى الله عليه وسلم. يقول رينان: «لقد كتب الغربيون تاريخاً غريباً عن مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، إنه تاريخ مليء بالحقد والكراهية له».

ولم يحدث أن سعى الغرب لمراجعة مواقفه وتغيير أسلوب تعامله مع المسلمين، فموقفه العدائي هو الأصل الراسخ، وصراع الغرب مع الإسلام هو صراع لا يمكن أن يصل إلى حل؛ لأنه صراع بين مواقف نهائية. فالغرب يرى في الإسلام خطراً عليه، ثم إنه لا يعترف بأنه دين سماوي! وذلك يجعلهم يعتقدون أن الإسلام عدو يجب مواجهته والحد من أثره.

مراحـل العدوان الغربي:

يقول المؤلف: لقد اندفع الأوروبيون لغزو العالم في ظل تفوقهم العسكري، واستخدموا القوة لحكم الدول الرافضة لهم. وقد شهد التاريخ المعاصر ظهور ثلاث موجات متتالية من الهجمات الغربية على العالم، تتلخص هذه الهجمات في (الحروب الصليبية)، و (الحملات الاستعمارية)، ثم (الحروب الاستباقية). وما حدث في هذه المحطات من خسائر كلَّف البشرية كثيراً على حساب عقائدها وأمنها ومصيرها؛ فقد أشاعت تلك الحروب الكراهية والعداوات الدينية، وبذرت التقسيمات الجغرافية والسياسية في حروب بين الجغرافيات والأعراق لا زالت ترهق الشعوب حتى اليوم.

كان الدافع الديني هو المحرك الأبرز وراء الحروب الصليبية؛ إذ توحَّدت أوروبا تحت راية الصليب. أما في الموجة التالية - وهي الموجة الاستعمارية - فقد اختلط الدافع الديني بالاقتصادي. وفي المواجهة المعاصرة اختلط الديني بالاقتصادي مع الرغبة في الهيمنة والسيطرة على العالم في الحروب الاستباقية.

 لقد حرص الغرب منذ الحملات الاستعمارية على الهيمنة على العالم الإسلامي كما يقول المؤلف، ورغم سحب وتخفيف الوجود العسكري إبَّان حركات الاستقلال في الخمسينيات والستينيات، فإن الغرب نفذ كثيراً من الإجراءات التي حافظت على استمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية. لكن مع ظهور وتنامي الحركات الإسلامية، وتصاعد الدعوة للاستقلال عن الغرب، وإعادة بناء الدولة الإسلامية، بدأ الغرب يكثف من وجوده العسكري لفرض سيطرته. وتطور الأمر إلى المبادأة بالاعتداء على المسلمين لإجهاض أي قوة ناشئة يمكن البناء عليها.

سياسة الحروب الاستباقيـة:

يشير المؤلف إلى أن الغرب بدأ في البحث عن عدو جديد مع نهاية الحرب الباردة وتفكُّك الاتحاد السوفييتي (سابقاً) فلم يجد سوى الإسلام. من أجل ذلك عقدت المؤتمرات والندوات، وصدرت التصريحات تلو التصريحات، ثم أُعلنت الإستراتيجيات والخطط لحشد التأييد الغربي للمواجهة مع العدو الجديد، الذي بالغوا في تضخيم خطره لتجهيز حلبة المصارعة للقضاء عليه، وتوج ذلك كله بنظرية صمويل هنتنغتون «صدام الحضارات».

فقد لوَّح هنتنغتون بخطر الحركات الإسلامية، والدعوة إلى مواجهتها قبل أن تمتلك أدوات القوة العسكرية. وقد لقيت هذه الدعوى الكاذبة تأييداً من أصحاب القرار في الولايات المتحدة، فسيطرت بشكل كبير على تفكيرهم، وانتقلت هذه التصورات إلى وسائل الإعلام الغربية التي بدأت بتعزيز صورة نمطية عن الحركات الإسلامية في المخيلة الاجتماعية الغربية ضد الإسلام والمسلمين.

وكان لروح الصراع دورها في تطوير الهجوم واستهداف الدول الإسلامية التي ترفض التبعية الكاملة للغرب وتضييق الخناق عليها. وفي هذا الإطار وضعت أمريكا قائمة حمراء لهذه الدول أطلقت عليها اسم «الدول المارقة». وتم ضم دولتين غير إسلاميتين هما «كوبا، وكوريا الشمالية» للقائمة، لتمرُّدهما على الهيمنة الغربية وللضغط عليهما، ومنعهما من تقديم أي دعم في مجال التسليح للدول الإسلامية.

 وقد بدأت أمريكا هذه الدول بالعدوان بحشد الدول الغربية المتحالفة معها لحصارها وتضييق الخناق عليها. وفي هذا الإطار هاجمت أمريكا ليبيا والسودان وأفغانستان والعراق بالصواريخ خلال الثمانينيات والتسعينيات، ثم غزو الدولتين الأخيرتين واحتلالهما عسكرياً مع بداية الألفية الجديدة.

ولمَّا كان الغرب لا يستطيع شن حروب عسكرية ضد كل الدول الإسلامية في وقت واحد، فإنه نوَّع أساليب الحرب تحت الاضطرار، وجَيَّش كلَّ ما هو متاح في الإجراءات الاستباقية. وفي هذا الإطار ابتكر الغرب الحرب على ما يسمى «الإرهاب» لاحتواء ظاهرة عودة المسلمين إلى الدين، ومواجهة الحركات الإسلامية التي تريد إعادة الخلافة الإسلامية مرة أخرى كوعاء يستعيد القوة الإسلامية.

وبالفعل فقد سعت الولايات المتحدة لحشد تحالف عالمي للصراع مع المد الإسلامي تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، ورصدت ميزانيات ضخمة وشكلت منظمات أمنية وأطراً مؤسسية لتجنيد العالم في معركة المطاردة والمحاصرة. وحرَّضت أمريكا دولاً وحكومات للانخراط معها في هذه الحرب، وقدَّمت المعونات والخبرات الفنية لإلزام دول العالم وإجبارها على المشاركة. كما استطاعت الولايات المتحدة إدخال المنظمات الدولية في الصراع، واستخدمت الأمم المتحدة لإصدار التشريعات والمواثيق لإلزام العالم بالتورط في المعركة.

 يرى المؤلف أن الحروب الأخيرة التي أشعلها الغرب عقب أحداث سبتمبر 2001م لا يمكن النظر إليها على أنها ردُّ فعل، أو عزلها عن المعتقد والسلوك الصراعي للغرب مع المسلمين. فالعداوة سابقة على هذا التاريخ، والاستعداد للحرب كان مُبَيَّتاً؛ سواء وقعت أحداث سبتمبر أمْ لم تقع. لكن التوقيت ربما كان سيتأخر قليلاً. وأما هذا الانتقام من دول وشعوب المنطقة بالشكل المأساوي الذي حدث لا نجد له تفسيراً إلاَّ أن روح الصراع تجعل الغرب ينزع إلى الاعتداء والإبادة في كل الأحوال.

حصاد العدوان الغربي ونتائجه:

إن تفوُّق الغرب العسكري أغراه بالعدوان، وتسببت عقلية الصراع في توريط الغرب في مغامرات عسكرية، فوجئ أنها فاقت قدرته على تحمل اتساعها وامتدادها؛ فمع كثرة اعتداءات الغرب على المسلمين ظهرت نقاط الضعف لديه، في الوقت نفسه الذي تجلت فيه عناصر القوة لدى الطرف الآخر. وقد ثبت أن الإفراط في استخدام القوة يضعف تأثيرها مع الوقت، ولا تجلب النصر دوماً.

لقد دفعت روح الصراع الغربَ لغزو العراق وأفغانستان لتقديم عبرةٍ لباقي المسلمين، فإذا بالنتائج تأتي عكسية؛ فقد تسبب هذا التقطيع في أوصال الدولتين وتجريب أسلحة الدمار الفتاكة في شعبيهما، وانكشاف الوجه العدائي للغرب، تسبب في ردة فعل في الجانب الإسلامي؛ فأيقظ روح المقاومة وأحيى فكرة الجهاد. ووجدت أميركا نفسها متورطة في مستنقع لا مثيل له. وتحول النصر السريع في البداية إلى انكسار واستنزاف في ما بعد. وبدلاً من الاحتفال بالانتصار أصبحت الأُمنية هي الانسحاب والفرار.

نعم، لقد تسببت روح الصراع العدائية لدى الغرب في ولادة روح المقاومة في الجانب الإسلامي، وقوبلت القوات الغازية بروح قتالية لم تكن تتوقعها، ولم تستطع ترسانة الأسلحة الأمريكية كسر عزيمة المقاومين الذين يقاتلون بأسلحة لا تُقارن بما لدى الجيوش الغربية المتحالفة. ولم يرهبهم الهجوم الغربي المسلمين بقدر ما قوَّى قدرتهم على التحمل وامتصاص الضربات، وأفقد الجيوش الغازية هيبتها. ومقابل حشود الجيوش الغربية المتدفقة على مناطق القتال، احتشدت حركات المقاومة الإسلامية هي الأخرى، التي تشكلت من جنسيات عربية وإسلامية عدة وكونت جبهة مضادة، وقد تسبب توسيع ساحة الصراع في خروج المعارك عن السيطرة.

إن القدرة على شن الحروب لا تعني القدرة على إنهائها. ربما كانت الصـورايخ والقنابل والقصف من الجو مؤلمة للخصم لكنها غير كافية لإنهاء المعركة؛ فهناك عوامل أخرى تحسم المعارك بجانب الأسلحة والتخطيط العسكري؛ فقد ظهر العنصر البشري عاملاً حيوياً في تحقيق النصر. هذا الصمود البشري والتفاني في القتال ربما لا يظهر في بداية المعارك لكن مع استمرار واتساع الحروب التي تحركها عقلية صراعية لا هدف لها سوى قهر الآخرين، تولد عناصر بشرية لا تتأثر بقوة الخصم ولا تبالي بقدرته التسليحية، وتفرض حقائق جديدة تقلب المتعارف عليه في الحسابات الإستراتيجية.

وصفة علاج:

يشخِّص المؤلف عِلَلَ الغرب وأمراضه، ثم يقدم وصفة علاج ناجعة، فيقول: إنَّ التاريخ القديم والحديث يثبت أننا أمام كيان يعاني من مرض مزمن. فالغرب مريض بداء الولع بالصراع مع الآخر والعدوان عليه، وهذا المرض الذي ألمَّ به تسبب في استنزافه،  واستنزاف العالم معه، ومن ثَمَّ على العالم أن يساعد هذا المريض كيْ يتعافى. وأول مرحلة للعلاج أن نشخص المرض، وأن نوضح للمريض حقيقة مرضه. وفي حالة رفض الغرب الاعتراف بجرائمه في حق البشرية وفي حق نفسه، ليس أمام شعوب العالم إلاَّ التكاتُف والتصدي له، ووقف عدوانه وعزله ووقف خطره.

إن استمرار مرض الغرب لا يعني أنه سيظل يواصل تأثيره العدائي إلى الأبد، فها نحن نرى اتساع ظاهرة التمرد على الهيمنة الغربية في أمريكا اللاتينية وفي آسيا. لكن التمرد الإسلامي هو الأهم بالنسبة لنا وللعالم؛ فهو الكفيل بردع هذه الروح الشريرة. وها نحن نشعر بأن جسد العالم الإسلامي قد بدأ يُكَوِّن الأجسام المضادة ويُقَوِّي جهازه المناعي لكبح جنون «فيروس الصراع». وتبدو إرهاصات عودة الإسلام مرة أخرى محركاً وقائداً لاستعادة الدولة الإسلامية التي أصبحت ضرورة حتمية لحماية المسلمين وغيرهم، ولإعادة التوازن العالمي المختل.

في المقابل لم يعد لدى الغرب القوة القادرة على مواصلة الصراعات، بسبب الانهيار الذي أصاب الإنسان الغربي الذي سيطرت عليه المادية وملكت كيانه، وجعلته غير قادر على التضحية والقتال بسبب ظهور إرادة المقاومة وحب الموت عند المسلمين. وهنا الفرق بين إرادتين: إرادة محبة المتعة والحياة، وإرادة محبة القتال والشهادة. وعند الصدام تنهار الإرادة الأولى أمام الإرادة الثانية.

وفي سبيل مواجهة المرض العضال الذي ابتُلِي به الغرب (الصراع العسكري) يطالب المؤلف بضرورة كشف روح الصراع عند الغرب وإظهار مرضه المزمن حتى يتعامل معه الآخرون بما يفيدهم وبما يؤدي إلى عزل الكيان المريض والحد من خطره.

ويرى أيضاً ضرورة وقف انتشار روح العداء الغربية ومنع تصديرها إلى شعوب العالم؛ بتقوية المقاومة ضدها، وإحياء حالة الممانعة (فكرياً واجتماعياً وسياسياً)، ووقف حملات تحسين صورة الغرب التي يقوم بها بعض الناس عن عمد وسوء نية، أو عن جهل وسذاجة بإظهار مزاياه فقط، والتكتم على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها.

كذلك البدء بتحرير البؤر التي تعاني من تصدير الصراع إليها في العالم الإسلامي؛ سواء من تدخلات خارجية في صورة احتلال أو هيمنة، أو تدخُّلات غير مباشرة في صورة محاولات تغيير السياسات والنُّظُم الاجتماعية.

وأيضاً السعي لتوحيد الجهود لإعادة الكيان الإسلامي لرد الاعتداء وصد العدوان الغربي والحد من أثره وإعادته إلى حدوده القديمة والسيطرة عليه.

ولا بد من التواصل مع الكيانات الحضارية الأخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا لبناء جبهة واسعة للتصدي لروح الصراع الغربية.

 ويرى التحاور والتفاهم في الوقت ذاته مع الغربيين الذين يشعرون بخطورة المرض، ويشاركون في أداء أدوار إيجابية ضد روح الصراع السائدة في الغرب.

الحق أقول: إنَّ كتاب (عدوانية الغرب) لمؤلفه (عامر عبد المنعم) غاية في الأهمية للباحثين والمفكرين الإستراتيجيين على وجه الخصوص؛ للوقوف على حقائق الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، أو بين الشمال والجنوب. ومعرفة جذور العداوة التاريخية، وكيفية التعامل مع هذا الملف الشائك، إنها معركة الوجود بين القرآن والتلمود!