الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

انجفلت الشعوب العربية والإسلامية من تصريح الحبيب بورقيبة حول الرضا بالأمر الواقع وتقاسم الأرض مع اليهود، ثمَّ أدركها الغبن والألم من زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، وتوقيع معاهدة كامب ديفد الشهيرة عقب ذلك، ولا زالت الأمة تستنكر اتفاق أوسلو، ومعاهدة وادي عربة، وصولاً إلى ما تبعها من لقاءات، وافتتاح مكاتب، وتوقيع معاهـدات جديدة صريحة، وتفعل جماهير الأمة ذلك مع قناعتها أن البواطن تبتلع الكثير مما لا يُبلع ولا يقبل؛ بَيْدَ أنها سكتت حين لم يَطْفُ على السطح شيء، وقدَّرت مَن راعى مشاعرها وكتم فعاله.

ولسنا ها هنا لأجل تقديم رؤية شرعية أو سياسية أو اقتصادية عن المعاهدات المعلَنة مع اليهود؛ فلهذا الباب فرسانُه من ذوي البصيرةِ بالسياستين الشرعية والواقعية، والمعرفةِ بقراءة الأرقام الاقتصادية، الذين يعرفون أحكام الدين، ويجيدون متابعة حركة المال والتجارة، ولا تغيب عنهم مقتضيات العلاقات الدولية، ولوازم القانون الدولي والأعراف المفروضة على الجميع، مع أنهم لا يرضون بالاستكانة أو الخنوع؛ وإنما يتعاملون مع الواقع بحسب الممكن بعد دراسة الاحتمالات، وإحسان اتخاذ الخطوات، وبمثل هؤلاء تأمن الأمة على دينها ودنياها في حاضرها ومستقبلها.

إنما الخشية كلُّ الخشية من أن يقتحم هذه الشؤون المصيرية من ليس أهلاً لها فلا علم له ولا بصيرة عنده ولا تجربة لديه، وفوق ذلك تعلو مصالحه الخاصة على أيِّ شيء آخر، وتزداد مخاوفـه من بَشَرٍ لو تأمل في أحوالهم لوجدهم منه ومن قومه أخوف، ولكن من يقنع المنهزم المنكسر بأن في بني عمه رماح، وأن مخالبه وإن قُصقِصت ففيها بقايا حدَّة تخمش وجوه الظلم وأهله حتى تدميهم وتكثر فيهم الجراح، وتخيفهم كي يرجعوا على أعقابهم خاسرين.

وبناء عليه فها هنا وقفات على هوامش اتفاقيات التطبيع العربية والإسلامية مع دولة الاحتلال اليهودي (إسرائيل) التي عبثت بأرض المسلمين والعـرب في فلسطين وغيرها، وزادت من غطرستها بضعفنا وتنازُعنا، ثمَّ بحبل ممدود من القوى العالمية وعلى رأسها الدعم الأمريكي المفتوح دونما قيد أو شرط، وهذه الهوامش لا تغني عن متن أوسع، وعسى أن يكون فيها ما يدل على حقيقة ذلك المتن ومراميه، فأحياناً يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

فأول هامش يبدو هو أن تلك الاتفاقيات وُقِّعت عقب أحداث سياسية أو عسكرية سواء إقليمية أو دولية؛ مثل إعلان الدولة اليهودية، أو نهاية الحروب، أو إعادة ترتيب بعض الشؤون الداخلية للبلدان، أو في خضم الارتباك العربي الكلي أو الإقليمي، وهذا الملحظ لا يجعلنا نقول بأن اليهود هم من يصنعون الأحداث دوماً بَيْدَ أنه من الأكيد أنهم من أبرع الناس في اقتناص الفرص وصناعتها، وتحويل مسار الأحداث لخدمتهم.

ويتبع ذلك ما يترتب على الاتفاقيات من (مكاسب) محدودة تقدَّم للدول الموقِّعة؛ مثل اعتماد دعم مالي أو عسكري سنوي، وحثِّ الدول الغنية على مساعدة البلاد الموقِّعة للمعاهدات، ومثلها تأخير أمد القروض، وتسهيل بعضها، ورفع الحظر عن أشخاص أو أجواء أو بلاد، وشطب الأسماء من قوائم (الإرهاب) العالمية، وجميع هذه الأعطيات أثبت الزمن فشلها؛ فاقتصاد البلاد المطبِّعة منذ القدم في انهيار، وديونها في تضاعف، والمستقبل لا يعلم به إلَّا الله، وتؤشر إلى أهمية أمن (إسرائيل) في أعراف السياسات الغربية، ولا تقارن فوق ذلك بمكاسب (إسرائيل).

كما تبرز ظاهرة تأخير التمثيل الدبلوماسي مع (إسرائيل) خاصة في الاتفاقيات الأولى، وتكثر بعد بدء التمثيل الدبلوماسي حالات سحب السفراء، أو تأخير إعادة من سُحب منهم، أو التباطؤ في تسمية البديل، وهذا يشير إلى خلل في بنية العلاقة مع دولة الكيان الإسرائيلي، ومما يدخل ضمن هذا السياق أن وزراء الخارجية في مصر خلال عقد السبعينيات الميلادية تغيروا بضع مرات بل ظلت وزارة الخارجية بلا وزير في أكثر من حكومة، أو أسندت إلى وزير بالنيابة، وهو ما يشير إلى إشكال إداري أو ارتباك في دبلوماسية البلد آنذاك.

كذلك تكشف ذكريات المشاركين في دهاليز هذه الاتفاقيات عدداً من الأمور، ومن أبرزها ما ذكره الأمريكان من معاناتهم الشديدة في التعامل مع رئيس وزراء إسرائيل (مناحيم بيجن)، وصعوبة إقناعه بأيِّ رأي، وطلبه المزيد من الوقت للتشاور مع فريقه لمدة أيام متتالية دون خضوع لضغوط الأمريكان الحريصين على مكاسبهم الانتخابية، ودون مجاملة لحلفائه الذين منحوه ما يريد وزيادة من مال وسلاح ودعم، وبالمقابل يذكر أولئك القومُ باستغراب أن الطرف العربي في تلك المفاوضات لا يتأخر في التفاعل مع مطالبهم حسبما يريدون، ولا يرجع لمستشاريه، ولا يتصلب البتة مع الوسيط الأمريكي، ومن المحزن ما كتبه مستشاروه أو قاله المرافقون معه أنه حين يشاورهم يخالفهم!

وفوق ذلك كله أبدى الرئيس الأمريكـي (جيمـي كارتر) امتعاضه بمرارة قد لا تكون مفتعلة من تصرفات (بيجن) وحكومته؛ ذلك أنهم لم يلتزموا بما تعهدوا به صراحة، وأعادوا تفسير النصوص المبهمة في المعاهدات حسب رغباتهم، وإضافة إلى ذلك لم يأبهوا بكبير البيت الأبيض وزعيم أمريكا حينما أيقنوا أنه سيصبح رئيساً سابقاً، فآلت جميع أتعابه لصالحهم دون أن يكسب هو منها الفوز بالانتخاب، أو على أقلِّ تقدير يظفر بشيء من التقدير والتوقير مقابل إحسانه الكبير لليهود.

وإذا كان هذا هو تعامل اليهود مع الرجل الذي خدمهم بما يعلمونه ولا ينكرونه، وهو حليف إستراتيجي لهم، ودولته شريك أساسي لصيق بدولتهم المغتصِبة لأكثر من سبب، فما هو المتوقع منهم تجاه غيرهم من الذين ينتسبون لحضارة معادية، ولليهود معهم تاريخ من البغض والمؤامرات، فضلاً عمَّا يستقر في عقائد يهود من ترفُّع وعلوٍّ وغدرٍ، ورؤيةٍ للآخرين تضعهم موضع الازدراء والتحقير، وتُقصيهم عن أيِّ حق شرعي أو طبيعي في الحياة والتملك وغيرها؟

لأجل ذلك لن نعجبَ حينما نسمع أوصاف اليهود للزعماء الذين وقَّعوا معهم، أو لأحاديثهم عن بلدان أولئك الزعماء، وغيرتنا تنصرف إلى البلاد وأهلها فقط فهم أسمى مما يقوله يهود من كذب وظنون، وأما مستجلب المهانة لنفسه فلربما أنه يستعذبها طوعاً أو يهضمها كرهاً، ولو تفرغ باحث لجمع ما تعرض له أولئك الزعماء وبلدانهم من إهانات وفضائح على يد اليهود لرأينا مزيجاً من الحقائق والآراء والأكاذيب التي تشترك في استدعاء الغثيان، ويكفي أن نخرج بنتيجة مؤدَّاها أن اليهود لا يصبرون على حفظ الأسرار؛ فعندما يبوح لهم أولئك القوم بسوء القول، وسقيم الرأي، فإنهم يسجلون وربما يزيدون ثمَّ ينشرون ولو بعد حين، وباء بالخذلان وشر أحدوثة مَن وَثِق بهم وفاض كأسه بين أيديهم، وصدق الله القائل: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

أيضاً نجد في تصريحات يهود تكذيباً لأقوال الموقِّعين معهم والمهرولين إليهم دون مراعاة لأثر هذه الفضيحة على أصدقائهم، وفي مواقف اليهود ما يفيدنا بأنهم لا يثقون بمن مدَّ يده إليهم، ولذا يعارضون إمداد بلاده بصفقات السلاح أو التقنيات المتطورة، ومهما كان التفسير للموقف اليهودي فهو قبيح في حقِّ الحليف ومخزٍ له؛ لأنهم إما لا يرون شريكهم الجديد أهلاً لهذه المعدَّات والتقنيات، وإما يرونه من الضعف بمكان لا يضمن لهم استمراره ومن ثَمَّ يخافون من وقوعها بيد خَلَف لا يأمنونه أو لا يثقون به، وإما أنهم يخشون من صحوته ونقضه لعهدهم أو مساومتهم عليه، وهذا التفسير الأخير يقتضي أن نحسن الظنَّ لأنه بعيد للغاية إلَّا أن يشاء الله شيئاً كان في الكتاب مسطوراً!

وتخفي نصوص المعاهدات أكواماً مثلها وأزيد لا يطَّلع عليها الناس خاصة في البلاد العربية والإسلامية، وهذه الأوراق المدفونة بعيداً عن الأعين تظهر في وسائل الإعلام اليهودية أو العالمية، وفيها ما يثير العجب من تدخلات اليهود بقضايا تفصيلية ومحلية، ومن الأمثلة عليها ما أُعلن لاحقاً عن قيام وزير الزراعة اليهودي آنذاك (آرييل شارون) بالطيران فوق الأراضي الزراعية العربية بمروحية تجعله قريباً من الأرض وقادراً على تسجيل الملاحظات، وما نجم عن تلك الطلعات الاستكشافية من أحد مجرمي الحرب ورموز الإرهاب اليهودي، وللزراعة في البلاد العربية ذات الأنهار فرص وعوائد لو وجد هذا القطاع الحيوي رجلاً قويّاً أميناً يوليه العناية كما فعل نبي الله الصديق يوسف عليه السلام.

بينما يحرص اليهود على ضبط إيقاع الإعلام في عالمنا، وتصفية المناهج الدراسية في بلاد المسلمين بما يناسبهم، ولن يمنعهم الحياء المفقود من الحديث عن خطب المساجد والنصوص الدينية المقدسة، وبالمقابل لا أدري هل طلب زعماء العرب من اليهود مطالبات شبيهة بها أم لا، وهل اقترحوا عليهم منع أو تقليل الهجوم الفكري والإعلامي على ثقافتنا في الوسائل التي يسيطر عليها يهود العالم؟ ولو فعلوا فهل يجرؤ زعيم يهودي على تطبيق هذه الشروط في الإعلام أو التعليم أو الكُنُس أو الكتب المقدسة عند أهل دينه وفي نظام بلاده؟

ويتيح اليهود لشعبهم ومثقفيه ووزرائه وحاخاماته إبداء الاعتراض على أيِّ اتفاقية كاملة أو جزئية دون أن يستلزم ذلك أعمالاً قمعية تجاه المخالف؛ بل ربما يذهب رئيس الوزراء اليهودي إلى المحاكمة بسبب فساد أو غيره من مقتضيات السلام، ويأمن أصحاب الآراء على أنفسهم، وهذا سلوك غائب عند جلِّ أحباب تلِّ أبيب؛ فلا هم أخذوا منهم الحرية والعدل مع قومهم، ولا اقتبسوا منهم التقدم العسكري والتقني، ولا رضوا بمصير يماثل مصير رئيس سابق أو حالي تطلبـه المحاكم اليهودية بين فينة وأخرى؛ فأيُّ تقارب هذا الذي لا يفيد أحد طرفيه من حسنات الآخر!

بل الأمر أبعد في أحد ملامحه على هوامش السلام وتبعاته؛ ذلك أن سمعة الزعماء الساعين لتوقيع هذه الاتفاقيات من الطرفين تنخفض لدى قومهم بدرجة كبيرة، وبعضهم دفع حياته ثمناً لها، وفي المقابل جيِّرت نجاحات الزعيم المطبع إلى غيره نكاية به كما يفعل بعض المحللين بحرب العاشر من رمضان حين ينسبون (النصر) الذي تحقق فيها إلى تخطيط الرئيس السابق واستعداداه مع أنه مُني خلال رئاسته بهزائم متعددة ليس منها التوقيع على اتفاقية؛ فنجى من معرَّة لحقت بمن جاء بعده وسلبت منه أيَّ حسنة.

ومما يلفت النظر أن (دولة إسرائيل) لم تتوقف عن مراكمة القوة بأنواعها؛ فهي متأهبة للحرب والقتال أكثر من استعدادها للسلام ولو وقَّعت ألف معاهدة، وتُهرَع دولة الكيان لعقد تحالفات مع أيِّ دولة أو مجموعة بشرية محيطة بعالمنا الإسلامي والعربي مع وجود خلاف ديني أو عرقي معها، فلها علاقات وثيقة مع دول آسيوية وإفريقية غير مسلمة، ومع كيانات عرقية ليست عربية، وهذا مؤشر يلفت النظر، حتى لكأنها تريد إحكام شد الحبال الغليظة حول عنق عالمنا!

مما يسترعي الانتباه أيضاً أن كثيراً من المتسارعين إلى مصافحة اليهود لم يفعلوا ذلك مع إخوانهم العرب والمسلمين، وليس لأكثرهم باعٌ في حشد القوة المادية أو العسكرية أو الناعمة حتى لو كانت مشترياتهم من الأسلحة تفوق ما تبتاعه عدة بلدان قوية، وأصبحت شعوب بعض تلك البلدان أكثر شعب مدجج بالسلاح في العالم قياساً على ما تشتريه حكوماتهم، ولا يدري أحد لِمَ هذا الإنفاق الهائل على التسلح، ولمن تذهب تلك الكميات الكبيرة من العتاد؟

وسيظلُّ الباب مشرعاً لدراسة آثار (السلام)ومعاهداته بتجرد علمي حتى نصل إلى قناعة تامة بالرأي الصواب، وسيبقى دفتر التطبيع مفتوحاً نكتب فيه ما نشاء إعذاراً للنفس، وتبرئة لها عند الله جلَّ جلاله، وشهادة للتاريخ، وقد لا يغلق هذا الدفتر قبل أن تنشب معركة موعودة يكون شجر الغرقد أحد مكوناتها مصداقاً لحديث نبينا عليه الصلاة والسلام القائل: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وزاد مسلم: «إلَّا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود»[1]


 


[1] متفق عليه.